فاصلة

حوارات

رادو جوده لـ«فاصلة»: الفشل ضروري في السينما!

Reading Time: 7 minutes

رادو جوده من أكثر السينمائيين الأوروبيين اندفاعًا. مخرج لا ينتظر الإلهام. يطارد أفكاره بشغف متواصل، متنقّلًا بأفلامه بين برلين وكانّ ولوكارنو، ومكرّسًا حضوره أحدَ أبرز أصوات السينما الرومانية الحديثة. ما يميّزه أيضًا هو تمسّكه بهويته، فلا ينظر إليها على أنها عبء. هوية يوظّفها مثل عدسة ينظر من خلالها إلى العالم، بما يحمله ذلك من حسّ ساخر ونظرة نقدية حادّة.

في فيلمه الجديد «يوميات خادمة» المعروض في قسم «أسبوعا صنّاع السينما» داخل مهرجان كانّ السينمائي (12 – 23 مايو)، يؤفلم رواية أوكتاف ميربو الشهيرة (صدرت عام 1900)، ليُقدّم قراءة معاصرة للعلاقات الطبقية والهجرة والصواب السياسي في زمننا الحالي، عبر نصّ ساخر يواصل فيه معاينة تناقضات الحاضر بخفّة لاذعة وذكاء استفزازي.

Diary of a Chambermaid (2026)
Diary of a Chambermaid (2026)

في لقاء مع «فاصلة»، على شاطئ «الكنزان» غداة العرض العالمي الأول للفيلم، استهللنا الحوار بسؤال حول كثرة نشاطه (فيلم كلّ عام تقريبًا)، فتأرجح ردّه بين الطرافة والاستفزاز، إذ قال: «مَن هو عديم الموهبة عليه أن يعمل كثيرًا. إذا كنتَ موهوبًا، فهناك التزامات تفرضها الموهبة. أما أنا فلا أظنّ أنني موهوب، لكن لديّ التزامات إبداعية. هناك عبارة لغودار أحبّها كثيرًا. كان يتحدّث عن فاسبيندر بعد موته، فقال بسخرية لا تخلو من هدف: «مات فاسبيندر بسبب التزاماته الإبداعية تجاه ألمانيا». أحبّ هذه الفكرة: الالتزام الإبداعي. لذلك أقول لنفسي: ربما لستُ موهوبًا، لكن لديّ التزامات إبداعية تجاه السينما وتجاه رومانيا.

رومانيا حالة مثيرة جدًا. ربما كلّ بلد كذلك على طريقته الخاصة، لكن رومانيا تحتلّ موقعًا جغرافيًا خاصًا. قريبة من روسيا، قريبة من أوروبا الغربية، قريبة من تركيا. ثم هناك التاريخ: ديكتاتورية شيوعية طويلة، وبعدها نظام نيوليبرالي. وهناك الثقافة أيضًا: اللغة لاتينية، لكن الدين أرثوذكسي، فيما البلدان المجاورة لنا، باستثناء المجر، تتكلّم لغات سلافية.

لزمن طويل، كان الوعي الروماني منقسمًا على نفسه. نصف الناس يريدون التوجّه غربًا، فكريًا وثقافيًا، والنصف الآخر يميل إلى جهة أخرى. دائمًا عشنا هذا الصِّدام في داخلنا. كلّ هذا يخلق تربة تولّد أوضاعًا إنسانية أجدها كاشفة جدًا، وربما أكثر نموذجية من غيرها في أوروبا. الأمور أحيانًا أكثر تطرفًا وأكثر عبثيةً. والسينما فنّ عظيم لالتقاط ذلك. أن تعيش مثل هذه الأوضاع، فهذا ليس أمرًا جيدًا بالضرورة، لكن أن تلتقطها سينمائيًا، فهذا شيء مهم».

• هذا أول فيلم تصوّره في فرنسا؟

– نعم. لكنني أعدُّه فيلمًا رومانيًا صُوِّر في فرنسا.

