يستعيد الناس حلقات «طاش ما طاش» التي عُرضت خلال التسعينات وبدايات الألفية بكثير من التقدير، محتفين بقدرتها على الإضحاك وجرأتها في الاقتراب من قضايا المجتمع. وقد يبدو هذا الاحتفاء في ظاهره نوعًا من «النوستالجيا»، لكنه يتجاوز مجرّد الحنين إلى زمن مضى.
فالناس يعودون إلى «طاش ما طاش» لأنه عرف كيف يلتقط تفاصيل المجتمع وتناقضاته، ويحوّلها إلى كوميديا يفهمها الجميع. اقترب من مشكلات التعليم والصحة والإسكان والبطالة والبيروقراطية والمؤسّسات الدينية، وانتقد ممارسات اجتماعية ومؤسّسية، من دون أن يفقد خفته وسخريته أو ينزلق إلى خطاب وعظي مباشر.
لم تكن جميع حلقاته بالمستوى نفسه، ولم يكن المسلسل محصّنًا من النقد، لكنه امتلك، في أفضل مراحله، خصوصًا أواخر التسعينات وبداية الألفية، قدرة نادرة على الجمع بين الشعبية والجرأة؛ يُضحك الناس، ثم يتركهم يتجادلون حول القضية التي طرحها.
لكن السؤال الأهم اليوم ليس: هل يمكن إعادة «طاش ما طاش»؟ بل: هل تسمح طبيعة الإنتاج الحالية، وحسابات القنوات والمنصات، وحساسية المؤسّسات، وضغط وسائل التواصل الاجتماعي، بصناعة عمل يقترب من القضايا العامة بهذه الصراحة؟
صحيح أنّ المجتمع تغيّر، واتسعت مساحة الحديث في كثير من الموضوعات، لكن صناعة الكوميديا الناقدة لم تصبح بالضرورة أسهل. فالحسابات الإنتاجية ازدادت، والحساسيات تعدّدت، وردود الفعل أصبحت أسرع وأكثر تأثيرًا في مصير الأعمال.
ويكفي أن نتأمّل طريقة التعامل مع مشاهد التدخين اليوم في الأفلام والمسلسلات السعودية لفهم جانب من هذه المفارقة. قد تظهر السيجارة في يد الشخصية، أو مشتعلة فوق الطفاية، لكن لا يُسمح للممثل بأن يدخنها أمام الكاميرا. وبالتأكيد لا يتعلّق الأمر هنا بالدفاع عن التدخين، بل بالسؤال عن صدق الصورة الدرامية حين تخضع حتى التفاصيل الصغيرة جدًا لهذا القدر من التحفُّظ، وقِس على ذلك عددًا من التفاصيل.
فإذا كانت الدراما تتردّد في إظهار شخصية تدخن، فكيف ستقترب من قضايا اجتماعية أكثر حساسية؟ وكيف يمكن أن يظهر عمل بجرأة «طاش ما طاش»، بينما تضيق المساحة المتاحة أمام الكاتب والمخرج حتى في تصوير سلوك موجود في الواقع؟

وهنا تكمن المفارقة: المجتمع اليوم أقل محافظة وأكثر انفتاحًا في الحديث عن كثير من قضاياه، بينما قد يبدو العمل الدرامي أحيانًا أقل قدرة على تمثيل هذا الواقع كما هو. والرقابة لا تأتي من جهة واحدة؛ فهناك رقابة المنتج والمنصة والمعلن، ورقابة المؤسّسات التي قد تكون هي نفسها موضوعًا للنقد، فضلًا عن رقابة الجمهور على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يمكن اجتزاء مشهد من سياقه وتحويله خلال دقائق إلى قضية تستدعي التبرير أو الاعتذار… هل تذكرون اعتذار مشعل الجاسر عن فيلمه العظيم «ناقة»؟

ما نحتاج إليه فعلًا هو استعادة المساحة التي سمحت بظهور «طاش ما طاش» في وقت مضى؛ مساحة تمنح الكاتب حرّية مراقبة المجتمع، وتتيح للكوميديا الاقتراب من المناطق الحساسة، وطرح الأسئلة، والإزعاج قليلًا، من دون خوف دائم من ردود فعل الجمهور.
فقيمة «طاش ما طاش» أنه تجاوز كونه عملًا كوميديًا، ليصبح عملًا ساخرًا ناقدًا يدفع الجميع إلى مناقشة المشكلات والحديث عنها بعد الضحك عليها. وإذا كنا نستعيد جرأته اليوم بكثير من التقدير، يبقى السؤال: هل البيئة الحالية مستعدّة لمنح عمل جديد المساحة نفسها؟
اقرأ أيضا: سنة 2026… لماذا غاب الفيلم السعودي عن المهرجانات الكبرى؟