فاصلة

مراجعات

«المباراة»… فيلم يُشرّح أسطورة مارادونا وموقعة القرن

Reading Time: 4 minutes

فكرتان أساسيتان تقعان في قلب «المباراة»، وثائقي الأرجنتينيَّين خوان كابرال وسانتياغو فرانكو، المُشارك في قسم «عروض أولى» ضمن الدورة الـ79 من مهرجان «كانّ» السينمائي. الأولى تُجسّدها مقولة جان لوك غودار: «من خلال السينما نستطيع الحديث عن كلّ شيء». يتّخذ الفيلم من السينما وسيلة لتشريح مباراة كرة قدم، ويضعها داخل المسار التاريخي المعقَّد للعلاقة بين الأرجنتين والمملكة المتحدة، وبالأخص نزاعهما الممتدّ حول جزر فوكلاند. أما الثانية، فهي أنّ كرة القدم أكثر من رياضة، لعكسها تركيب المشاعر البشرية وإظهارها أجمل ما في الإنسان وأسوأه في الوقت نفسه.

ينبغي القول منذ البداية إنّ هذا الوثائقي لا يُنصح به لمَن لا يحملون حبّ اللعبة الأكثر شعبية في العالم في قلوبهم، بينما يُوصى به بشدّة لعشاق الأسطورة مارادونا. أسطورة تجاوزت شخصَ مهاجمٍ ارتدى القميص رقم 10 في المنتخب الأرجنتيني، ودافع عن ألوان أندية عدّة، رغم أن تجربته مع «نابولي» تبقى الأكثر رسوخًا في الذاكرة. راكم «الصبي الذهبي» صيتًا استثنائيًا على مدار سنوات بفضل موهبته الفريدة وشخصيته المتفرّدة، لكنه يدين بذلك، بالدرجة الأولى، إلى مباراة واحدة فعل فيها كلّ شيء. مباراة أُقيمت في 22 يونيو 1986 على ملعب «أستيكا» في مكسيكو سيتي، ضمن ربع نهائي كأس العالم، أمام 114 ألف متفرج. يومها سجَّل بيده «الإلهية» أحد أكثر أهداف المونديال إثارة للجدل، قبل أن يوقّع، بعد أربع دقائق فقط، على ما يعتبره كثيرون أجمل هدف في تاريخ كأس العالم وربما في تاريخ اللعبة كلّها.

The Match (2026)
The Match (2026)

يكمن سرّ الحمولة العاطفية التي يكتنفها فيلم كابرال وفرانكو في أنه يُقدّم تلك المباراة عبر طبقات غنيّة من التفاصيل الشيّقة، يُعرض بعضها للمرة الأولى على الشاشة، ضمن إيقاع يحبس أنفاس المُشاهد. ولعلَّ أكثر ما يلفت في البناء الإخراجي للفيلم هو اعتماده على تقطيع ديناميكي يقوم على عدٍّ عكسي يبدأ قبل أكثر من قرنين، منذ إقامة الكابتن جون بايرون أول مستعمرة بريطانية على جزر مالوين، وصولًا إلى لحظة إعلان الحكم التونسي علي بن ناصر صافرة بداية مباراة القرن.

The Match (2026)
The Match (2026)

ومع تقدُّم الفيلم على خطّه الزمني واقترابه من لحظة انطلاق المواجهة، يكتسب السرد زخمًا أكبر، مدعومًا بأرشيف غني يمزج كرة القدم بالسياسة، رغم أن جميع مَن أُجريت معهم مقابلات قبل المباراة رفضوا الحديث في السياسة، وكأنّ حركاتهم ونظراتهم تقول عكس ذلك. مفارقة جميلة تؤكد حقيقة معروفة، هي أنّ السياسة تُترجم في أبسط الحركات اليومية، من شراء قطعة خبز، إلى تشجيع منتخب وطني في مواجهة منتخب بلد خاض حربًا سقط فيها نحو ألف قتيل وضعفهم من الجرحى.

مباشرة بعد تطرق الفيلم، بشكل مقتضب، إلى الحرب ونتائجها الوخيمة على الجانبين، خصوصًا الجيش الأرجنتيني وخسائره البشرية الفادحة، يركز السرد، عبر انتقال جذاب من السياسي إلى الكروي، على تتبُّع خطوات تكوين المنتخبين قبل نحو عامين من لحظة المباراة الحاسمة. واللافت هنا نقاط التقاطع الكثيرة بين الجانبين، سواء في شخصية المدرّبين، التي لم تحظَ بإجماع في البداية، خصوصًا المدرب الأرجنتيني كارلوس بيلاردو وتكتيكاته المجنونة، أو في تعثُّر خطوات المنتخبين خلال فترة الإعداد، إلى درجة مطالبة الجماهير الإنجليزية بإقالة المدرب بوب روبسون.

