فاصلة

مقالات

«سائق التاكسي»… أميركا التي صنعت بطلًا من قاتل

Reading Time: 14 minutes

عام 1972، طردت زوجة بول شريدر زوجها من المنزل، ثم خسر وظيفته في «معهد الفيلم الأميركي»، فانطلق يتسكّع في شوارع لوس أنجليس بلا وجهة، ينام أحيانًا في سيارته، ويقتات على الوجبات السريعة، ويرتاد دور السينما الإباحية، ويُفرط في شرب الكحول. استحوذ عليه هوس بالأسلحة في تلك الفترة، وفكّر أكثر من مرة في الانتحار. وعندما أُدخل المستشفى بسبب قرحة في المعدة، وسمع صوته وهو يتحدّث إلى الممرضة، أدرك أنه لم يستخدم حباله الصوتية منذ أسابيع. عندها خطرت له الاستعارة: رجل يطفو داخل صندوق معدني، تابوت على عجلات، وسط الناس ظاهريًا، لكنه يعيش عزلة مطلقة.

كتب شريدر سيناريو «سائق التاكسي» بعد ذلك بأسبوعين، مستندًا جزئيًا إلى «مذكرات من تحت الأرض» لدوستويفسكي، وإلى يوميات آرثر بريمر، الذي حاول اغتيال المرشّح الرئاسي جورج والاس قبل ذلك بعامين. واختار للصفحة الأولى من السيناريو اقتباسًا من مقال قديم لتوماس وولف عن الوحدة على أنها الحقيقة المركزية للوجود الإنساني، لا استثناءً نادرًا فيه.

يستحق هذا التاريخ الشخصي أن يُروى أولًا، لأنه يكشف بوضوح ما يدور حوله الفيلم فعلًا: عزلة يصنعها المرء بيديه، أكثر من إطلاق النار في النهاية. يصنع «ترافيس بيكل» عزلته بنفسه، ويبدو غريبًا حتى بين سائقي التاكسي الآخرين، إذ يجلس منفردًا في الكادر أو بعيدًا عن المجموعة. يريد الانتماء، لكنه يجهل أبسط أشكال التواصل الاجتماعي.

سائق التاكسي
Taxi Driver (1976)

يمرّ الفيلم بأكمله تقريبًا عبر وجهة نظره، فنسمع صوته من خلال يوميات مسجّلة، استعار شريدر تقنيتها من روبير بريسون في «يوميات كاهن ريفي»، ونرى المدينة بعينيه، حتى يقترب الأمر من اعتراف شخصي. لكنّ الأداة لا تعمل بالكفاءة نفسها طوال الوقت؛ فحين يصف «ترافيس» ما يراه ليلًا، تضاعف يومياته قلق المُشاهد، لكنها حين تستعير مفردات تحليلية جاهزة عن كونه مريضًا أو فاسدًا، تقترب من تبرير نفسي تقليدي يرفضه الفيلم في بقية بنائه. و«ترافيس»، في كلّ الأحوال، راوٍ لا يُوثق به تمامًا. حتى خلفيته جنديًا سابقًا في مشاة البحرية لا نعرفها إلا من كلامه، من دون أي مصدر آخر يؤكّدها أو ينفيها.

وصف مدير التصوير مايكل تشابمان الفيلم لاحقًا بأنه أقرب إلى وثيقة عن العقل منه إلى وثيقة عن المدينة. والوصف أدقّ مما يبدو للوهلة الأولى. فعند مشاهدة «سائق التاكسي» للمرة الأولى، يسهل اعتباره فيلمًا عن نيويورك القذرة في السبعينات؛ شوارع مزدحمة بالبغايا والمدمنين والمجرمين، وبخار يتصاعد من مجاري الصرف، ودُور عرض إباحية في شارع 42. وقد كتب أحدهم بعد عقود أن هذه الصورة البانورامية القذرة توبيخ لكلّ مَن يضفي رومانسية زائفة على تلك الحقبة من تاريخ ميدتاون، لا احتفاء بها. لكنني لا أفضّل قراءة الفيلم على أنه وثيقة اجتماعية بحتة. فهو عندي أقرب إلى تصوير عقل دفعه إدراكه لقذارة المدينة إلى الجنون، منه إلى توثيق تلك القذارة نفسها. لا يرى «ترافيس» من نيويورك إلا ما يؤكّد فكرته المسبقة عنها، وتحصر الكاميرا رؤيتنا في إدراكه، حتى نبدأ نحن أيضًا برؤية المدينة بالطريقة نفسها. مانهاتن هنا صورة جماعية متخيّلة أكثر منها المدينة الفعلية، على خلاف نيويورك الأكثر دفئًا التي ستظهر بعد أعوام قليلة في أفلام وودي آلن. مدينة «ترافيس» مكان آخر تمامًا؛ إنها صورته ممتدّة إلى الخارج.

