تمنحنا بداية جيدة لفيلم، العديد من القرائن حول ما سنراه بعد ذلك، فهي تهيئك كمتفرج، هي ليست وعداً بما سيأتي فقط، بل طريقة لاختبار يقظتك كمشاهد. أحيانًا تكفي حركة صغيرة، نبرة خافتة، أو إيقاع لا يصرخ لكنه يشدّك من ياقة انتباهك. بارك تشان ووك بارع في التمهيدات، يعرف كيف ينسج افتتاحياته كخيط أول في نسيج أكبر، يزرع فكرة ثم يتركها تتمدّد وتتشظّى، حتى تتحوّل من تمهيد بسيط إلى حالة كاملة، أكثر جنونًا وكثافة مما توقعت. وينطبق الأمر نفسه على أدواته التقنية، فالانتقالات التي ينسجها تشان ووك، مهما بدت متقنة وباهرة، لا تعمل بوصفها مونتاجًا على الطريقة الأيزنشتايتيه. انتقالات بارك تعمل بطريقة مختلفة تمامًا، أشبه بدينامو بصري يحرّض الصور على تبادل سريع، يسبق ارتباطاتنا الذهنية ويقدّمها لنا قبل أن تتشكّل بالكامل.

كانت أولى الصدمات التي هزّت خيال تشان ووك (رئيس لجنة تحكيم مهرجان كان هذه السنة) هي «فيرتيغو» (1958، «Vertigo»)، لهيتشكوك، فيلم شاهده في نهاية المرحلة الثانوية وترك فيه شيئًا خاصًا. ومع ذلك، لم يتجه مباشرة نحو الإخراج، اختار طريقًا أكثر التفافًا، فكرّس نفسه للنقد الفنّي ودرس علم الجمال في جامعة سيول، قبل أن ينتقل إلى جامعة سوغان الكاثوليكية ويتخرج في الفلسفة. في 1988، دخل السينما من الباب الأكثر تواضعًا، مساعدات صغيرة، مهام متفرقة، وتعلّم ببطيء عبر الاحتكاك اليومي. خلال تلك الفترة التقى بالمخرج جاي يونغ كواك (الذي يُطلق عليه لقب بونويل الكوري)، وبدء معه علاقة مهنية ستتطور حين يصبح تشان ووك مساعده في التسعينيات. وفي الوقت نفسه، لتأمين لقمة العيش، كان يعمل لدى موزّع دولي، يترجم، يوزّع منشورات في دور السينما، ويجمع كلّ مل يستطيع لتمويل فيلمه الأول.
بعد أربع سنوات، أنجز فيلمه الروائي الأول «القمر هو… حلم الشمس» (1992، «The Moon is… The Sun’s Dream»)، الذي مرّ مرورًا خافتًا. خمس سنوات أخرى ستنقضي قبل أن يتمكن من إخراج فيلمه الثاني «ثلاثي» (1997، «Trio»)، كوميديا اجتماعية نالت استقبالًا أفضل من سابقها، لكنها لم تكن كافية لفتح باب ثالث بسهولة. في تلك الفترة، عاد إلى النقد، يكتب، يظهر على التلفزيون، ويحلّل أفلام الآخرين بينما ينتظر فرصته.

بدأ يعرض سيناريو فيلمه الثالث على المنتجين، بلا جدوى. سنوات من الركود دفعته إلى تجربه فيلم قصير لأول مرة، «الحُكم» (1999، «Judgment»)، 26 دقيقة، اختير لمهرجان كليرمون فيران. وبعدها بدأ الصعود. حصل على فرصة تحويل رواية سانغ يون إلى فيلم، فكان «منطقة أمنية مشتركة» (2000، «Joint Security Area»)، أول ميزانية ضخمة بين يديه، تجاوز ثلاثة ملايين مشاهدة، حصد جوائز محلية ودولية، مثبتاً بارك تشان ووك كأحد أعمدة الموجة الكورية الجديدة، ومُفسحًا له أخيرًا مساحة ليتفرغ لكتابة «ثلاثية الانتقام». ثلاثية، ليس لها علاقة ببعضها البعض، ولكن «أبطالها» متأثرون بتلك الرغبة البشرية للانتقام. في الأول نكون أمام رجل فقد ابنته عن طريق الخطأ، ويسعى بسبب ذلك إلى معاقبة المذنب. وفي الثاني، يضعنا المخرج في مكان رجل يتصرف، في أكثر من مناسبة، مثل الحيوان. كائن غير عقلاني، لا يفكر فيما يفعله، انتقامه هو هدفه الذي يعمل بسببه عقله ويجبر جسده للامتثال له. وفي الثالث جاء دور امرأة لتقرر قتل الرجل الذي استغلها ودمر حياتها.