• كيف تقيّم التجربة؟ أقصد أن تصوّر في بلد غير بلدك؟

– بصراحة، لم يكن الأمر مختلفًا إلى ذلك الحدّ. لكن هناك شيئان وجدتُ فيهما اختلافًا: أولًا، الطعام. التموين كان أفضل بكثير. لقد ازددتُ وزنًا هنا. وثانيًا، النقابات. في رومانيا ليست لدينا نقابات بالمعنى الحقيقي. إذا أردتُ الاتصال بممثّل، آخذ الهاتف وأتصل به. هنا عليك أن تمرّ عبر الوكيل، والنقابات، وعدد من الوسطاء…

• الفيلم يربط بين الهيمنة الطبقية وواقع الهجرة اليوم في أوروبا. هل رأيتَ ذلك امتدادًا لعنف تاريخي واحد، لكن بأشكال جديدة؟

رادو جود
رادو جوده من كواليس «يوميات خادمة» (2026)

– هذا سؤال مهم. رومانيا لم تُستعمَر من الغرب. تاريخيًا، كانت تحت نفوذ الإمبراطورية العثمانية. لكن بسبب هذا الموقع الصعب، أو لأسباب أخرى، لم تتطوَّر بالطريقة نفسها. اليوم، لا يزال الفرق بين الشرق والغرب، ثقافيًا واقتصاديًا، واضحًا جدًا بالنسبة إليّ. أوروبا الغربية استعمرت أجزاء واسعة من العالم وازدهرت. أما الرومانيون فلم يستعمروا أحدًا. لذلك بقوا فقراء ومتخلّفين. هذه هي الحقيقة المُرّة. معظم القوى الأوروبية الكبرى كانت إمبراطوريات سابقة، أو جزءًا من إمبراطوريات.

في هذا الفيلم، انطلقتُ من الواقع. القصّة في ذاتها أصلية. هناك هجرة اقتصادية كبيرة من رومانيا إلى هنا، وأنا أعرف الكثير من هذه القصص. ثم عدتُ إلى الكتاب الذي كنت أعرفه، وأعدت قراءته. لكنني لم أرد أن أنجز اقتباسًا حرفيًا. وددتُ استخدام بعض مشاهد الرواية كما لو كانت عروضًا مسرحية، وخلق مونتاج بين الماضي والحاضر. إنه اقتباس عبر المونتاج. ترى مَشاهد من الكتاب، أكثر فجاجةً وأكثر شحنةً، ثم تضعها إلى جانب مَشاهد معاصرة أكثر عاديةً، وأكثر ابتذالًا ربما. عندها يستطيع المتفرّج أن يسأل: ماذا كان يعني هذا الوضع قبل 150 عامًا، وماذا يعني اليوم؟ لا أعرف إن كنتُ نجحتُ، لكن هذه كانت الفكرة.

• هل أعدتَ مُشاهدة نسخة بونويل أو نسخة رونوار؟

– شاهدتُ كلّ النسخ، لكن من باب المتعة فقط. لا أعتبر فيلمي «ريمايك» لأي من الأفلام السابقة. إنه حوار مع تلك الأعمال، لا أكثر.

Diary of a Chambermaid
Diary of a Chambermaid (2026)

• الممثّلة آنا ديميتراشكو رائعة، بالمناسبة. لديك دائمًا موهبة في العثور على الممثّلات.

– في رومانيا هناك الكثير من المواهب التمثيلية. آنا ظهرت في دور قصير في فيلمي «دراكولا»، وأحببتها كثيرًا. لديها نوع من البراءة في نظرتها، شيء لا يمكن تمثيله. أحيانًا كانت هي نفسها ضائعة خلال التصوير، فاستخدمتُ ذلك الضياع، لأنّ الشخصية ينبغي أن تكون ضائعة أيضًا. لم تكن تتقن اللغة جيدًا، لذلك كانت أحيانًا لا تفهم تمامًا ما يقوله الآخرون. ويمكن أن ترى على وجهها تلك الحيرة. لكنها تأتي تمامًا لمصلحة الشخصية.

• هل يعكس هذا الإحساس بالضياع ما تشعر به أنت في هذه المرحلة؟

– أنا أشعر بذلك دائمًا. أشعر بأنني ضائع، في السينما، وفي الحياة أيضًا. وفي فرنسا كان الإحساس أقوى من هذه الناحية. لكن أرى أنه من الجيد أن يكون المرء ضائعًا. هذا يُبقيه حيًّا. أحيانًا تكتشف أشياء لأنك ضائع. إنها فكرة الـ«متسكّع» عند السورياليين والوضعيين: أن تمشي بلا هدف، أن تتوه، وفجأةً تعثر على شيء مهم.

• هل تعتقد أن هذا هو فيلمك الأسهل؟

– بصراحة، أعتقد أن كلّ أفلامي سهلة الوصول إلى الجمهور. لا أفهم لماذا يقول البعض إنها ليست كذلك. أظن أنني أنجز أفلامًا خفيفة وواضحة جدًا.

