استعاد المخرج وكاتب السيناريو المغربي فوزي بنسعيدي تجربته الفنية، وعلاقته بالمسرح والممثل والكتابة، خلال ماستر كلاس بعنوان «حوار مع فوزي بنسعيدي: كيف نبني عالمًا سينمائيًا؟»، نظّمه «مهرجان الجونة السينمائي» في دورته التاسعة، عقب تكريمه بـ«جائزة الإنجاز الإبداعي» تقديرًا لمسيرته وإسهاماته السينمائية. وتناول التحوّلات التي تشهدها صناعة السينما، والأسئلة التي تطرحها بشأن الصورة والمعنى ومستقبل الفنّ الذي اختار تكريس مسيرته له.
رحلة البحث عن لغة خاصة
بدأ بنسعيدي مسيرته في المسرح، الذي أسهم في تكوينه الفني وأكسبه خبرة أفاد منها لاحقًا في العمل مع الممثلين. ورغم سنوات اشتغاله بالمسرح، ظلّت السينما شغفه الأكبر، والفنّ الذي تطلّع إلى ممارسته منذ البداية.
يقول بنسعيدي إنّ «المسرح له مذاق خاص، ولكن ليس مثل السينما التي لها سحر خاص بالنسبة إليّ»، موضحًا أنّ تجربته المسرحية ساعدته على فهم الممثل وطبيعة العلاقة بينه وبين المخرج.
ففي المسرح، قد تستمرّ التدريبات أسابيع أو أشهر، ما يتيح للمخرج والممثل وقتًا للتعارف واختبار إمكانات الأداء. ويعدّ بنسعيدي هذه الخبرة مهمة، خصوصًا للمخرجين في تجاربهم السينمائية الأولى، إذ إنّ وضوح الرؤية الفنية لا يغني عن معرفة الممثل وأدواته والاستعداد للعمل معه.
لكنّ بنسعيدي لا يعدّ السينما امتدادًا للمسرح. فالفنّان، في رأيه، يختلفان في البنية والإيقاع، والسينما أقرب إلى الموسيقى والمعمار منها إلى المسرح، الذي قد يكون أبعد الفنون عنها من حيث التركيب والإيقاع.
ويتذكّر أنّ بعض النقاد وصفوا أعماله المسرحية الأولى بأنها «مسرح سينمائي»، رغم أنه لم يكن قد أخرج فيلمًا بعد. فقد استخدم في عروضه تقنيات مستوحاة من المونتاج السينمائي، وجرّب أساليب مختلفة في الإضاءة. وكانت تلك التجارب جزءًا من بحثه عن لغته الفنية، قبل انتقاله إلى السينما.
الصورة تعيد تشكيل الواقع
لا يسعى بنسعيدي إلى نقل الواقع إلى الشاشة بحذافيره، وإنما إلى إعادة ترتيب عناصره وصوغ علاقات جديدة بينها. فالشمس والطيور والبشر، شأنها شأن الصوت والصورة، تتفاعل داخل الكادر لتشكّل عالمًا سينمائيًا له شاعريته الخاصة.
ويشرح رؤيته قائلًا: «السينما التي تحاول أن تحاكي الواقع بشكل دقيق وحرفي لا تهمّني، ما يهمّني هو كيف تمزج أشياء في علاقة شاعرية داخل إطار الصورة، وكيف تخلق عالمًا خاصًا بك داخل الفيلم، من شمس وطيور وناس، وكيف تسخر أدوات السينما الخاصة وتشتغل على لغة السينما من صورة وصوت بلا حدود».
وفق هذه الرؤية، لا تكمن خصوصية الفيلم في موضوعه أو أحداثه وحدها، وإنما في كيفية تنظيم عناصره المرئية والمسموعة والعلاقات التي تنشأ بينها. فالسينما، بالنسبة إلى بنسعيدي، تعيد تشكيل الواقع عبر اختيارات فنية تكسب تفاصيله معاني جديدة.

السينما في الفاصلة والنقطة
من أبرز الأفكار التي طرحها المخرج فوزي بنسعيدي خلال الجلسة موقفه من النزعة الأدبية في السينما، إذ يرى أنّ الكتابة لا ينبغي أن تطغى على العناصر الأخرى التي تمنح الفيلم هويته. وانتقد هيمنة الذهنية الأدبية على أعمال عدد من السينمائيين، قائلًا: «أعتقد أنّ أغلب السينمائيين أدباء، وبكلّ أسف روائيون».
