فاصلة

مقالات

سنة 2026… لماذا غاب الفيلم السعودي عن المهرجانات الكبرى؟

Reading Time: 3 minutes

بعد اكتمال اختيارات «مهرجان تورونتو السينمائي»، ومن قبله «برلين» و«كانّ» و«لوكارنو» و«فينيسيا»، تبدو الملاحظة واضحة: لا حضور حقيقي لفيلم سعودي يقوده مخرج سعودي في المهرجانات السينمائية الكبرى هذا العام.

صحيح أن اسم السعودية حاضر في شارات عدد من الأفلام العربية والعالمية، بوصفها شريكًا في الإنتاج أو جهة داعمة، من «برلين» إلى «كانّ» و«لوكارنو» و«فينيسيا» و«تورونتو». وهذا الحضور مهم، ويُعبّر عن الدور الذي يقدّمه «صندوق البحر الأحمر» وغيره من الجهات السعودية في دعم السينما العربية دوليًا. لكن الفارق كبير بين الحضور بوصفنا مموِّلين، والحضور بفيلم سعودي.

توفيق الزايدي فيلم نورة
توفيق الزايدي- مهرجان كان السينمائي (2024)

قبل عامين، وصل «نورة» لتوفيق الزايدي إلى مسابقة «نظرة ما» في «مهرجان كانّ»، وفي العام الماضي حضرت شهد أمين بفيلم «هجرة» في «فينيسيا». وقبل ذلك، شهد «تورونتو» عرض «مندوب الليل» لعلي الكلثمي و«ناقة» لمشعل الجاسر. كانت هذه المشاركات توحي بأنّ السينما السعودية بدأت تبني حضورًا متصلًا على خريطة المهرجانات، لكن الصورة في عام 2026 تبدو مختلفة.

من «سيدة البحر» إلى «هجرة»: شهد أمين تكتب فصلًا جديدًا في فينيسيا
شهد أمين – مهرجان فينيسيا السينمائي (2025)

الأمر لا يتوقف عند غياب الأفلام السعودية عن قوائم المهرجانات الكبرى، لكن ما يحدث يقود إلى سؤال أكثر أهمية وهو: كم فيلمًا سعوديًا مستقلًا صُوِّر خلال العام الماضي وهذا العام؟

بطبيعة الحال، الأفلام التي كان يُفترض أن تصل إلى مهرجانات 2026 لم تُصوَّر هذا العام بالضرورة، وإنما كان يُفترض أن يبدأ إنتاج كثير منها قبل عام أو عامين. ولذلك، فإنّ الغياب الحالي لا يكشف فقط عن حصيلة هذا العام، لكنه نتيجة تباطؤ بدأ في مرحلة أسبق.

ووفق المؤشرات التي نراها، قد يكون عام 2026 من أقل الأعوام في تصوير الأفلام السعودية المستقلة، لا التجارية، خلال السنوات الأخيرة. وحتى «استديو تلفاز 11»، الذي كان إحدى أكثر الجهات نشاطًا في إنتاج الفيلم السعودي، لا يبدو أنه يتّجه إلى تصوير فيلم جديد خلال هذا العام، للمرة الأولى منذ سنوات.

المفارقة أنّ هذا التراجع يأتي في وقت تمتلك فيه السينما السعودية كلّ هذه الإمكانات، من صناديق دعم، ومساندة حكومية، واستديوهات ضخمة، إلى شركات إنتاج وتسويق.

لدينا اليوم بنية أكبر بكثير مما كانت لدينا قبل خمسة أعوام، لكن السؤال يبقى: هل يقابل هذا الاتّساع نمو مماثل في عدد الأفلام وتنوّع أصوات صانعيها؟

الحضور في المهرجانات ليس المقياس الوحيد لنجاح السينما، ولا ينبغي أن تصبح الغاية الكبرى لكلّ فيلم. هناك أفلام جماهيرية وتجارية لا تحتاج إلى «كانّ» أو «فينيسيا» لتثبت قيمتها. لكن ما أعنيه تحديدًا هو أنّ الغياب عن المهرجانات الكبرى، بالتزامن مع التراجع الواضح في تصوير الأفلام المستقلة، يؤشّر إلى وجود خلل ما.

نسمع منذ مدّة عن مشروعات عدّة جاهزة، ونصوص تنتظر شارة البدء، ومخرجين أمضوا سنوات في تطوير أفلامهم. نسمع عن «غرق» لمجتبى سعيد، و«ثريا» لتوفيق الزايدي، و«البلبول» لمحمد السلمان وفيلم جديد لمحمود صباغ، وغيرها من المشروعات، لكن عددًا قليلًا منها ينتقل فعلًا من الكتابة إلى موقع التصوير.

فما الخلل؟ هل يكمن في التطوير؟ أم في التمويل؟ أم في آليات الدعم؟ أم في صعوبة بناء نموذج إنتاجي يسمح للفيلم المستقل بأن يُنجز بعيدًا عن الميزانيات الضخمة؟

في الوقت نفسه، يُصوَّر حاليًا فيلمان عربيان في السعودية، وسط حديث متكرّر من العاملين في القطاع عن تضخم تكاليف الإنتاج، وارتفاع أجور الطواقم، وصعوبة التصوير.

وهنا تظهر مفارقة أخرى لا ينبغي تجاهلها. فخلال عام 2025، صُوِّر فيلمان سعوديان خارج المملكة؛ «سلالة» في الأردن و«هجير» في مصر، رغم أن حكايتيهما سعوديتان. ولم يكن ذلك بحثًا عن مواقع لا تتوافر محليًا، بقدر ما كان هروبًا من تضخم الميزانيات وارتفاع تكاليف الإنتاج داخل السعودية، والاستغناء عن عدد من المميزات في التصوير داخل السعودية، أهمها نسبة إعادة الحوافز والتي ارتفعت مؤخراً لتصل إلى  60 في المائة، وغيرها من الميزات.

ولا تكمن المشكلة في استقطاب أفلام عربية أو عالمية للتصوير في المملكة ، فهذا أمر مهم ومفيد للصناعة. المشكلة تبدأ حين تصبح السعودية موقع تصوير جذابًا للآخرين، بينما يجد الفيلم السعودي المستقل صعوبة في أن يُصوَّر داخل بلده.

هنا لا يعود السؤال متعلقًا بغياب أفلامنا عن المهرجانات فقط، ولكن بقدرة صانع الفيلم السعودي على إنتاج فيلمه من الأساس.

السؤال اليوم ليس: لماذا لم تختر المهرجانات أفلامنا؟ السؤال الأسبق والأصعب هو: هل صنعنا ما يكفي من الأفلام لتختار المهرجانات من بينها؟

اقرأ أيضا: أفلام جدة… هل هي أقل جماهيرية؟

شارك هذا المنشور

أضف تعليق