عقد مهرجان «كانّ» السينمائي، ضمن مسابقته الرسمية، المؤتمر الصحافي لفيلم «The Dreamed Adventure» للمخرجة الألمانية فاليسكا غريسباخ. وخلاله، أعرب صنَّاع الفيلم وأبطاله غير المحترفين عن فخرهم بالعمل الذي استغرق سنوات من البحث والتحضير، مؤكدين أنه يُلامس واقعًا أوروبيًا معقّدًا بروح إنسانية صادقة.
تدور الأحداث في بلدة سفيلينغراد الصغيرة، الواقعة على الحدود البلغارية، حيث تلتقي عالمة الآثار فيسكا بصديقها القديم سعيد بعد سرقة سيارته. وتُشكل مساعدتها له واصطحابه إلى موقع التنقيب الأثري نقطة تحوُّل، إذ تنجذب فيسكا تدريجيًا إلى العالم المريب والغامض الذي جاء منه سعيد.
وسرعان ما تنطلق في رحلة استكشافية خاصة تكشف الروابط الإجرامية الكامنة وراء هذه البلدة التي تبدو بريئة وهادئة على مشارف أوروبا، مما يضعها في مواجهة مباشرة مع ماضيها وحقيقة المكان.
خمس سنوات من البحث والارتجال
كشف المؤتمر أنّ الفيلم لم يعتمد على سيناريو تقليدي، بل بُني على معالجة درامية سمحت بالارتجال الممنهج والتطوّر المستمرّ للشخصيات.

وأوضحت مسؤولة اختيار الممثلين، أن مرحلة البحث واختيار أماكن التصوير، برفقة المخرجة، استغرقت خمس سنوات، التقت خلالها بعدد من الأشخاص الحقيقيين الذين ظهروا في الفيلم، وتلا ذلك عملية اختيار ممثلين مكثفة استمرَّت عامين، لاختيار مواهب مذهلة وشجاعة من أنحاء بلغاريا.
وفي إجابتها عن تشبيه أحد النقاد لأسلوب الفيلم بأعمال الكاتب الأميركي في تجفيف وتفكيك الأنواع السينمائية، أكدت المخرجة فاليسكا غريسباخ شغفها بإعادة صياغة الأنواع السينمائية لاستكشاف بناء المجتمع والجندر.
وأشارت إلى أنها حاولت في هذا المشروع تحدّي النظرة الذكورية التي استبطنتها داخلها، والابتعاد عن الضغط التقليدي للنوع السينمائي القائم دائمًا على الصراع الثنائي، مُستلهمة صورة امرأة تنظر في الظلام ثم تخطو نحو الضوء.
صناعة السينما من واقع الحياة
بدورها، وصفت الممثلة يانا راديفا شخصيتها بأنها ليست امرأة قاسية، بل دبلوماسية وناعمة، تسعى إلى حلّ الأمور بطرق مهذبة، لكنها تثور وتغضب إذا لم يتحقَّق ذلك، لتصل إلى مبتغاها.

وعبَّرت عن سعادتها بعد مشاهدة الفيلم كاملًا للمرة الأولى في المهرجان، مؤكدة أنّ العمل يُمثل واقعهم الحقيقي ويستحق الاحترام.
وتحدثت المونتيرة بيتينا عن خصوصية العمل مع غريسباخ للمرة الثالثة، مشيرة إلى التعامل مع كميات هائلة من المواد المصوَّرة بسبب اعتماد المخرجة على تصوير المشهد الواحد مرات، فيمتدّ إلى نحو 20 دقيقة.
وأوضحت أنّ مَهمّتها تمثَّلت في استخلاص قصة مكثَّفة، مدتها 9 دقائق، من ساعة كاملة من المواد، واصفة هذه التجربة بأنها تجعلها تتنفَّس وتعيش داخل عقول الممثلين.
وأعربت المخرجة غريسباخ عن حبّها الشديد لبلغاريا وشعورها بالانتماء إليها، مفسِّرة عودتها للتصوير فيها بعد فيلمها السابق «Western» برغبتها في فَهْم الوجوه المتعدّدة لأوروبا.

وأوضحت أنها أرادت استكشاف أصداء تسعينات القرن الماضي والتغيّرات التي تلت عام 1989، وكيف يعيش جيلها هذه التحولات. وأضافت أنها كانت تشعر بالقلق دائمًا، كونها مخرجة ألمانية تصنع فيلمًا في بلغاريا، وإنما التعاون الصادق مع الفريق المحلّي بدَّد مخاوفها.
وردًا على سؤال حول حساسية تناول موضوعات مثل تهريب البشر والمافيا على الحدود، أكدت المخرجة أنها وفريقها تنقلوا في المنطقة لخمس سنوات، ولم يشعروا بالخوف أبدًا بفضل دعم السكان المحلّيين.
وأشارت غريسباخ إلى أنّ التهريب بجميع أشكاله يُعدُّ جزءًا من واقع الحياة المعقَّد واليومي على الحدود، نتيجة لرغبة الناس في كسب العيش، وهو أمر يتّسم بكثير من التناقض والعمق الإنساني، إذ يمتزج فيه القانوني وغير القانوني.
وشهد المؤتمر لفتة مميزة من أحد الصحافيين البلغار، الذي عبَّر عن سعادته برؤية الممثلين البلغار يبتسمون على الشاشة في مهرجان «كانّ»، مكسرين الصورة النمطية بأنّ الشعب البلغاري جاد ولا يبتسم كثيرًا.
وعلَّقت المخرجة بأنها وقعت في حبّ البطلة يانا راديفا منذ اللحظة الأولى بسبب طاقتها، مستشهدة بكلمات الأخيرة في مقابلة سابقة، حين قالت إن التمثيل كان طبيعيًا بالنسبة إليها، وكأنها تفعله طوال حياتها، وهو ما عدَّته غريسباخ هدية عظيمة للفيلم ظهرت بوضوح في المواد المصوَّرة.