ولا يقلّل بنسعيدي بذلك من أهمية الكتابة أو دور السيناريو، وإنما يتوقّف عند التحوّل الذي تخضع له الكلمات لدى انتقالها إلى الشاشة. فالنصّ المكتوب ليس الفيلم نفسه، ولا تتحقّق السينما بمجرّد نقل الحوارات والأحداث إلى الصورة، وإنما بالشكل الذي يمنحه المخرج للكتابة عبر أدواته السينمائية.
وفي هذا السياق، يقول: «أعتقد أنّ السينما موجودة في الفاصلة والنقطة، السينما ليست في الكلمات التي تُكتب ولكن في الشكل الذي يمكن أن تمدّ به الكتابة».
وتعكس هذه العبارة اهتمامه بما يقع بين الكلمات، وبكيفية تنظيم المادة المكتوبة وإعادة صياغتها بصريًا وإيقاعيًا. فالفاصلة والنقطة هنا تتجاوزان وظيفتهما اللغوية لتشيرا إلى التوقّف والاستمرار، والمساحات التي يخلقها الإخراج داخل العمل، والفارق بين نصّ يُقرأ وفيلم يُشاهَد ويُسمَع.
ويلفت بنسعيدي أيضًا إلى مفارقة في صناعة السينما، إذ قد تمنح القدرة على الكتابة صاحبها فرصة أكبر لإنجاز مشروعه. فجهات الدعم والمنتجون يعتمدون على السيناريوهات لتقييم المشروعات واختيار ما يستحقّ التمويل أو الإنتاج، ممّا يمنح أصحاب الموهبة الأدبية أفضلية في تطوير أفلامهم وإيصالها إلى الشاشة، حتى في وجود مخرجين آخرين يمتلكون مهارات إخراجية جيدة.
وهنا يميّز بنسعيدي بين الكتابة على أنها أداة ضرورية لتطوير المشروع وبلوغه مرحلة الإنتاج، واختزال السينما في بعدها الأدبي. فالسيناريو قد يفتح الطريق أمام إنجاز الفيلم، لكنّ قيمته الفنية تظلّ رهينة قدرة المخرج على تحويل النصّ إلى لغة سينمائية مستقلّة.
أفلام بلا سيناريو… مساحة لاكتشاف السينما
في حديثه عن علاقته بالكتابة، كشف بنسعيدي عن أنه أنجز أفلامًا قصيرة من دون سيناريو مكتوب مسبقًا، ولاقت التجربة ردود فعل إيجابية، معربًا عن أمله في تكرارها في الأفلام الروائية الطويلة.
وتنبع أهمية هذه التجربة من تصوّره للسينما، الذي يمنح الصورة والصوت والإيقاع دورًا يتجاوز تنفيذ نصّ مكتوب سلفًا. وهي تتيح له استكشاف إمكانات أخرى لصناعة الفيلم، من دون أن يعني ذلك تخلّيه عن السيناريو في أعماله المقبلة، أو اتخاذه قرارًا باعتماد هذا الأسلوب في الأفلام الطويلة.
وتنسجم رغبته هذه مع اهتمامه ببناء العالم السينمائي عبر التجريب واستكشاف العلاقات بين عناصره، عوضًا عن التعامل مع الفيلم بكونه حكاية تُنقل من الورق إلى الشاشة.
الرداءة في ثوب الإبهار التقني
ينتقل بنسعيدي من أسئلة اللغة السينمائية إلى أحد أبرز التحدّيات التي تشغله اليوم: كيف نصنع صورة ذات معنى في عالم ينتج ملايين الصور والأصوات يوميًا؟
يستعيد المخرج زمنًا كانت فيه الصورة نادرة نسبيًا، وكانت صناعتها تُعدّ فعلًا يستحقّ التقديس، قبل أن يتيح التطوّر التقني إنتاجها بسهولة أكبر. ومع هذا التحوّل، لم يعد التحدّي في إنتاج صورة متقنة فحسب، وإنما في الفكرة التي تحملها والرؤية التي تبرّر وجودها في الفيلم.
ويحذّر بنسعيدي من أنّ التطوّر التقني قد يمنح أعمالًا تفتقر إلى العمق الفني مظهرًا بصريًا متقنًا، فتختبئ رداءتها خلف جودة التنفيذ. فالإمكانات الرقمية، مهما تطوّرت، لا تضمن قيمة الفيلم أو امتلاكه رؤية واضحة.
