سينما جاك تاتي مغامَرة ومغامِرة. كثيرًا ما تُستخدَم كلمة «عبقري» للتعبير عن ولعنا بشخصية لا نعرف كيف نصفها بغير تلك الكلمة. لكنها تنطبق تمامًا على الفنّان الفرنسي، فهو يستوفي شروطها كاملةً، ويستحقّها كما استحقّها روّاد آخرون في فنّ الكوميديا، من أمثال تشارلي تشابلن وباستر كيتون والأخوة ماركس.
في الاستعادة التي تنظّمها «متروبوليس» لجاك تاتي (10 – 25 أغسطس)، تُعرض أفلام روائية خمسة له أنجزها بين عامي 1949 و1971. السينمائي المنحدر من أصول روسية وهولندية وإيطالية (يا لها من خلطة!)، الذي بدأ حياته رياضيًا، قيل فيه الكثير، ولا سيما في ما يتعلّق بطموحاته التي جعلت منه، في مراحل معينة، شخصية غير مرغوب فيها (رغم فوزه بالـ«أوسكار» عن «عمّي»)، وقادته من خيبة إلى أخرى. هناك شخصيات سينمائية من هذا الطراز، أسيرة أحلامها ونزوعها إلى إنجاز عمل لا يكتفي بتسلية الجمهور وإضحاكه، وإنما يطمح إلى أن يحجز لنفسه مكانًا في التاريخ، وأن يقاوم، ما أمكن، فعل الزمن.

يُستعاد تاتي (1907 ــ 1982) بعد عقود على رحيله، وهذه وحدها انتصار لمنجزه، ذلك أن التقدير يتغلّب على سوء الفهم الذي عانى منه وهو حيّ. وهي أيضًا فرصة مثالية للعودة إلى مسار فنّان، صاحب ستّة أفلام طويلة فقط، استعصى على التصنيف.
بدأت قصة حبّ تاتي مع السينما في ثلاثينات القرن الفائت، ممثّلًا وكاتبًا للسيناريو. في «أوسكار، بطل كرة المضرب»، فيلم قصير أخرجه جاك فورستير (نسخة أصلية ضائعة)، أُسنِدت إلى تاتي مهمّتا الكتابة والتمثيل، علمًا أنه كان قد بدأ، قبل عام من إنتاج الفيلم، تقديم نمر رياضية على خشبة المسرح، مستلهمًا إياها من ولعه بالرغبي. وبعد مجموعة من الأفلام القصيرة التي أدّى فيها أدوارًا مختلفة، بينها فيلم أخرجه رينيه كليمان عام 1936، انتقل إلى خلف الكاميرا، فأنجز باكورته القصيرة، «العودة إلى الأرض» عام 1938، وهو الآخر فيلم ضائع.
في تلك المرحلة، كان اسم تاتي قد بدأ يلمع في الميوزيك هول بفضل عروضه القائمة على الإيماءات والحركات الرياضية، وكان يستعد لتقديم استعراض في «راديو سيتي ميوزيك هول» الشهير، لولا اندلاع الحرب العالمية الثانية في أوروبا وانضمامه إلى الجيش، مما بدّل مسار حياته، وأجّل، لبعض الوقت، تحقيق مشاريعه السينمائية.

بعد الحرب، ستبقى السينما شغفه الأول. واصل التمثيل في أدوار صغيرة، بينها مشاركته في «الشيطان في الجسد» لكلود أوتان لارا، فيما كان يستثمر ما يجنيه من أموال في مشاريع تكاد تبدو جنونية. ثم جاء «يوم عيد» (1949)، ليكرّسه كوميديًا من طراز خاص. حاول الموزّعون تجاهل الفيلم، لكنه وجد طريقه إلى الجمهور، الذي استقبله بإيجابية. ومنه وُلدت شخصية مسيو أولو، ذلك الكائن الشارد، الطيب، القليل الاكتراث بما يدور من حوله، والذي سرعان ما أصبح قرين تاتي. سيعود أولو في «عطلة مسيو أولو»، ثم في «عمّي»، قبل أن يظهر في «بلايتايم» و«ازدحام».
كان تاتي يكرر باستمرار أن السينما ليست أكثر من قلم وورقة وساعات طويلة من مراقبة الناس. لكن هذه الساعات تحوّلت، عنده، إلى سنوات، إذ كان يترك لأفكاره متّسعًا من الوقت كي تتخمّر في رأسه. وكانت المسافة الزمنية بين فيلم وآخر تزداد كلّما تعاظم هوسه بالتفاصيل الدقيقة، من أكبر مسألة تتّصل بالنص إلى أصغر همسة في الشريط الصوتي، الذي كان يوليـه أهمية تضاهي الصورة نفسها.

