فاصلة

مقالات

أفلام جدة… هل هي أقل جماهيرية؟

Reading Time: 3 minutes

في كواليس اختبارات الأداء للمسلسلات والأفلام السعودية، يتكرَّر اليوم شرط أصبح مألوفًا، وأحيانًا يُكتب صراحة: «مطلوب ممثّل يُتقن اللهجة النجدية». وفي أروقة الإنتاج، تتردَّد نصيحة من بعض المستثمرين وأصحاب القرار في المنصات: لا تراهن على اللهجة الجداوية أو الحجازية، فهي، وفق رأيهم، غير جماهيرية.

إذًا، ما الحل إن لم تكن اللهجة نجدية؟ هل نلجأ إلى ما يُسمّى بـ«اللهجة البيضاء»؟ و هل تمثّل هذه اللهجة فعلًا حلًا دراميًا، أم أنها مجرد مساحيق تجميل توضع على وجه النص، فتطمس ملامحه وتنتزع منه روحه؟ وهل يُفترض بالسينما والدراما السعودية أن تتحدثا بصوت واحد، بينما المجتمع نفسه يتحدث بعشرات اللهجات؟

تُذكرني هذه المحاولات لتنصيب لهجة واحدة وإقصاء سائر اللهجات بما كتبه الإعلامي مالك الروقي في منصة «إكس»، حين وصف اللهجة البيضاء بأنها: «طبخة بلا ملح… هاللهجة البيضا بلا روح وبلا طعم». وهي عبارة تُلخّص المشكلة بدقة؛ فاللهجة جزء من هوية الشخصيات وذاكرة المكان وواقعية الحكاية.

جرس إنذار: الحفرة (2026)
جرس إنذار: الحفرة (2026)

ولمَن يراهن على أن اللهجات المحلّية، باستثناء النجدية، لا تمتلك جمهورًا، فإنّ الأرقام تردّ بوضوح. فقد تصدَّر فيلم «جرس إنذار» بجزأيه الأول والثاني، ببطولته النسائية ولهجته الجداوية الخالصة، قائمة الأفلام العربية الأكثر مشاهدة على «نتفليكس» لعامين متتاليين. وهذا دليل على أن الجمهور لا يبحث عن لهجة بعينها، بقدر ما يبحث عن عمل صادق وجيد.

والمقلق، بصراحة، هو الحساسية المفرطة التي تظهر كلّما وُصف عمل ببيئته، وكأنّ المدينة التي خرج منها الفيلم أصبحت تهمة تستوجب الدفاع عنها.

مسألة حياة أو موت (2025)
مسألة حياة أو موت (2025)

استغربتُ مؤخرًا الضجّة التي صاحبت وصف فيلم «مسألة حياة أو موت» بأنه فيلم جداوي، وكأنّ نسبته إلى المدينة التي خرج منها تنتقص من هويته السعودية، بينما هو في الحقيقة توصيف لبيئته وثقافته ولهجته والفضاء الذي تدور فيه أحداثه. تمامًا كما وصفنا قبل سنوات «خيوط المعازيب» بأنه عمل أحسائي شرقاوي، وكما نصفُ «سوار» بأنه فيلم نجراني.

وهذا ليس استثناءً سعوديًا، فأغلب البلدان التي تضمّ ثقافات ولهجات متعدّدة يخرج منها مخرجون يميلون إلى مدنهم، وتصبح تلك المدن علامة فارقة في مسيرتهم. فلطالما وُصف يوسف شاهين بأنه ابن الإسكندرية، لأنّ المدينة حضرت في أفلامه كما حضرت في شخصياته. ونصفُ الإيطالي باولو سورينتينو بأنه المخرج النابولي، لأن نابولي إحدى ركائز عالمه السينمائي، من دون أن يرى أحد في ذلك انتقاصًا من الهوية الوطنية. وكذلك فعل الإيطالي فيتوريو دي سيكا، الذي تعمَّد استخدام اللهجة النابولية في أفلامه ليعكس واقع المدينة وفقرها بعد الحرب. ويمكننا أيضًا النظر إلى فيلم «بيروت الغربية»، الذي استخدم فيه زياد دويري اللكنات البيروتية باختلافها لإيضاح الانقسام خلال الحرب الأهلية، لتتحوّل اللهجة هنا إلى ما يشبه الحدود الجغرافية للمدينة. والأمثلة كثيرة.

فحين يقول أحدهم: أحبُّ السينما الآتية من جدة، أو أفضل الأعمال الأحسائية، أو حتى لا تستهويني هذه المدرسة أو تلك، فهذه لاتتعدى كونها ذائقة فنية تتعلّق بالإيقاع واللهجة وطريقة السرد وروح المكان.

فيلم سوار (2025)
فيلم سوار (2025)

والأجمل أنّ السينما السعودية بدأت أخيرًا تمتلك هذا التنوّع. أصبحنا نرى أفلامًا تحمل روح جدة، وأخرى تنتمي إلى الأحساء، وثالثة تخرج من نجران أو عسير أو الرياض. ونأمل قريبًا أن نرى أفلامًا من حائل وجازان والقصيم.

في الثمانينات والتسعينات، كان من الطبيعي أن نقرأ على الشاشة في شارة عرض مسلسل : «من إنتاج تلفزيون جدة»، أو «تلفزيون الشرقية»، ولم يشعر أحد بأن في ذلك تهديدًا للهوية، لأنّ الجميع كان يدرك أنّ المكان هو الإطار الطبيعي الذي تولد فيه الحكايات.

وربما آن الأوان أن نتخفَّف من هذه الحساسية المفرطة، ومن التأويلات التي ترى في كلّ توصيف جغرافي مشروع تفرقة. فالسينما تحتاج إلى مساحة أوسع من الحرّية وثقة أكبر في المخرجين والكتّاب، وإيمان راسخ بأنّ التنوّع مصدر قوة.

اقرأ أيضا: «مسألة حياة أو موت»… الانتصار على الموت

شارك هذا المنشور

أضف تعليق