روبرت دي نيرو
Taxi Driver (1976)

تصبح سيارة الأجرة امتدادًا لجسده؛ نوافذها عيناه، وهيكلها المعدني جسده المدرّع. يحتمي بها من الخارج كما يحتمي الجندي بدرعه، وإن كانت تحاصره بقدر ما تحميه. يرى الركاب من خلف الزجاج وعبر المرآة، ويظلّ منفصلًا عنهم حتى وهم على بُعد أمتار منه. بالكاد يتفاعل معهم، وحين يدور أمامه حديث مرعب، يبقى وجهه باردًا بلا تعبير. تمنحه وظيفته فرصة العبور وسط المجتمع طوال الليل، لكنها لا تجعله جزءًا منه.

تختصر الدقائق الأولى من الفيلم هذا كلّه تقريبًا. سحابة بخار بيضاء تغطّي الشاشة، ثم تخترقها سيارة أجرة صفراء ببطء غير طبيعي، كأنها تولد من العدم. بعدها تظهر عينان داكنتان في لقطة مقرّبة، تتجوّلان يمينًا ويسارًا وسط أضواء الشارع الملوّنة، ثم يظهر الشارع نفسه كما يُرى عبر زجاج أمامي مبتلّ، تتشوّه خلفه الأضواء والحركة. لا شيء في هذا الافتتاح واقعي تمامًا، رغم أن موضوعه، سيارة أجرة في نيويورك، مألوف إلى أقصى حد.

يقطع سكورسيزي اللقطات فجأة، ويضع «ترافيس» أحيانًا في موضع منخفض من الكادر أو بعيدًا عن مركزه، ويعود مرارًا إلى اللقطات العلوية. حتى تقنية إذابة لقطة في أخرى لا تؤدّي هنا وظيفتها المعتادة في الإشارة إلى مرور الزمن، إذ تبدو أقرب إلى انزلاق قصير في الوعي. ومن خلال الظلال والبخار والزوايا الحادّة، يتشوَّه العالم بصريًا ليعبّر عن نفسية الشخصية، امتدادًا لتقليد تعبيري ألماني واضح. وفي غرفة «ترافيس» نفسها، المكدّسة بعلب الوجبات السريعة والزهور الذابلة، ذات الجدران المتصدّعة، تتكرّر الحيلة نفسها.

ومع ذلك، يمتنع سكورسيزي عن منحنا تشخيصًا مريحًا. لا نعرف على وجه اليقين سبب وصول «ترافيس» إلى هذه الحال: أهي الحرب، أم المدينة، أم اضطراب لم يُسمَّ قط؟ يرفض الفيلم أن يقدّم لنا مفتاحًا نهائيًا لفهمه، تمامًا كما سيرفض بعد أربع سنوات تفسير الحياة الداخلية لـ«جيك لاموتا» في «الثور الهائج». يريد سكورسيزي أن يكشف عن الحياة الداخلية لشخصياته بصريًا، لا أن يفسّرها بالكلمات.

اعترف شريدر لاحقًا بأن «ترافيس بيكل» هو نفسه، وقال ذلك بلا زخرفة، وصفًا لحال عاشها فعلًا قبل أن يكتب عنها حرفًا واحدًا.

Taxi Driver (1976)
Taxi Driver (1976)

موهوك قبل المعركة

يحلق «ترافيس بيكل» رأسه على طريقة «الموهوك» قبل ساعات من محاولته اغتيال مرشّح رئاسي. يبدو التفصيل للوهلة الأولى مجرّد اختيار بصري صادم، لكنه مستمدّ، وفق الرواية الأكثر تداولًا عن خلفية الفيلم، من عادة نُسبت إلى قوات النخبة الأميركية في سايغون، تقضي بحلق الرأس على هذا النحو قبل المهمات، إشارةً إلى الاستعداد للقتل. وحين يحلق «ترافيس» شعره، يبدو كأنه يستعيد هيئة الجندي قبل العملية.

تحمل الحرب على جسده علامات أخرى أقلّ صخبًا: ندبة على ظهره تشبه أثر شظية، تظهر في مشهد تمارينه الرياضية من دون تعليق أو شرح، وسترة عسكرية يرتديها في كلّ مشهد تقريبًا خارج شقته، وعلى شارتها فم «كينغ كونغ» فاغر في صرخة صامتة، تلتقطه الكاميرا خلال مقابلة توظيفه سائقًا. لا يقول الفيلم شيئًا عن هذه التفاصيل، فيتركها معلّقة، كأنها آثار على جسد لم يُسأل عمّا جرى له.