لذلك، يدعو المخرجين الشباب إلى عدم الانبهار بالتقنيات على حساب السؤال الأساسي: لماذا نصنع هذا الفيلم؟ وماذا نريد أن نقول من خلاله؟ فامتلاك الأدوات لا يعوّض غياب الفكرة، وجودة الصورة وحدها لا تصنع تجربة سينمائية متماسكة.
وترتبط هذه المخاوف بتصوّره للصورة ودورها في بناء المعنى. فالصورة السينمائية، وفق رؤيته، ينبغي أن تحمل فكرة، وتسهم في تشكيل عالم يستطيع المشاهد الدخول إليه وفهم العلاقات بين عناصره، عوضًا عن الاكتفاء بمشهد مبهر يمرّ أمام عينيه.

من المغامرة إلى المسارات المحسوبة
تتجاوز ملاحظات بنسعيدي الجانب التقني لتتناول طبيعة صناعة الأفلام نفسها. فهو يرى أنّ السينما شهدت تحوّلات كبيرة في الرؤية وأساليب الإنتاج، وابتعدت في بعض جوانبها عن روح المغامرة والاكتشاف، لتصبح عملية أكثر تنظيمًا، يعرف صنّاعها مسارها ومراحلها سلفًا.
ويُبدي تشاؤمه حيال بعض الاتجاهات السائدة، مشيرًا إلى أنّ الأفلام باتت تقلّد المسلسلات، بعدما كانت الأخيرة تستلهم أساليب السينما. ويربط مخاوفه أيضًا بالمشهد السياسي العالمي وما وصفه بالنزوع إلى التحكّم، في سياق تحوّلات أوسع تؤثّر في نظرته إلى واقع الصناعة.
ورغم تشاؤمه، يحتفظ بنسعيدي بالأمل في الأجيال الجديدة من السينمائيين، وقدرتهم على فهم التحوّلات التي يشهدها العالم، وإعادة النظر في علاقتهم بالتقنية والإنتاج، والتمسّك برؤية فنية تمنح أعمالهم مبرّرًا يتجاوز الاستجابة لمتطلّبات الصناعة.
البطء يمنح الصورة وقتها
في مواجهة تسارع إيقاع الحياة المعاصرة وصناعة الأفلام، يدعو بنسعيدي إلى إفساح مجال أكبر للتأمّل والهدوء في التجربة السينمائية. وينتقد الإفراط في الانتقال السريع بين اللقطات والمونتاج المتلاحق، لما قد يسبّبه من حرمان المشاهد من الوقت اللازم لاستيعاب المكان والتفاعل مع تفاصيله.
فالمكان، في تصوّره، جزء أساسي من التجربة السينمائية، وليس مجرّد خلفية للأحداث. والانتقال المتسارع بين اللقطات قد يحول دون تكوين المشاهد علاقة بما يراه، أو إدراك تفاصيل العالم الذي يصوّره الفيلم.
ولا يتعامل بنسعيدي مع البطء على أنه قيمة شكلية قائمة بذاتها، وإنما وسيلة لمنح الصورة وقتها في التعبير، وإتاحة الفرصة للمشاهد لاكتشافها بعيدًا عن تدفّق المعلومات البصرية. فاللقطة الطويلة تفسح مجالًا للملاحظة والتأمّل، وتمنح المكان والشخصيات حضورًا قد لا يتيحه الإيقاع السريع.
وتغدو مقاومة السرعة، بهذا المعنى، موقفًا فنيًا يعيد النظر في طبيعة المشاهدة، ويؤكّد قدرة السينما على إبطاء الزمن، ومنح الإنسان فرصة للانتباه إلى تفاصيل قد تفوته وسط إيقاع الحياة اليومية.
ويختم بنسعيدي حديثه بالتعبير عن إيمانه بهذا النوع من السينما، قائلًا: «اعتقادي العميق في السينما أن الأفلام صاحبة الإيقاع البطيء والمشاهد الطويلة هي أفلام تطيل العمر».
وتلخّص هذه العبارة رؤيته التي حضرت في مختلف محاور حديثه. فالسينما، بالنسبة إليه، تتجاوز السعي إلى الإبهار البصري أو نقل حكاية مكتوبة إلى الشاشة، لتصبح تجربة تصوغها اختيارات المخرج وقدرته على بناء العلاقات بين الصورة والصوت والزمن والمكان.