فاصلة

أخبار وتقارير

جيمس غراي: النضج الفني لا يرتبط بالتقدم في العمر

Reading Time: 5 minutes

شهدت المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي مؤتمرًا صحفيًا لفيلم «Paper Tiger»، بحضور مخرجه جيمس غراي وبطليه آدم درايفر ومايلز تايلر. وتناول المؤتمر نقاشات حول كواليس العمل وديناميكية العلاقات الأخوية بين الأبطال، بالإضافة إلى قراءة رسالة خاصة ومؤثرة بعثتها النجمة الغائبة سكارليت جوهانسون. كما شهد المؤتمر أبعادًا فكرية بارزة؛ حيث فتح «غراي» النار على الرأسمالية وهيمنة السوق منذ حقبة الثمانينيات وتأثيرها المدمر على نفوس جيل الشباب.

افتتح المؤتمر الصحفي بإشارة المخرج جيمس غراي إلى محاولته الفاشلة للاتصال بالنجمة سكارليت جوهانسون عبر تطبيق «فيس تايم» في اليوم السابق، موضحًا أنه لم يبلغها مسبقًا بهذه المحاولة ومشيرًا إلى أنها متواجدة حاليًا في نيويورك بسبب ارتباطات عمل، لكنه أحضر منها رسالة مكتوبة قرأها نيابة عنها أمام الصحافة.

وجاء في رسالة سكارليت جوهانسون إشادتها بالعمل مع جيمس غراي والطاقم، واصفة التجربة بأنها من أروع تجارب مسيرتها المهنية، وأعربت عن امتنانها لكونها جزءًا من قصة متجذرة بعمق في التواصل الإنساني، والهوية، وتطور القيم عبر الأجيال. وتابعت جوهانسون في رسالتها الموجهة للمخرج مباشرة: «جيمس، أعلم أنك تقرأ هذا الآن، وهذا الجزء سيثير فيك شعورًا بالغثيان.. أعتذر، لكنني أود أن تعلم كم يعني لي أن أكون جزءًا من عملٍ أبدعته بكل هذا الاهتمام والإتقان، نابعٍ من أعماق روحك الفنية». وأكدت أن مراعاة الحالة الإنسانية والحساسية تجاهها واضحة وجلية في كل مشهد على الشاشة، معبرة عن فخرها بالفيلم وشكرها لكل من شاهده وكتب عنه. واختتمت رسالتها بالحديث عن قدرة السينما المذهلة على ربط البشر عبر تجربة مشتركة تحدث في الظلام داخل صالة عرض لا يرى فيها الحضور وجوه بعضهم لكنهم يشعرون بوجودهم وتعاطفهم الجماعي الذي يمثل حاجة ملحة في الوقت الحالي.

جيمس غراي
جيمس غراي

وفي ردّه على سؤال حول تماسك أعماله وتكرار تماثلها، وما إذا كان فيلمه الجديد يعود بامتداد لأفلامه الأولى مثل «The Yards» و«Little Odessa» ولكن برؤية مخرج أكثر نضجًا؛ أوضح المخرج جيمس غراي أنه لا يستطيع الإجابة على مسألة النضج لأنه منغمس تمامًا في العمل الذي ينبع من داخله، حيث يحاول دائمًا تقديم أشياء وقضايا ومواضيع شخصية تهمه، ومن الطبيعي بناءً على ذلك أن تتكرر بعض الأمور. واعتبر غراي هذا التكرار أمرًا جيدًا وليس سيئًا، مؤكدًا أنه إذا كان لدى الصانع ما يريد التعبير عنه بوضوح فإنه سيعيد إنتاج الفيلم نفسه مرارًا ولكن بأساليب مختلفة.

أما عن وصف «النضج»، فقد أشار غراي متهكمًا إلى أنها قد تكون طريقة أخرى للتعبير عن تقدمه في السن، لافتًا إلى أن المخرج لا يتطور دائمًا بالضرورة في صناعة السينما؛ ورغم وجود افتراض يربط بين التقدم في السن وازدياد النضج كحالة فيلم «Ran» للمخرج أكيرا كوروساوا الذي مثل تتويجًا لمسيرة عظيمة، إلا أنه ليس بالضرورة أن يقدم المخرجون أعمالاً أكثر نضجًا وإثارة للاهتمام مع تقدمهم في العمر، مؤكدًا في النهاية أنه لا يعرف مدى نضج الفيلم تمامًا لكونه منغمسًا فيه.