اختلف شريدر وسكورسيزي اختلافًا حقيقيًا حول وزن هذه الحرب في الفيلم. أنكر شريدر لاحقًا، في أكثر من مناسبة، أن يكون قد قصد فيتنام أصلًا، وقال إن «ترافيس» بالنسبة إليه أقرب إلى بطل وجودي ضائع على شاكلة أبطال كامو ودوستويفسكي، وإن خدمته العسكرية لم تكن العنصر الجوهري في تصوّره الأول للشخصية. أما سكورسيزي فكان أكثر وضوحًا؛ إذ أكّد أنّ خبرة «ترافيس» اليومية بالموت والعنف في جنوب شرقي آسيا هي ما يجعل إدراكه للشارع الليلي أكثر إحساسًا بالتهديد بعد عودته، وأنّ الحرب تعيد تشكيل مفهوم الجندي عن «الحضارة» نفسها. تؤدّي فيتنام هنا الوظيفة التي أدّتها الحرب العالمية الثانية في الفيلم الأسود الكلاسيكي؛ إذ يعود «ترافيس» من فيتنام عاجزًا عن معرفة ما يفعله بنفسه، كما عاد جنود تلك الحرب إلى مجتمع لم يعودوا واثقين بأنه يستحق ما قاتلوا من أجله.

Taxi Driver (1976)
Taxi Driver (1976)

سبق هذا الفيلم بسنوات طويلة انتشار مفهوم اضطراب ما بعد الصدمة إكلينيكيًا وثقافيًا، ويمكن قراءة سلوك «ترافيس» بسهولة في ضوء هذا الإطار؛ فبدلًا من الهروب من صدمته، يعيد بناء شروطها داخل نيويورك نفسها. يبحث عن الخطر، ويتجوّل ليلًا في المناطق التي يراها الأكثر تهديدًا، ويحمل السلاح، ويتدرّب جسديًا، ويراقب «أعداءه» المتخيّلين، وينتهي به الأمر إلى عملية قتل منظّمة أقرب إلى مهمة عسكرية منها إلى انفجار غضب عشوائي، كأنه يعيد في شوارع نيويورك بناء العالم الذي عاد منه. يدّعي «ترافيس» استعداده لقيادة سيارته إلى أي مكان وفي أي وقت، لكنه يحصر تجواله فعليًا في هارلم وتايمز سكوير والقرية الشرقية، أي الأحياء التي يراها الأكثر خطورة بسبب اختلاف سكانها عنه عرقيًا وجنسيًا؛ فيبدو تجواله أقرب إلى دورية عسكرية يكرّرها كل ليلة منه إلى جولة عشوائية.

وحين يطلب «ترافيس» المساعدة للمرة الوحيدة في الفيلم، ويخبر زميله «ويزارد» بأن أفكارًا سيئة تراوده، يجيبه الأخير بنصيحة عادية تمامًا: اعمل، واشرب، ومارس الجنس، وتقبّل أن الجميع يعاني بشكل أو بآخر. تبدو النصيحة مبتذلة، لكنها تحمل ما يفتقر إليه «ترافيس» فعلًا: تعريفًا للذات، وإحساسًا بالأمان، وقدرة على التعاطف. يرفضها بكونها أغبى ما سمعه في حياته.

The Searchers (1956)
The Searchers (1956)

تعود إحدى أعمق جذور الفيلم إلى «الباحثون» (1956) لجون فورد. يتشابه «إيثان إدواردز» و«ترافيس بيكل» في أمور كثيرة: كلاهما عائد من حرب، منعزل وعنيف، ويبحث في جوهر أزمته عن معنى مفقود للرجولة. يبدو «ترافيس»، بهذا المعنى، امتدادًا حديثًا لـ«إيثان إدواردز»، بعدما انتقل الصراع من الحدود الخارجية إلى داخل الشخصية. يبقى في «إيثان» شيء من بطل الغرب القديم، أما عند «ترافيس» فلا يبقى حتى هذا؛ إذ نجد رجلًا مضطربًا وسط مدينة حديثة. وإنما الفرق الحاسم يهدم الأسطورة قبل اكتمالها: «آيريس» لم تُختطف، بل هربت من بيتها بإرادتها. وحين ينقل «ترافيس» اهتمامه إليها بعد فشله مع «بيتسي»، يتحوّل «سبورت» في ذهنه إلى الخاطف الذي يجب القضاء عليه، و«آيريس» إلى الفتاة التي يجب إنقاذها، تمامًا كما تتوزّع الأدوار بين «إيثان» و«سكار» و«ديبي» في فيلم فورد، من دون أن يبدو «ترافيس» مدركًا أن مفهومه عن «الإنقاذ» مستمدّ بكامله من السينما.