مهرجان لوكارنو: حين تنطق الشاشة بأكثر من لغة
Dracula (2025)

• حتى «دراكولا»؟

– خصوصًا «دراكولا»! إنه الأخفّ والألطف والأكثر طرافةً. لا أعرف لماذا رُفض بهذا الشكل. ظننتُ أنّ الناس سيقدّرون محاولتي تقديم نِسخ مختلفة من هذه الأسطورة، وأنّ روح الدعابة، القريبة من دعابة الطليعة الفنية، ستُفهَم. بعض الناس أحبّوا الفيلم، وأنا سعيد بذلك. لكن كثيرين قالوا إنه رديء جدًا. ربما أخطأتُ في العنوان. حين تقول «دراكولا»، تنشأ فورًا توقّعات معيّنة. لو سمّيته «ضدّ دراكولا» لكان الأمر أفضل ربما.

• أنت فنّان في إيجاد عناوين أفلامك. لماذا قررتَ الاحتفاظ بعنوان «يوميات خادمة» هذه المرّة؟

– كانت رحلة طويلة مع العنوان. في البداية أردتُ الاحتفاظ به. ثم قال لي المنتج سعيد بن سعيد إنّ العنوان ربما ليس الخيار الأفضل، لأن الناس سيفكّرون فورًا في الأفلام الكلاسيكية المقتبسة من الرواية. فكرتُ في عناوين كثيرة. في لحظة ما أردتُ عنوانًا يشبه عناوين أوزو، مثل «غيمة فوق مرآة الماء»، أو شيء من هذا القبيل. لكنني في النهاية عدتُ إلى العنوان الأصلي، مع فكرة إضافة توضيح تحته يقول إنّ الفيلم تنويع حول العمل الأصلي. ليس اقتباسًا، وليس إعادة، بل تنويع.

Diary of a Chambermaid (2026)
Diary of a Chambermaid (2026)

• هل كانت المَشاهد مع ميلاني لوران وفنسان ماكان مُرتجلة؟

– كانت مزيجًا من الاثنين: مكتوبة ومُرتجلة. فنسان عبقري في الارتجال. هناك ممثّلون جيّدون لكنهم لا يجيدون الارتجال، والعكس صحيح. أما هو فممثل جيّد ومرتجل ممتاز أيضًا.

• مشهد العشاء لا يُنسى…

– ربما. جزء منه مكتوب، وجزء مُرتجل، بما في ذلك بعض ما قاله فنسان.

• هل يؤلمك حين لا يُستقبل فيلم لك كما ينبغي؟

– الأمر أشبه بالحبّ. إذا رفضك أحدهم، فستحزن. لذا، أفضّل أن أركّز على الذين يتقبّلونني. لكن الرفض صحيّ. في السينما، يفقد الناس عقولهم بسهولة، ويقعون في حبّ أنفسهم. لذلك أعتقد أن الفشل والرفض ضروريان في السينما.

• هل هذا جزء من سبب عملك المتواصل؟ كي لا تبقى عالقًا في ردود الفعل؟

– نعم. في الحقيقة، اكتشفتُ ذلك بالتجربة. قبل سنوات، كان أحد أفلامي يُعرَض في الوقت الذي كنتُ أصوّر فيه فيلمًا آخر. طوال شهر، لم يكن لديّ وقت لقراءة المراجعات أو متابعة أي شيء. وحين قرأتها أخيرًا، بدت لي فجأةً خفيفة جدًا. فقلتُ لنفسي: عليَّ أن أستمر هكذا.

إيقاع العمل أمر أساسي في كلّ نظام فنّي أو ذهني. هناك مقالة رائعة لسارتر عن تينتوريتو، بهذا المعنى، لأنه كان يرسم كثيرًا، ويُنجز كثيرًا، وبسرعات مختلفة. أشعرُ بقرب من هذه الفكرة. إنني مهتم بالسينما على أنها أداة للتفكير أكثر من اهتمامي بـ«الجودة» في ذاتها.

إذا أردتُ أن ألتقط وقائع رومانية مختلفة، تاريخية أو معاصرة، فأنا أحتاج إلى إنجاز أفلام كثيرة. بعض المواضيع تختفي إذا انتظرتَ طويلًا. لا يمكنك أن تمضي خمس سنوات في التحضير لفيلم مثل «كونتيننتال 25»، الذي صوّرته في عشرة أيام وبهاتف آيفون.

هذا ينسحب أيضًا على الرسم: بعض لوحات بول كلي أو بابلو بيكاسو أُنجزت في يوم واحد، أو نصف يوم، أو يومين. وأعمال أخرى احتاجت إلى سنوات. مواضيع مختلفة تتطلّب سرعات مختلفة.