عُرض «تعاطف مع السيد انتقام» (2002، «Sympathy For Mr. Vengeance»، الفيلم الأول من الثلاثية)، بعد سنوات من العمل عليه، فيلم إثارة مشحون بدلالات اجتماعية وسياسية، أشعل نقاشًا واسعا وانقسامًا حادًا بين الجمهور الكوري. بعده، جاء الجزء الثاني، أشهر أفلامه «أولدبوي» (2003، «Oldboy») وفيه يتم الاقتراب من الانتقام من منظور مأساوي، فيلم يشرب من المأساة اليونانية ليقدم قصة عن الفداء، وبين المرح والسادية نجد نفسنا أمام شخصيات معذبة. الفيلم مرتبط بالإفراط، يعيدنا إلى أعمق مشاعرنا، متجاوزًا الفكرة العامة لكيفية صنع عمل إثارة نفسية وانتقام. ومع ختام الثلاثية بفيلم «تعاطف مع السيدة انتقام» (2005، «Sympathy For Mrs. Vengeance»)، كان قد رسّخ مكانته كأحد أكثر المخرجين الكوريين جرأة وتأثيرًا، مخرجًا يوسّع حدود النوع ويعيد تشكيل العلاقة بين العنف، الجمال.
المخرج الكوري الذي صقل جمالية مشهد المطرقة في «أولدبوي»، لم يكن أسير نوع واحد ولا لغة واحدة. تنقّل بخفة من الانتقام إلى أعمال كورية صافية مثل «I’m Cyborg, But That’s OK» (2006) و «عطش» «2009، «Thirst»). وبين أفلام ناطقة بالإنجليزية مثل («2013، «Stoker»). وحين يتحدث عن ألفريد هيتشكوك أو كلاسيكيات «وارنر براذرز»، يلمع شيء في عينيه، ذلك البريق الذي يكشف عن مخرج تربّى على الدراما البوليسية، وعلى ألعاب التشويق التي تُدار من خلف الستار. والأجمل أنه لا يخفي شغفه بلويس بونويل، خصوصاً نسائه الغامضات والمشاكسات في بعض روائعه.

هناك جنون منظّم في أفلام تشان ووك، طريقة تتكاثر فيها أفكاره المضحكة والعنيفة والعبثية، من دون أن يفقد خيط التوتر. في فيلم «الخادمة» (2016، «The Handmaiden») كانت الموارد التقنية تكتب نفسها بأحرف كبيرة، أعلى صوتاً من الحوار، وكل شيء فيه يحمل نبرة أوبرالية صاخبة.

ما يقدّمه بارك دائمًا ليس أطروحة مفاهيمية بقدر ما هو أصالة جمالية، تراكم عاطفي للحظات الدرامية أكثر منه معالجة دقيقة للوسيط. فيلم «قرار الرحيل» (2022، «Decision to leave») هو ذروته، فيلم نوار مشغول بطموح بصري هائل، وسرد آسر، وشخصيات تستعيد تقاليد هوليوود الكلاسيكية، محقق يقوده الحبّ إلى سلسلة من القرارات الخاطئة، وامرأة أجنبية فاتنة، وعالم لا يثبت على حال. وكما هو متوقع، في الفيلم، لا شيء كما يبدو، كل شيء مصقول كآلة سويسرية، موارد مبالغ فيها لكنها متشابكة بدقة مذهلة. وفيلمه الأخير «لا خيار آخر» (2025، «No Other choice») لا يحمل رسالة معقدة بقدر ما يعكس واقعًا وحشيًا، رأسمالية تطوّرت إلى نظام يستبدل الأفراد بسهولة، حيث تسود سياسة «اقتل أو تُقتل».

لا يمكن وضع أفلام بارك تشان ووك كلها في ميزان واحد، لكن بينها خيطاً مشتركاً لا يخطئه النظر. ذلك الوجه الحيواني، المفترس، من الرجولة. حين تنفلت هذه الغريزة البدائية، تمنح الأبطال وقارًا غريبًا، نوعًا من الأصالة التي لا تأتي من الأخلاق بل من الانكشاف التام. ومع كل فيلم، كان تشان ووك يكتشف موردًا جماليًا جديدًا، ويصقل أدواته بطريقة تجعل كل عمل يحمل بصمته الخاصة. لكن خلال العقدين الماضيين، لم يعد وحده في هذا المسار. كثيرون من أبناء جيله ساروا بثقة على الطريق الذي فتحه، الطريق الذي يُعرف باسم «هاليوود» (Hallyuwood)، أي صناعة السينما الكورية الجنوبية الحديثة.
اقرأ أيضا: بارك تشان-ووك يرأس تحكيم كانّ 79… عودة مختلفة إلى الكروازيت