يواصل «ترافيس»، على غرار «إيثان إدواردز»، استعارة صور جاهزة للرجولة، هذه المرة من السينما نفسها، لا من الحرب وحدها. ويغدو، وفق وصف أصبح من أكثر الأوصاف تداولًا في الكتابة عن الفيلم، ابنًا لشخصيتين متناقضتين تمامًا: جون واين، الممثل الذي جسّد في أفلام الغرب الأميركي صورة الرجل المسلّح القادر على فرض النظام بنفسه، و«نورمان بيتس»، القاتل الهادئ والمضطرب الذي أدّاه أنتوني بيركنز في فيلم هيتشكوك «سايكو». يجتمع النموذجان داخل «ترافيس»؛ فهو يرى نفسه بطلًا يستعيد النظام بالقوة، بينما تكشف عزلته وهوسه وعنفه عن رجل أشدّ اضطرابًا من الصورة التي صنعها لنفسه. يصنع «ترافيس» بيديه آلية لمسدّس صغير ينزلق من كُمّه بحركة من معصمه، ويتدرّب على سحبه أمام المرآة كما لو كان مبارزًا في فيلم غربي؛ رجل يصنع لنفسه أدوات أسطورة لم يعشها.

يتحوّل «الرجل الوحيد» في هذا المزيج من أسطورة إلى مرض؛ فكلما ازدادت عزلة «ترافيس»، اشتدّ اضطرابه واحتاج إلى اختراع مهمة تمنحه معنى، على خلاف ما فعلته العزلة بـ«إيثان» في الغرب القديم. كانت صورة الرجولة التي يطاردها «ترافيس» تتداعى أصلًا في أميركا السبعينات: الرجل الكامل، القوي، المسيطر، القادر على حسم الأمور بالعنف. ويحاول هو استعادتها بالمسدّس.

سائق التاكسي
Taxi Driver (1976)

ولافت أن «ترافيس» يخلع سترته العسكرية تحديدًا عندما يقترب من «بيتسي» أو «آيريس»، كأنه لا يصبح مدنيًا إلا في سعيه وراء صورتين أنثويتين متعارضتين: الملاك والعاهرة. ومع ذلك، يبدو في غير مكانه في الحالتين؛ مرتبكًا بسترته الكحلية أمام «بيتسي»، وغريبًا بزيّ أقرب إلى زيّ راعي بقر أمام «آيريس»، حتى إن «سبورت» نفسه يظنّه شرطيًا متخفيًا. لا يعرف كيف يكون على طبيعته عندما يحاول أن يكون مدنيًا عاديًا، فيستعير أدوارًا جاهزة من الثقافة الشعبية بدلًا من ابتكار دور يخصّه.

اختار سكورسيزي وشريدر مسارًا نادرًا نسبيًا بين أفلام تلك الحقبة عن الجنود العائدين؛ فبينما اكتفت أغلب الأفلام اللاحقة بتصوير الجندي العائد ضحية خالصة، انضمّ «سائق التاكسي» إلى أفلام أقل شهرة، مثل «موتور سايكو» (1965) لراس ماير و«الزائرون» (1972) لإيليا كازان، في تصوير المحارب العائد حاملًا في داخله الضحية والمعتدي معًا. وكادت شركة «كولومبيا» أن تلغي إنتاج الفيلم بسبب عنفه، قبل أن يوافق رئيس الاستوديو على المضيّ فيه بقدر ضئيل من الثقة. ولم يكن هذا التوتر مع الاستوديو الوحيد من نوعه؛ فقد كتب شريدر شخصية القوّاد «سبورت» في الأصل رجلًا أسود، لكن الاستوديو طلب تغيير عرقه، خشية أن يتحوّل مشهد مقتله ومقتل رجاله على يد «ترافيس» إلى ما يشبه التحريض داخل الصالات، فأصبح «سبورت» الرجل الأبيض الذي يؤدّي دوره هارفي كايتل.

في الجيش، كان «ترافيس» ينفّذ أوامر غيره، لكنه كان يحمل سلاحًا يمنحه، في الوقت نفسه، سلطة قتل الآخرين. عادت هذه الازدواجية معه إلى نيويورك، ولم يجد هناك أي مؤسسة تمنحها الشرعية العسكرية التي كانت تتمتّع بها سابقًا، فابتكر لها تبريره الخاص: المدينة قذرة ويجب تنظيفها. ويكتب في دفتر يومياته أنه ينتظر يومًا تهطل فيه السماء مطرًا حقيقيًا يجرف كل هذا الوسخ عن الشوارع. يحاول، من دون وعي كامل منه على الأرجح، أن يضفي على عنفه الشخصي قداسة فقدها بمجرّد خلعه الزيّ العسكري.