وفجأةً، بدأ الشؤم يخيّم على مسار المخرج وحياته، بعد مشروعه الضخم «بلايتايم»، الذي أصرّ على تصويره بالـ70 ملم، وفي ديكورات هائلة ابتلعت موازنة طائلة. أخذت أسطورة إيكاروس تحوم حوله: ذلك الذي ذاب جناحاه المصنوعان من الشمع بعدما حلّق قريبًا من الشمس. فالجمهور لم يستجب لرؤيته المستقبلية لأوروبا ما بعد الحرب، وكان منشغلًا باكتشاف جديد اسمه التلفزيون. أما النقّاد، فكثيرون منهم أساؤوا القراءة، واتّهموا تاتي بعقدة العظمة والنرجسية. قلائل فقط أبحروا عكس التيار، ودافعوا عن خياراته الجمالية.
كان فرنسوا تروفو أحد هؤلاء. ففي اليوم التالي لصدور «بلايتايم»، كتب: «هذا فيلم من كوكب آخر، حيث يصنعون أفلامًا مختلفة عن أفلامنا. «بلايتايم» قد يكون أوروبا عام 1968 كما صوّره أول مخرج من المريخ (…) يرى ما لم نعد نراه، ويستمع إلى ما لم نعد نستمع إليه، ويصوّر عكس ما نصوّر».
يصعب عليّ سرد «أحداث» الفيلم، سوى القول انه عن رجل (تاتي) يتيه طوال يوم في باريس حديثة، مدينة تحوّلت إلى متاهة من الزجاج والإسمنت، فيما تكشف مغامراته عبث العصرانية وتحوّل الإنسان داخل جدرانها إلى كائن يتخبّط وسط عالم آلي.

عندما وجد تاتي أن تصوير الفيلم في المواقع الحقيقية التي يحتاج إليها، من مطار أورلي إلى لا ديفانس، أمر شبه مستحيل، قرر أن يشيد مدينة من الصفر ستُعرف باسم «تاتيفيل». وهكذا ظهرت في جنوب شرق باريس مدينة مصطنعة امتدت على نحو 15 ألف متر مربع، صمّم تاتي تفاصيلها بدقة ونفّذها أوجين رومان. احتاج تشييدها إلى خمسة أشهر وأكثر من مئة عامل، تحوّل الديكور إلى فضاء هائل تتعايش فيه الأبنية الزجاجية والممرات والمكاتب والواجهات.
هذه المدينة ستكون الشخصية الأكثر حضورًا في «بلايتايم». مسيو أولو كائن ضائع داخل منظومة لا يفهم قواعدها. كلّ شيء من حوله مرتّب، لامع، هندسي وشفّاف، لكن هذا التنظيم بدلًا من أن يمنحه وضوحًا وراحة، يجعله أكثر ارتباكًا. النوافذ التي يفترض أن تفتح على العالم تتحوّل سطوحًا عاكسة، والزجاج لا يكشف بقدر ما يحجب، والمساحات العامة تبدو مصمّمة بحيث تجعل الإنسان مرئياً على الدوام.
كان تاتي يرى أن العمارة الحديثة تسحق الإنسان، محوّلةً إياه إلى فأر يتنقّل مذعورًا من مخبأ إلى آخر. لذلك نراه، هو نفسه، في شخصية مسيو أولو، عاجزًا عن العثور على موطئ قدم في مدينة مضيئة، لامعة، شفّافة، أضحى فيها كلّ شيء إلى موضوع للتلصص والمراقبة. مدينة لا تترك له لحظة واحدة من الهدوء، كأنها تطرده منها في كلّ لحظة.
هذا العالم الستيناتي يحمل ملامح ظواهر ستتسع لاحقًا: انتشار الإنكليزية كلغة، صعود التكنولوجيا إلى موقع مركزي في الحياة اليومية، اقتصاد الخدمات، الاحتيال المرتبط بعالم الأعمال، وحتى الحساسية المتزايدة تجاه التدخين. التقط الفيلم مبكرًا الاتجاه الذي كانت تسلكه المدينة الحديثة.

سبق جاك تاتي عصره، فلم يُفهم بسهولة. رأى بعضهم في إصراره على استخدام الـ70 ملم، وهي التقنية التي كانت مخصّصة أساسًا للأفلام ذات الضخامة البصرية، من أفلام الوسترن والأعمال الملحمية مثل «كليوباترا» و«بن هور»، نوعًا من الترف. لكن تاتي كان يريد شيئًا آخر تمامًا: أن يشمل عالمًا كاملًا في إطار واحد. وهذا العالم المهندَس ببراعة، يضم زحمة أفعال وشخصيات داخل فضاء واحد، بحيث يختار المُشاهد أين يوجّه نظراته. رغب تاتي في خلق لوحة، لكن أراد لها حركة متوازية بدلًا من الجمود.
لا لقطة في «بلايتايم» متروكة للمصادفة. حتى الألوان الرمادي والأسود والأزرق، وصولًا إلى الانفجار اللوني في ذلك الصباح الفوضوي الذي يبدو ثمرة مصادفة، تخضع لمنظومة دقيقة. كأن تاتي كان يشعر، قبل أن يصبح ذلك واضحًا للجميع، بأن المجتمع الاستهلاكي مقبل على احتلال البيت، والتسلّل إلى المعدة، واقتحام العقل، وصناعة إنسان جديد يهرب باستمرار، من دون أن يعرف إلى أين.
اقرأ أيضا: 10 دروس سينمائية لجيمس غراي