مايلز تايلر
مايلز تايلر

وعند سؤال الممثلين عما يكتشفه ويستغله جيمس غراي في أسلوب تمثيلهم بشكل مغاير وعما إذا كان هناك شيء أثر فيهم؛ تحدث الفنان مايلز تايلر عن نفسه وعن بقية الممثلين مؤكداً أنهم استمتعوا حقًا بالتجربة التي تميزت بالصدق والحساسية والعمق النابع مباشرة من جيمس غراي. وأضاف تيلر أن العمل متسق إلى حد كبير، لافتًا إلى وجود شيء مميز في هذا الفيلم يتمثل في أن جميع مشاهده كانت مع أخيه أو زوجته أو أولاده، وهو أمر نادر سمح له بربط شيء شخصي وعميق من حياته ومشاركته، مشيرًا إلى أن طاقم العمل شعر وكأنه عائلة واحدة في موقع تصوير صغير ومترابط.

من جانبه، عقّب الفنان آدم درايفر مؤكدًا أن كل شيء يبدأ من الأعلى إلى الأسفل، وأن الكثير من التفاصيل محددة بدقة شديدة في السيناريو لدرجة لا تتطلب الكثير من العمل. وأوضح درايفر أنه على الرغم من مواجهة ضيق الوقت والميزانية المحدودة التي تفرض عادة لقطات محدودة ولا تمنح مجالاً للارتجال، إلا أن وضوح السيناريو وجودة الكتابة فتحت طرقًا عديدة لأداء المشاهد. وأضاف أن غراي احترم تمامًا أسلوب الممثلين حتى لو اختلف في الفيلم نفسه، مبقيًا الجانب السينمائي منفصلاً ومؤسسًا لقطاته بناءً على أحداث المشهد لتعكس شخصية الممثل، مما منح الطاقم مساحة وحرية كبيرتين لتجربة أشياء جديدة. واختتم درايفر بالإشارة إلى أنه لو كانت الكتابة رديئة لكانت هناك طريقة واحدة فقط لأداء المشهد، لكن غراي خلق جوًا رائعًا جعل الجميع يشعر بالحرية لتجربة أي شيء.

وحول كيفية تعاون درايفر وتايلر لخلق علاقة أخوية حقيقية على الشاشة تلعب دورًا محوريًا؛ أفاد آدم درايفر بأنهم لم يضطروا لبذل جهد كبير نظرًا لوضوح وتحديد السيناريو الذي لم يتطلب إضافات. وأشار إلى أنهم أجروا بروفات لمدة أسبوع أو أسبوعين قبل التصوير، كان جيمس خلالها منفتحًا جدًا في مشاركة قصصه الشخصية وأسباب كتابته دون فرض رأيه على أحد، مما أتاح للجميع شرح ديناميكيات العلاقة التي استخلصوها لتنشأ الثقة ومعرفة مفاتيح عمل كل شخص. وأثنى درايفر على تيلر واصفًا إياه بالممثل الرائع، المتفرغ، المرح والمستعد دائمًا، مما جعل الإعجاب به سهلاً من النظرة الأولى.

آدم درايفر
آدم درايفر

وفيما يخص علاقته بالفنانة سكارليت جوهانسون، أوضح درايفر أنه يعرفها مسبقًا بسبب عملهما معًا، مما خلق تفاهمًا مسبقًا وشعورًا بالأمان. وكشف درايفر أن أحد أهم التوجيهات البدائية التي تلقاها من المخرج كان يتمثل في قاعدة: «طالما أن كل خيار يتخذه غاري مبني على حبه لأخيه، فسنتمكن من إيجاد مسار تطور الشخصية»، معتبرًا أن هذا الحب هو جوهر كل شيء.

بدوره، وافق مايلز تيلر على ما ذكره درايفر بشأن ضيق الوقت والاعتماد على أسبوع أو أسبوعين من البروفات، مؤكدًا أن هذه الأخوة هي جوهر الأمر والمحاولة هي الأهم، ومشيرًا إلى أن العلاقة الأخوية تتشكل عادة في سن مبكرة وفي معظم البيوت. وأوضح تيلر أنهما التقيا في مناسبات مختلفة على مر السنين وتحدثا قليلاً على انفراد، وكان هناك دائماً شعور بالألفة بينهما رغم عدم عملهما معًا سابقًا.