Taxi Driver (1976)
Taxi Driver (1976)

بروفة أمام المرآة

يخاطب «ترافيس بيكل» انعكاسه في المرآة، عاري الصدر، ممسكًا بمسدسه، ويفتعل مواجهة مع خصم لا وجود له خارج الغرفة الفارغة. لم يتجاوز وصف المشهد في السيناريو سطرًا واحدًا يشير إلى أن «ترافيس» يتحدّث إلى نفسه أمام المرآة؛ وتُرك الأمر بالكامل لروبرت دي نيرو، الذي ارتجل الحوار والمواجهة معًا، مستعينًا، وفق روايات متضاربة، بعضها يشير إلى فقرة كوميدية من المشهد الفني البديل في نيويورك، وبعضها الآخر إلى بروس سبرينغستين على المسرح، بجملة تحدٍّ سمعها في مكان ما وأعاد صياغتها بنفسه.

يتدرّب «ترافيس»، على الأرجح، على قتل شخص آخر، لكنه يتدرّب في الوقت نفسه على قتل نفسه. لا يبقى في الغرفة أحد سوى الرجل وانعكاسه. وزاوية المسدس، عندما يصوّبه «ترافيس» نحو انعكاسه، لا تبعد سوى عشر درجات عن زاوية إطلاق النار مباشرة نحو الكاميرا، أي نحونا نحن، فيصبح المُشاهد نفسه طرفًا في لعبة الهوية التي يخوضها «ترافيس» مع نفسه.

قبل هذا المشهد بوقت طويل، كان «ترافيس» قد حاول أن يكون رجلًا آخر تمامًا: عاشقًا تقليديًا يدخل مكتب حملة انتخابية ليخبر امرأة لا يعرفها بأنها جميلة ووحيدة وتحتاج إلى صديق. «بيتسي»، التي تؤدّي دورها سيبيل شيبرد، ليست في نظره امرأة حقيقية بقدر ما هي صورة؛ كائن نقيّ وُلد وسط القذارة التي يعيش فيها. ويتكرّر الانطباع نفسه عندما يظهر سكورسيزي للمرة الأولى داخل فيلمه، محدّقًا بها من زاوية الشارع، كأنه يشاركه الانبهار ذاته. تصفه «بيتسي»، في أغنية تصدح من مذياع سيارته، بأنه تناقض يمشي على قدمين، لكن «ترافيس» أقرب إلى مجموعة أجزاء منفصلة، يسيطر أحدها مؤقتًا قبل أن يزيحه جزء آخر أو صورة جديدة أو كلمة عابرة، منه إلى شخصية تضمّ أضدادًا واعية بذاتها. وعندما يتيح لنا الفيلم، في مشهد المطعم، رؤية «بيتسي» بمعزل عن نظرة «ترافيس»، تبدو امرأة عادية تمامًا، تتحدّث في أمور عادية.

Taxi Driver (1976)
Taxi Driver (1976)

يقودها إلى عالمه الخاص في موعدهما الأول، إلى صالة عرض إباحية يظنّها مكانًا طبيعيًا تمامًا للخروج. وحين تهرب «بيتسي»، لا يراجع «ترافيس» سلوكه ولا يتعلّم شيئًا عن نفسه؛ بل يحوّل جرحه فورًا إلى غضب، ويقلب صورتها من ملاك إلى امرأة باردة وفاسدة، بالسرعة نفسها التي رفعها بها إلى مرتبة الملائكة.

تمثّل «آيريس»، التي تؤدّي دورها جودي فوستر، البالغة آنذاك اثنتي عشرة سنة، الوجه الآخر لهذه الثنائية؛ فتاة يتخيّلها «ترافيس» ضحية تنتظر مَن ينقذها. وفي أحد أندر مشاهد الفيلم، نرى «آيريس» و«سبورت» وحدهما، بعيدًا عن عين «ترافيس» وصوته. تتكشّف علاقتهما على نحو أكثر تعقيدًا مما افترضه «ترافيس»؛ يتحدّث «سبورت» إليها بلغة عاطفية رخيصة، لكنها تنطوي مع ذلك على شيء من الحميمية الحقيقية. إنها علاقة مشوّهة ومريضة، لكنها مستقرّة وفق شروطها الخاصة. فهل تحتاج «آيريس» فعلًا إلى الإنقاذ بالطريقة التي يتخيّلها «ترافيس»؟ لا يقدّم الفيلم جوابًا بسيطًا، ولا يبرّر الدعارة بالطبع، لكنه يوحي بأن «ترافيس» نفسه عاجز عن فهم العالم إلا من خلال صورة نمطية للضحية التي تنتظر بطلًا.

