بحضور النجمة الإيطالية مونيكا بيلوتشي، أقام مهرجان «كانّ» السينمائي المؤتمر الصحافي لفيلم «The Birthday Party» للمخرجة الفرنسية ليا ميسيوس، في آخر عروض المسابقة الرسمية للدورة الـ79.
وشهد المؤتمر حضور الروائي لوران موفينييه، مؤلِّف الرواية المقتبس عنها العمل، وتناول نقاشًا حول تحدّيات تحويل الرواية الضخمة إلى شاشة السينما، وكيفية بناء أجواء التشويق وحَبْس الأنفاس من دون الاعتماد على الأنماط التقليدية للأبطال والأشرار، مع التركيز على ثنائية الخوف والعنف المفاجئ الذي يُفكك استقرار العلاقات الإنسانية.
تدور الأحداث في منطقة مستنقعات نائية ومعزولة، حيث يعيش توماس وزوجته نورا وابنتهما المراهقة إيدا حياة اجتماعية محدودة، تكاد تقتصر على جارتهما الوحيدة كريستينا، الرسامة الإيطالية الغامضة.
وتتحوّل الأجواء تمامًا عندما تبدأ العائلتان في التخطيط لإقامة حفل عيد ميلاد مفاجئ لنورا، إذ تطفو على السطح اضطرابات غريبة وغير مبرَّرة، ويتسلَّل توتر وقلق خانقان يقلبان هدوء المستنقع رأسًا على عقب، مهدّدين بكشف أسرار دفينة.
خمس سنوات من الاقتباس والتحضير
وكشف المنتج جان لويس ليفي أنه نجح في اقتناص حقوق تحويل الرواية إلى فيلم سينمائي فور قراءتها قبل ستّ سنوات، مؤكدًا أنّ المشروع استغرق خمس سنوات كاملة ليرى النور، وهي مدّة طويلة ومغامرة شاقّة.

وأوضح أنه عندما عرض الرواية على المخرجة ليا ميسيوس، التي تعاون معها سابقًا في فيلمي «Ava» و«The Five Devils»، وافقت على الفور، رغم أنها لم تخُض تجربة الاقتباس الأدبي.
وأشار إلى أن السيناريو مرَّ بـ25 مسودة وتعديلًا للوصول إلى الصيغة النهائية الصادقة التي نالت ثقة مؤلّف الرواية.
من جانبها، أوضحت ميسيوس أن الرواية الأصلية ضخمة وتتجاوز 640 صفحة، لكنها التهمتها في يومين فقط بدافع الشغف والرغبة في الاقتباس، وهو ما جعل القراءة تجربة خاصة ومختلفة.
وأعرب الروائي لوران موفينييه عن سعادته بالنتيجة النهائية بعد حضور العرض العالمي، كاشفًا أنه حين كتب الرواية تعمَّد صياغتها بأسلوب يراه مستحيلًا سينمائيًا بسبب الجُمل الطويلة والاعتماد المكثف على الفلاش باك، وإنما ميسيوس نجحت، ببراعة سحرية، في فكّ هذه الشيفرة وتحويلها إلى سيناريو متماسك.
مصادر الإلهام وغياب البطل الخارق
وفيما يتعلّق ببناء عناصر التشويق، أشارت ميسيوس إلى أن الفيلم استلهم من مرجعيتين أساسيتين، هما فيلم «Aline du Chassel» الذي شاهدته في طفولتها، وفيلم «A History of Violence» للمخرج ديفيد كرونينبرغ.

وأكّدت تبنيها مقولة المخرج كلود شابرول بأنّ «الإثارة تصبح حديثة عندما نتخلَّص من النزعة البطولية ونركز على البشر»، موضحةً أنها تعمَّدت تقديم شخصيات حقيقية من الشارع تمتلك جوانب مظلمة وأخرى طيبة، من دون تصنيف أي منها شريرًا مطلقًا أو بطلًا، حتى إن المَشاهد القتالية نُفِّذت بواقعية شديدة تخلو من الاستعراض.
وأوضحت المخرجة أنّ التحضير لوتيرة الفيلم وتصاعُد العنف جرى عبر مراحل الكتابة والتصوير والإنتاج، مشيدةً بدور المونتير في خلق إيقاع مشدود.
وبيَّنت أن رواية موفينييه تعتمد على الجُمل الطويلة والبطء لتجسيد القلق، وهو ما استعاضت عنه السينما بالتركيز على المؤثرات الصوتية الحادة والموسيقى التصويرية، التي بدأت بقرعات تحاكي دقات الساعة لحبس الأنفاس في بلدة هادئة، ثم تحوَّلت تدريجيًا إلى طابع رومانسي تراجيدي لمواكبة انفجار العنف المفاجئ وغير المتوقَّع، الذي يُماثل ما يحدث في الواقع.
الأبعاد الخفيّة للمرأة
بدورها، أعربت النجمة مونيكا بيلوتشي عن اعتزازها بتجسيد شخصية كريستينا؛ الرسامة الانطوائية القاسية التي أفسدتها الحياة وعزلتها عن البشر، باستثناء ارتباطها بالطفلة إيدا.

وأكّدت أنّ الدور يختلف تمامًا عن طبيعتها المتوسّطية الدافئة، وإنما المخرجة ساعدتها في فتح بوابة سرية داخل نفسها لاستخراج القسوة والجمود، مُعبِّرةً عن عمق مشهد «رقصة الموت»، الذي يمزج بين السحر، والتعرض للاحتجاز، وإظهار مشاعر الخوف والجاذبية، لا سيما في المشاهد التي جمعتها بالممثل بنوا ماجيميل، لتعكس صرخة النساء اللواتي يشعرن بالشفافية وأنهن غير مرئيات مع تقدُّم السنّ.

وتحدَّثت الفنانة حفصية حرزي عن انجذابها إلى السيناريو وغموض شخصيتها، التي تحبس مشاعرها وتخفي ماضيها، قبل أن تنفجر وتنزع عنها قناع الضعف في مواجهة شريكها السابق.
من جانبه، شرح الممثل بنوا ماجيميل أبعاد شخصيته شريرًا ناعم الكلام، موضحًا أنّ عنفه ينبع من إحباطات حقيقية وعزلة شديدة تعرَّض لها بعد سجن طويل، فضلًا عن غضبه من الاختفاء المفاجئ لزوجته التي يحبّها، مما جعله يظهر شخصًا يمتلك رموزه الأخلاقية الخاصة ويبوح بضعفه أمام الطفلة، كاشفًا أنه ليس سوى إنسان محطَّم يبحث عن إجابات لاستعادة عائلته.
وفي ختام المؤتمر، وردًا على سؤال عن ماهية القوة النسوية ومحفزات العمل، أكّدت ليا ميسيوس أنّ عبارة الروائي لوران موفينييه في مقدّمة الكتاب: «هناك دائمًا أسرار داخل الأسرار»، كانت المحرّك السينمائي لها.
في حين اتفقت البطلات على أنّ الفيلم يحمل أجواء أنثوية طاغية ومؤثّرة تُلامس الغريزة العميقة للمرأة، فالمرأة تُجسّد تفاصيل الحياة المعقَّدة، وهو ما سعى الفيلم إلى تقديمه ببراعة من خلال سبر أغوار المشاعر الإنسانية المُخبّأة.