وفي رده على سؤال صحفي أشاد بتأثير أفلامه وتناول تجسيده المستمر لشخصيات رجال يشعرون بعدم الجدوى ما لم ينجحوا ماديًا، مستفسرًا عن سبب أهمية فترة الثمانينيات في هذا السياق ومدى استمرار تأثيرها اليوم؛ علق المخرج جيمس غراي بدايةً بأسلوب مازح بأنه سيكرر هذا الإشادة لزوجته في المنزل لترد عليه قائلة: «هذا جميل.. الآن أخرج القمامة».

ثم استرسل غراي متحدثًا عن حقبة الثمانينيات، مسترجعًا زيارته للاتحاد السوفيتي عام 1984 حيث كان منهارًا وتسوده الفوضى، وكيف بدأ غورباتشوف بعد كارثة تشيرنوبيل عام 1986 برنامج الإصلاحات لإدخال إصلاحات سوقية محدودة، بالتزامن مع انفتاح الصين على السوق وتفكك الاتحاد السوفيتي بعدها ببضع سنوات. وأوضح غراي أن انهيار الثقل الموازن للنظام الأمريكي كان له أثر كارثي على النفس البشرية، مؤكدًا أنه لا يدعو للأنظمة الديكتاتورية الاشتراكية، بل يشير إلى أن هيمنة السوق المطلقة واعتباره المعيار الوحيد كان له أثر مدمر.

وأضاف غراي أن الشباب اليوم قد لا يستطيعون التعبير عن ذلك بهذه الطريقة، ولكنه يرى من خلال ظروف الواقع الراهن أنه عندما لا يمكن استغلال النزاهة تجاريًا، فإن فكرة أن تكون إنسانًا صالحًا لا تدر المال، مستشهدًا بالرئيس الأمريكي الحالي كمثال للشخص النفعي البحت الذي يركز فقط على كيفية جني أكبر قدر من المال لتصبح هذه المبادئ المادية هي كل شيء. واعتبر غراي أن إخبار الشباب بأن الشيء الوحيد المهم هو جني المال دون أهمية لكونهم صالحين أم لا، سيؤدي بهم إلى الشعور بالضياع والتساؤل عن سبب عدم مكافأتهم على صلاحهم، مؤكدًا أن هذا هو السبب التحديد وراء اختياره لهذه الفترة الزمنية لأحداث الفيلم كونها مثلت بداية اللحظة التي أصبح فيها «السوق هو الإله».

وفي ختام المؤتمر، طُرح سؤال حول كيفية الحفاظ على سلامة الروح في ظل هذه الظروف؛ حيث قال الممثل آدم درايفر بأن الإجابة واضحة بالنسبة له وتتمثل في أن «العائلة هي أهم شيء في الحياة»، مشيرًا إلى أن حب أولاده وزوجته وعائلته المقربة يأتي في المقام الأول وكل شيء آخر هو أمر ثانوي. وأوضح درايفر أنه إذا حاول التفكير في أن كل قرار يتخذه مبني على ما يمكن تقديمه لعائلته، فإنه سيقلل بذلك من إخفاقاته، مؤكدًا أنه لا يملك شيئًا آخر عدا ذلك.

من جانبه، أيد المخرج جيمس غراي رأي درايفر مؤكدًا امتلاكه لزوجة وأطفال رائعين، مضافًا إليهم بالنسبة له «الفن والموسيقى» كأشياء تتجاوز روتين الحياة اليومية. واعترف غراي بأن الحياة شاقة وصعبة على الجميع بغض النظر عن هوياتهم أو أوضاعهم، وتزداد صعوبة مع التقدم في السن. واختتم غراي المؤتمر بتوضيح ما تحتاجه الروح، مشيرًا إلى أنه يحاول تغذيتها بين الحين والآخر بالاستماع إلى لويس أرمسترونغ، أو لينون ومكارتني، أو باخ، ومشاهدة أعمال فنية متنوعة تمتد من جورج غروس إلى فيلاسكيز، بالإضافة إلى مشاهدة فيلم رائع، مؤكدًا أن هذا هو كل ما يملكه لإبهاج روحه.

شارك هذا المنشور

أضف تعليق