وحين يشتري «ترافيس» أسلحته من تاجر متجوّل يُدعى «إيزي آندي»، تتعامل الكاميرا معها بولع يقترب من الفيتيشية. يطلب أولًا مسدس «ماغنوم» عيار 44، وهو السلاح الذي ارتبط في المخيّلة السينمائية بشخصية «هاري كالاهان»، التي أدّاها كلينت إيستوود في «درتي هاري»، ثم يشتري ثلاثة مسدسات أخرى، بينها مسدس «والتر» من النوع المرتبط بشخصية «جيمس بوند». ولا يخفي الفيلم أثر السينما في هذه الرغبة؛ إذ يعلّق «آندي» بأن الأفلام رفعت سعر «الماغنوم»، لأن الجميع بات يريد اقتناءه. تبدو الأسلحة، بهذا المعنى، جزءًا من صورة يحاول «ترافيس» بناءها لنفسه، أكثر من كونها استجابة لحاجة عملية. يعوّض السلاح عجزًا رمزيًا يشعر به، ويمنحه وسيلة لصناعة هوية ذكورية متماسكة بعدما عجز عن تحقيق ذلك بوسائل أخرى.

Taxi Driver (1976)
Taxi Driver (1976)

وقبل المذبحة الختامية بمشاهد قليلة، يطلق «ترافيس» النار على شاب أسود يحاول سرقة متجر صغير في حيّه، في أول ممارسة فعلية للعنف يرتكبها طوال الفيلم. والأكثر لفتًا من فعل القتل نفسه طريقته في النظر إلى جثة الشاب بعد ذلك؛ نظرة باردة خالية من أي اضطراب، كأنه لم يعد يرى فيها إنسانًا على الإطلاق. وعنصرية «ترافيس» ليست تفصيلًا هامشيًا في شخصيته.

لم يبدأ «ترافيس» مشروعه بقرار إنقاذ «آيريس»، فرغبته في القتل تسبق فكرة الإنقاذ. يحاول أولًا اغتيال «بالانتين»، المرشّح الذي تعمل «بيتسي» في حملته، لكنه يفشل، فيعود إلى المنزل، ثم يتوجّه إلى «سبورت» ليبدأ هجومه. تأتي قصة «آيريس» لاحقًا، فتتحوّل إلى ما يشبه التبرير الأخلاقي لعنف كان «ترافيس» قد اختاره أصلًا. والهدف نفسه، وفق هذه القراءة، أقلّ أهمية من الحاجة إلى ممارسة العنف بذاته.

لا تنفجر المذبحة الختامية من العدم، مهما بدت مفاجئة عند المشاهدة الأولى. يمهّد لها الفيلم منذ دقائقه الأولى: تدريبات «ترافيس» بالسلاح، ومرآته، وخياله، وإذلاله الجنسي، و«بيتسي»، و«آيريس»، و«سبورت»، و«بالانتين»، واللقطات العلوية التي تتكرّر فوق مكتب موزّع سيارات الأجرة ومكتب «بيتسي»، قبل أن تعود اللقطة العلوية نفسها لتختتم مشهد المجزرة من الأعلى. تبدو الجثث في تلك اللقطة الأخيرة كأن الكاميرا كانت تعرف طوال الوقت إلى أين تتّجه.

Taxi Driver (1976)
Taxi Driver (1976)

وحين يظهر سكورسيزي نفسه، قبل ذلك بمشاهد قليلة، في دور الراكب الذي يخطّط لقتل زوجته بمسدس «ماغنوم»، ويصف لـ«ترافيس» بالتفصيل ما سيفعله بجسدها، بالكاد يتفاعل «ترافيس» معه. لكن شيئًا ما يتغيّر بعد تلك المواجهة؛ إذ يصبح تحوّله نحو العنف أكثر وضوحًا. يربط هذا المشهد بين عقلين مضطربين، وبظهور المخرج نفسه داخل فيلمه، يصبح هو أيضًا، بطريقة ما، أحد الذين يوجّهون «ترافيس» نحو العنف الذي سيمارسه.