The Match (2026)
The Match (2026)

ويمسك السرد بخيوط تفاصيل عدّة تبدو للوهلة الأولى غير مهمة، لكنها تكتسب أهمية كبيرة حين توضع داخل سياق الأحداث المذهلة للمباراة. من بينها الإصابة التي تعرَّض لها قائد المنتخب الإنجليزي برايان روبسون خلال مباراة الدور الأول أمام المغرب، ممّا دفع إلى تعويضه بستيف هودج، الذي يتتبع الفيلم قصته الطريفة عندما تبادل قميصه مع مارادونا بعد نهاية المباراة، بعيدًا عن أعين زملائه، ثم أخفى الأمر لسنوات، قبل أن يعود القميص النادر إلى الواجهة ويُباع في مزاد علني بأكثر من تسعة ملايين دولار، ويغدو أغلى قطعة رياضية بيعت على الإطلاق. ويكشف الفيلم أيضًا الحكاية الطريفة وراء تغيير ألوان القميص وتصميمه الغريب قبل المباراة بيوم فقط.

وثمة بُعد قدري يحيط بالمباراة، يُعزّزه انعكاس ظلّ المجسّم الكريستالي المُعلّق في سقف ملعب «أستيكا» قرب دائرة المنتصف، وكأنه إشارة سماوية إلى مواجهة استثنائية. وربما لهذا السبب افتتح المخرجان وكاتبا السيناريو الفيلم بتقديم الشخصيات التي أُجريت معها المقابلات، والتعريف بأماكن ولادتها وبعض تفاصيل حياتها الشخصية، في إيحاء إلى أنّ جميع اختياراتهم في الحياة قادتهم بشكل أو بآخر إلى حضور «موقعة أستيكا» الشهيرة.

The Match (2026)
The Match (2026)

ويتّسم مونتاج المقابلات بحيوية لافتة، إذ يتوقّف عند كلّ لحظة من أحداث المباراة لرؤيتها بعيون مَن عاشوها داخل الملعب أو على أطرافه، عبر تعليقات سريعة تمزج بين الصراحة والفكاهة. وهو اختيار ذكي يذكّر بالمسلسل الوثائقي الرياضي «الرقصة الأخيرة» (2020) للمخرج جايسون هير، الذي تناول مسيرة مايكل جوردان مع الجيل الذهبي لفريق «شيكاغو بولز».

وينقسم اللاعبون الإنجليز الذين أُجريت معهم المقابلات بين مَن ظلّوا يحملون ضغينة تجاه مارادونا، وعلى رأسهم حارس المرمى بيتر شيلتون، وبين مَن تجاوزوا الأمر واعترفوا بإعجابهم بشخصية الأسطورة وعظمة هدفه الثاني، وعلى رأسهم غاري لينيكر، الذي تولّى قراءة التعليق الصوتي للفيلم، وجون بارنز.

The Match (2026)
The Match (2026)

ويُختَم الفيلم بلفتة تتسامى بقيمة الروح الرياضية، لتجاوز الأحقاد والاحتفاء بكرة القدم على أنها لعبة يفترض أن تجمع الشعوب، لا أن تفرّقها. ينتهي «المباراة» بمشهد يجمع لاعبي المنتخبين السابقين حول مباراة في «كرة قدم الطاولة»، قبل أن يتلو غاري لينيكر نصًا رائعًا للويس بورخيس يقول في بدايته: «كنتُ أعتقدُ أنّ الرجل يمكن أن يكون عدوًا لرجال آخرين، وللحظات أخرى من صنع رجال آخرين، لكن ليس لبلد؛ ليس لليراعات، أو الكلمات، أو الحدائق، أو الجداول، أو غروب الشمس».

وكأنَّ المخرجَيْن يهمسان في أذن المشاهد: «لا تخوضوا الحروب. العبوا كرة قدم جميلة، وشقية قليلًا، واستمتعوا بالحياة… كما فعل مارادونا».

اقرأ أيضا: «القبلة الكهربية»: هل تستطيع القبلات إعادة الأموات؟

شارك هذا المنشور

أضف تعليق