• هل تشعر بأنك مفهوم جيدًا في رومانيا؟

– أحيانًا نعم، وأحيانًا لا. لكنني أعتقد أن شعور المخرج بأنه «غير مفهوم» خطير جدًا، وتنتج عنه مظلومية. كلّ رد فعل تجاه الفيلم مهم، حتى الرفض.

• هل تفهم رومانيا اليوم أكثر ممّا كنت تفهمها في السابق؟

– أظن أنني أفهم تعقيداتها أكثر. حين جئتُ إلى الغرب للمرة الأولى، كنت في الثامنة والعشرين تقريبًا. بدت لي باريس مثل «ديزني لاند»: رائعة ومثالية. وطبعًا تسأل نفسك: لماذا ليس لدينا نحن الرومانيين شيء مثل هذا؟ فتقول ربما لأننا كسالى أو غارقون في الفساد. لكنك تكتشف لاحقًا أن التاريخ يضطلع بدور هائل. لكي تكون لديك مدينة مثل باريس أو لندن، تحتاج إلى التاريخ الذي أنتجها. المسألة ليست فقط أن الناس يعملون أكثر. لذلك صارت رؤيتي اليوم أكثر تعقيدًا ممّا كانت عليه في بداياتي.

• هل اهتممتَ بالتاريخ دومًا؟

– إنني من جيل كان مراهقًا عندما اندلعت ثورة 1989. في عهد تشاوشيسكو، كنّا ندرس التاريخ بطريقة دعائية. بعد الثورة، بدأ مؤرخون ينشرون كتبًا تكشف رؤى أخرى للتاريخ الروماني. هذا لعب دورًا مهمًا بالنسبة إلى أبناء جيلي. كلّ بضعة أشهر كان يصدر كتاب جديد ينسف ما كنّا قد تعلّمناه.

لسنوات، قرأتُ التاريخ الروماني بنهم، من دون أن أتخيّل أنني سأنجز أفلامًا عنه لاحقًا. ثم اتّسع الاهتمام إلى تاريخ أوروبا والعالم، وتاريخ السينما والأدب. لكن البداية كانت تلك الحاجة، في سنّ المراهقة، إلى معرفة الحقيقة خلف الدعاية.

Diary of a Chambermaid (2026)
Diary of a Chambermaid (2026)

• في الفيلم نقاشات كثيرة بين أشخاص يحملون آراء سياسية متعارضة. ما الذي جذبك إلى هذه المواجهات الكلامية؟

– بالنسبة إليّ، الحوار أساسي في السينما. عادةً يُقال إن السينما فنّ الصورة، لكن الكلمات يمكن أن تتحوّل صورًا. إريك رومير أثبت ذلك. لديه نصّ بعنوان «من أجل سينما ناطقة»، يقول فيه إنّ تصوير الناس وهم يتحدّثون يمكن أن يكون سينمائيًا بعمق، وليس مجرّد أدب مصوَّر.

جزء كبير من علاقاتنا اليومية يقوم على التفاعل الكلامي. لذلك أعطي أهمية كبيرة للكلام في أفلامي.

Diary of a Chambermaid (2026)
Diary of a Chambermaid (2026)

• ولأننا ذكرنا رومير… هل كانت ماري ريفيير، التي تلعب دور الأم في الفيلم، ممثّلة رغبتَ دائمًا في العمل معها؟

– بالتأكيد. كانت خياري الأول. أحبّها كثيرًا في أفلام رومير، وقد تبيّن أنها إنسانة رائعة أيضًا.

• كنّا نتوقّع أن يكون الفيلم أقسى تجاه البورجوازية. لكن النهاية تبدو شبه ناعمة، بل سعيدة.

– لا أوافق. كما قال أورسن ولز، النهاية السعيدة تعتمد على النقطة التي تتوقّف عندها الحكاية. إحساسي أنّ القصّة لا تنتهي حيث ينتهي الفيلم. لا نعرف ماذا سيحدث بعد ذلك، ولا أظنّ أن النهاية ستكون سعيدة. ربما تبدو سعيدة في تلك اللحظة فقط. لكن كانت نيتي أن أنجز نهاية سعيدة زائفة، نهاية تتظاهر بأنها سعيدة، من دون أن تكون كذلك فعلًا.

اقرأ أيضا: من الخنادق إلى الذكاء الاصطناعي فهيمنة المال: كانّ يروي هواجس أوروبا!

شارك هذا المنشور

أضف تعليق