ثم يأتي إطلاق النار نفسه، فتطفو دفعة واحدة على السطح كلّ الأمور التي كُبتت طوال الفيلم، بدم حقيقي هذه المرة، لا في الخيال. واللافت أن «ترافيس»، حتى في تلك اللحظة، لا يقتل مَن كان يريد قتله أصلًا؛ فبعد فشل محاولة الاغتيال السياسي، يوجّه عنفه نحو قوّادين لا علاقة سياسية لهم بمشروعه الأول. وبعد أن يفرغ مسدسه في الرجال الثلاثة، يحاول إطلاق النار على نفسه، لكن مسدسه يكون فارغًا، فيحاكي الفعل بإصبعه. لا تكتمل العملية بالنسبة إليه، على ما يبدو، إلا بموته هو أيضًا؛ فالصورة التي منحه إياها العنف للحظة، صورة الرجل الكامل والمسيطر والقادر، ستنهار حتمًا بمجرّد عودته إلى حياته العادية. لذلك يحتاج، ولو رمزيًا، إلى أن يموت في اللحظة نفسها التي يشعر فيها بأنه نجح أخيرًا.

البطل الذي صنعته الصحف

انقسم النقاد عند العرض الأول للفيلم انقسامًا حادًا. أشادت به بولين كايل وفرانك ريتش فور صدوره، بينما هاجم الناقدان ماني فاربر وباتريشيا باترسون افتقاره، في رأيهما، إلى الصدق في تصوير واقع عمل سائقي التاكسي، وانتقده روبن وود لاحقًا لاختزاله أزمة الستينات الجماعية في أزمة رجل واحد.

وفي «مهرجان كانّ السينمائي»، حيث فاز الفيلم بـ«السعفة الذهبية» عام 1976، لم يكن الاستقبال أقلّ انقسامًا؛ فقد قوبل بالتصفيق وصيحات الابتهاج من نصف الصالة، وصفير الاستهجان والخروج الجماعي من نصفها الآخر، وسط أجواء متوتّرة أصلًا بعد اكتشاف قنبلة في القصر قبل عام. أدان رئيس لجنة التحكيم تينيسي ويليامز عنف الفيلم علنًا، فعاد سكورسيزي وطاقمه إلى أميركا يائسين من الفوز بأي جائزة، قبل أن يتلقّى مكالمة هاتفية في الخامسة فجرًا تبلغه بفوز الفيلم بـ«السعفة الذهبية»، رغم تحفّظ اللجنة نفسها على العنف. أما في حفل «الأوسكار» بعد ذلك بعام، فحصل الفيلم على أربعة ترشيحات: أفضل فيلم، وأفضل ممثل لروبرت دي نيرو، وأفضل ممثلة مساعدة لجودي فوستر، وأفضل موسيقى تصويرية لبرنارد هيرمان، لكنه خرج بلا جائزة. وذهبت جائزة أفضل فيلم إلى «روكي»، الأكثر مصالحة مع صورة الرجولة المنتصرة والأقلّ إزعاجًا لجمهور الحفل.

وقبل ذلك بأشهر، كاد الفيلم أن يخرج من الاستوديو بتصنيف يمنع عرضه عمليًا في دُور السينما التجارية، لولا أنّ سكورسيزي خفّف التشبّع اللوني للدم المتدفّق من الأصابع المقطوعة في المذبحة، مستعينًا بحيلة سبق أن رأى المخرج جون هيوستن يستخدمها في «موبي ديك». فمنحت الدم صبغة داكنة تشبه حبر الصحف أكثر من لونه الحقيقي، وكان ذلك كافيًا لإقناع لجنة التصنيف بخفض التقييم درجة واحدة. أما برنارد هيرمان، الذي وضع الموسيقى التصويرية، فلم يشهد شيئًا من هذا؛ إذ توفّي ليلة عيد الميلاد عام 1975، بعد ساعات من انتهائه من تسجيل الموسيقى، ليصبح الفيلم آخر أعماله.

لخّصت الحملة الدعائية للفيلم فكرته منذ البداية بجملة واحدة عن شخص مغمور في كلّ شارع من كلّ مدينة، يحلم بأن يصبح يومًا شخصًا مهمًا. وبعد المذبحة، تجول الكاميرا في شقة «ترافيس» الخالية، وتستقرّ على قصاصات الصحف التي تعلن بطولته. عجز «ترافيس» طوال الفيلم عن بناء هوية مستقرّة لنفسه، فتتولّى الصحافة ذلك نيابة عنه، وتكتب له قصّة كاملة: أنت سائق تاكسي، أنقذت طفلة، وقتلت رجال عصابة، إذن أنت بطل.

وفي المشهد التالي، يبدو «ترافيس» مندمجًا بين زملائه سائقي التاكسي للمرة الأولى طوال الفيلم؛ يضحك على نكتة «ويزارد» المهينة، ويتصالح مع السائق الأسود الذي كان يخشاه سابقًا. المشهد مريح على نحو مقصود، ويوحي بأن شيئًا ما استقرّ أخيرًا في داخله. لكن أحدًا ممّن حوله لم يعالج ما جرى له فعلًا؛ فقد اكتفى المجتمع بإعادة تفسير عنفه على أنه بطولة، ومنحه هوية قائمة على تكرار الصدمة بدلًا من علاجها.

