فاصلة

مقالات

عمّان السينمائي 2026… هشاشة العالم العربي في ثمانية أفلام روائية

Reading Time: 4 minutes

ثلاجة معطّلة في شقة قاهرية قديمة. هذا كل ما يلزم أحيانًا لتنهار حياة كاملة. لا حرب، لا كارثة معلنة، فقط جهاز كهربائي يتوقف عن العمل، وزوجان متقاعدان يجدان نفسيهما أمام مرآة لم يكونا يريدان النظر فيها. هذه هي اللحظة التي يفتتح بها ياسر شفيعي فيلمه «شكوى رقم ٧١٣٣١٧»، وهي أيضاً، من دون قصد مُعلن، اللحظة التي تلخّص مزاج مسابقة الأفلام الروائية العربية الطويلة في الدورة السابعة لمهرجان عمّان السينمائي الدولي – أول فيلم. ثمانية أفلام، ثمانية بلدان، وخيط واحد يمرّ تحتها جميعاً: شيء صغير ينكسر، فيكشف أن كل شيء من حوله كان أصلاً على وشك الانكسار.

شكوى رقم 713317 (2025)
شكوى رقم 713317 (2025)

في «شكوى رقم ٧١٣٣١٧»، لا يتحدث شفيعي عن ثلاجة، بل عن منظومة كاملة من المراوغة والتسويف تحوّل عطلاً بسيطاً إلى معركة وجودية. الكوميديا هنا مطعّمة بمرارة من يعرف أن البيروقراطية ليست خللًا عابرًا، بل هي الشكل الذي اتخذته الحياة اليومية نفسها. الثلاجة المعطّلة تجمّد وقت مجدي وسما، وتجبرهما على مواجهة سؤال أكثر خطورة: ماذا تبقّى من معنى في سنوات بنياها على أمل أن الأمور، يوماً ما، ستصلح من تلقاء نفسها؟

نجوم الأمل والألم
نجوم الأمل والألم (2025)

هذا التوتر بين الرغبة في الاستقرار واستحالته يتكرر، بصيغة أكثر عاطفية، في «نجوم الأمل والألم» لسيريل عريس. قصة حب تمتد ثلاثة عقود بين نينو وياسمينا، من باحة مدرسة إلى بيروت التي لا تكفّ عن التصدّع. عريس لا يصنع هنا ميلودراما عاطفية بالمعنى التقليدي، بل يستخدم قصة الحبّ كمقياس لبلد يهتز تحت قدمي كل من يحاول أن يبني فيه شيئًا يدوم: مطعم، زواج، عائلة.

خلف أشجار النخيل
خلف أشجار النخيل

الحبّ أيضًا، لكن بنكهة استعمارية متأخرة، هو مادة «خلف أشجار النخيل» لمريم بن مبارك. طنجة التي تصوّرها المخرجة ليست مجرد خلفية جغرافية، بل شخصية كاملة تحمل إرث المدينة الدولية القديمة، حيث لا يزال المال الأوروبي قادراً على إعادة ترتيب الرغبات المحلية. مهدي، طالب الهندسة الذي يُفترض أن يرث شركة العائلة، ينجرف نحو ماري الفرنسية الثرية، لا لأنه يحبها بالضرورة، بل لأنها تمثّل بوابة خروج من مصير مرسوم سلفًا. بن مبارك تكتب شخصية مهدي بقسوة غير معتادة: لا تمنحه العذر الرومانسي السهل، بل تتركه يغرق في تناقضاته ببطء، أمام سلمى التي تدفع ثمن طموحه.

ملكة القطن
ملكة القطن (2025)

أما في السودان، فالتهديد لا يأتي من الحبّ بل من التنمية. «ملكة القطن» لسوزانا ميرغاني يضع نفيسة، ذات الخمسة عشر عاماً، في مواجهة رجل أعمال يريد «تحديث» قرية تعيش على زراعة القطن منذ أجيال. الفيلم يرفض الوقوع في فخ المقارنة الساذجة بين «تقليد جميل» و«حداثة شريرة»، ويمنح نفيسة قدرة على التفكير بنفسها بدل أن تكون مجرد رمز لصراع أكبر منها. جدتها، زعيمة القرية، حاضرة كصوت سلطة نسائية نادراً ما تحظى بهذا الوضوح في السينما السودانية الحديثة.