Taxi Driver (1976)
Taxi Driver (1976)

تعود «بيتسي»، التي رفضته عندما كان مجرّد سائق تاكسي مضطرب، فتصعد إلى سيارته باهتمام واضح بعدما صنعت منه الصحافة بطلًا. ما عجز «ترافيس» عن الحصول عليه عبر علاقة إنسانية بسيطة، ناله بعد العنف مباشرة. يرفض أخذ أجرتها هذه المرة، ويلقي نظرة أخيرة قلقة في المرآة، ثم يمضي بسيارته في الشارع، فتبدو اللقطة الختامية أقرب إلى لقطة الافتتاح منها إلى أي شيء آخر. توحي تلك النظرة بأنّ اضطراب «ترافيس»، الذي بدا للحظة كأنه انطفأ، عاد يتحرّك من جديد، وأنّ ما حدث تلك الليلة قد يتكرّر. لم يُشفَ «ترافيس»؛ فما تبدّل هو الطريقة التي قرأ بها المحيطون به فعلته.

لم يبقَ أثر الفيلم حبيس الشاشة. فبعد خمس سنوات من عرضه، حاول جون هينكلي اغتيال الرئيس رونالد ريغان أملًا في لفت انتباه جودي فوستر، التي شاهدها في دور «آيريس» وطاردها بعد ذلك بلا هوادة. استند دفاعه في المحكمة جزئيًا إلى هوسه بالفيلم، وعرض محاموه شريطه على هيئة المحلّفين، وأدلت فوستر نفسها بشهادتها عبر الفيديو. وحين بُرّئ هينكلي عام 1982 بسبب الجنون المؤقّت، أثار الحكم غضبًا شعبيًا واسعًا دفع ولايات، منها أيداهو ومونتانا ويوتا، إلى تقييد الدفع بالجنون في قوانينها إلى حدّ كبير. وبعد ذلك بثلاث سنوات، أطلق برنارد غوتز، وهو مهندس كهربائي هادئ المظهر يعاني هاجسًا حقيقيًا بشأن الجريمة في المدينة، النار على أربعة مراهقين سود داخل عربة مترو أنفاق في نيويورك، مدّعيًا الدفاع عن النفس، رغم أنّ التحقيقات اللاحقة شكّكت في ادّعائه. برّأته المحكمة من محاولة القتل، واحتفت به تقارير صحافية وقطاعات واسعة من الرأي العام بوصفه بطلًا شعبيًا اقتصّ لنفسه ممّن عجز القانون عن ردعهم؛ في صدى غريب ومقلق لما فعلته الصحافة بـ«ترافيس بيكل» قبل ذلك بثماني سنوات، على الشاشة فقط.

روبرت دي نيرو
The King of Comedy (1982)

سيعود سكورسيزي إلى السؤال نفسه بعد سبع سنوات في «ملك الكوميديا»، هذه المرة بنبرة ساخرة بدلًا من الدموية. «روبرت بابكن» شبه منعزل، مثل «ترافيس» تمامًا، يعيش داخل خيال شخصي ويفرضه على العالم، لكنه يلجأ إلى الجريمة بدلًا من العنف المسلّح، فيصبح نجمًا بدلًا من أن يصبح بطلًا. تمنح الثقافة في الحالتين المهووسَ ما يريده بالضبط. وامتدّ أثر «ترافيس» إلى ما هو أبعد من أفلام سكورسيزي نفسه، من «كلاب المستودع» لتارانتينو إلى «الكراهية» لماتيو كاسوفيتز، وصولًا إلى شخصية كلينت إيستوود في «غير مسامَح». حتى أصبح «بيكل» نفسه جزءًا من المعرفة العامة، وبات حضوره الثقافي وحده يكاد يطغى على أي تقييم جمالي صرف للفيلم. ويمتدّ النموذج إلى سلسلة أطول من الأبطال الأميركيين الذين يحلّون مشكلات مجتمعهم بمفردهم وبالعنف، من «درتي هاري» إلى «رامبو» فأبطال الأفلام الخارقة؛ سلسلة تجعل التغيير الجماعي يبدو مستحيلًا، بقدر ما تمنح الفرد المسلّح السلطة كلّها.

لم يعد بول شريدر إلى تلك السيارة التي نام فيها عام 1972، لكن سيارة «ترافيس بيكل» ما زالت تسير في اللقطة الأخيرة من الفيلم، وسط شارع لا نعرف إلى أين يفضي.

شارك هذا المنشور

أضف تعليق