فيلم «رقية»
رقية (2025)

ثم يأتي «رقية» ليانيس كوسّيم، الأكثر غرابة بين الأفلام الثمانية، والأكثر جرأة ربما. الجزائر هنا ليست مسرحاً للواقعية الاجتماعية المعتادة، بل فضاء تتماس فيه الذاكرة المفقودة، الزهايمر، والمسّ الروحي في نسيج واحد. أحمد الذي يفقد ذاكرته بعد حادث سير عام ١٩٩٣ لا يعود غريبًا عن عائلته فقط، بل عن تاريخ كامل يُصرّ على العودة بلغة لا يفهمها أحد. كوسّيم يستخدم الرعب كأداة سياسية مقنّعة: ماذا يحدث حين تفقد أمّة ذاكرتها الجماعية في اللحظة نفسها التي تحتاج فيها إلى تلك الذاكرة لفهم عنف يتصاعد من حولها؟

كعكة الرئيس (2025)
مملكة القصب (2025)

العلاقة بين السلطة والطفولة تبلغ ذروتها الأكثر إيلاماً في «مملكة القصب» لحسن هادي. لميعة، تسع سنوات، مكلّفة بإعداد كعكة عيد ميلاد صدام حسين، في عراق منهك بالحصار. الفكرة وحدها كافية لتلخيص عبثية الديكتاتوريات: طفلة تُجبر على البحث عن سكر وطحين لتكريم رجل لا تعرفه، بينما شعب بأكمله يجوع. هادي لا يحتاج إلى خطاب سياسي مباشر؛ الكعكة نفسها هي الخطاب.

المستعمرة
المستعمرة (2025)

وفي الإسكندرية، «المستعمرة» لمحمد رشاد يعيد فتح جرح العمل والطبقة. حسام ومارو، شقيقان فقدا أباهما في حادث مصنع، يُدفعان للعمل إلى جانب الرجل المسؤول عن موته، مقابل التخلي عن حقهما في الملاحقة القانونية. رشاد يصوّر هنا شكلاً من العدالة المؤجلة إلى ما لا نهاية، حيث يصبح البقاء على قيد الحياة نفسه ثمناً يُدفع بالصمت.

وين ياخدنا الريح (2025)
وين ياخدنا الريح (2025)

وأخيرًا، «وين ياخدنا الريح» لآمال ڨلاتي يمنح المسابقة نفَسها الأخف، وإن لم يكن الأقل عمقاً. أليسا ومهدي، صديقا طفولة من ضاحية فقيرة في تونس، يسرقان سيارة وينطلقان بحثًا عن مسابقة رسم قد تغيّر حياتهما. الفيلم يستعيد بنية «رحلة الطريق» الكلاسيكية، لكنه يمنحها طاقة محلية خاصة: الفكاهة كآلية دفاع، والخيال كمساحة الحرية الوحيدة المتبقية لجيل لا يملك شيئاً آخر يخسره.

ثمانية أفلام إذًا، لا تلتقي عند قضية واحدة، بل عند إحساس واحد: أن الانهيار الكبير لا يعلن عن نفسه بالضرورة عبر حدث كبير، بل عبر تفصيل صغير يرفض أن يعمل كما ينبغي — ثلاجة، كعكة، سيارة، ذاكرة، حب. وربما هذا بالضبط ما يجعل مسابقة “أول فيلم” هذا العام مساحة مثيرة للمتابعة: ليست أفلاماً عن الأزمات الكبرى للعالم العربي، بل عن اللحظة التي تتسلل فيها تلك الأزمات إلى داخل البيت، وتجلس هناك، بهدوء، إلى أن يصير من المستحيل تجاهلها.

اقرأ أيضا: الأفلام الوثائقية في عمّان السينمائي 2026… استعادة ما مُحى

شارك هذا المنشور

أضف تعليق