في «بومة»، يذهب المخرج الأردني زيد أبو حمدان إلى منطقة أكثر قسوة وجرأة ممّا عرفناه في أعماله السابقة، من دون أن يتخلَّى عن اهتمامه بالشخصيات النسائية وما تواجهه من ضغوط وتناقضات. وإنما المرأة هذه المرّة لا تخوض صراعها داخل البيت، ولا تعتمد على الكلام أو المواجهات العائلية لانتزاع مساحتها. هي تتحرّك في شوارع تحكمها الجريمة والمخدرات والعنف، حيث يصبح امتلاك القوة شرطًا للبقاء، ويغدو الضعف فرصة يستغلّها الآخرون.
تتصدَّر الممثلة ركين سعد الفيلم بشخصية «بومة»؛ امرأة نشأت في بيئة قاسية، وعاشت اليتم والتشرُّد، وتعلّمت قوانين الشارع حتى أصبحت جزءًا من عالمه الإجرامي. تحمل سكينًا، وتجيد القتال، وتفرض حضورها بين رجال اعتادوا احتكار النفوذ، لكنها ليست بطلة مثالية، ولا امرأة تقود معركة أخلاقية لتغيير مجتمعها.
إنها شخصية متورّطة في العنف الذي تحاول حماية نفسها منه، وتعيش تناقضًا بين قسوتها على الآخرين ورغبتها في حماية مَن ترى فيهم شيئًا من طفولتها المفقودة.

يكتب أبو حمدان الفيلم ويُخرجه، مستفيدًا من عناصر الجريمة والحركة في بناء عالم تتداخل فيه مصالح العصابات وتجارة المخدرات والاستغلال والتحرّش، فيما يجد الأطفال والنساء أنفسهم في مواجهة أخطار تتجاوز قدرتهم على الاختيار. ومع دخول طفلين إلى حياة «بومة»، تتغيَّر طبيعة الصراع، إذ تجد المرأة التي اعتادت استخدام الخوف وسيلةً للسيطرة نفسها أمام مسؤولية لم تكن مستعدّة لها، وأسئلة تتعلّق بالأمومة والعائلة والانتماء.
تكمن أهمية الفيلم في أنه لا يكتفي بتقديم امرأة تتقن القتال داخل عالم ذكوري، وإنما يضعها أمام نتائج اختياراتها، ويمنحها مساحة لتكون قاسية ومخطئة وعاطفية في الوقت نفسه. وبين أداء الممثلة ركين سعد، وحضور الممثلَين جوانا عريضة ومجد عيد وبقية الممثلين، يقدّم أبو حمدان تجربة تختلف في لغتها عن فيلمه «بنات عبد الرحمن»، وإن ظلّ اهتمامه بالمرأة وموقعها داخل المجتمع واضحًا.
امرأة صنعتها الشوارع
لا تدخل «بومة» الحكاية على أنها شخصية تبحث عن التعاطف. يرتكز حضورها على التهديد، وتجعلها طريقة سيرها ونظراتها الحادّة واستعدادها الدائم للمواجهة أقرب إلى شخصية يخشاها الآخرون. تعرف الأزقّة وموازين القوى بين العصابات، وتدرك أنّ مكانتها لا تستند إلى القانون، وإنما إلى قدرتها على فرض نفسها في عالم تحكمه المصالح والخوف. وتمنح نشأتها يتيمةً الشخصية خلفية مهمّة، لكنها لا تجعل منها ضحية بريئة من المسؤولية؛ فقد أصبحت جزءًا من البيئة التي آذتها، وباتت تمارس الترهيب وتستخدم الأدوات نفسها التي يعتمد عليها الآخرون للسيطرة.

ويحمل اسم «بومة» دلالات تتّصل بالليل والمراقبة والعزلة، وهي معانٍ تنسجم مع شخصية تعيش على هامش المدينة، وتدفع ثمن معرفتها بالخطر عزلةً واضحة. أمّا مظهرها الخارجي، بشعرها الأشعث المخفي وملابسها الخشنة وحركاتها الحادّة، فيعكس سنوات من التكيُّف مع بيئة لا تعترف إلّا بمن يستطيع الدفاع عن موقعه، كما تعكس علاقتها بجسدها وبالآخرين آثار ما تعرّضت له من تحرُّش وانتهاك.
عالم الجريمة والأطفال
ليست الشوارع خلفية للمطاردات والقتال فحسب، وإنما بيئة اجتماعية أنتجت شخصيات الفيلم وحدَّدت علاقاتها. تتداخل فيها تجارة المخدرات والعنف والاستغلال والتحرّش، ويكبر الأطفال في محيط يجعلهم عرضة للتورّط المبكر في الجريمة، فيما يصبح غياب الحماية سببًا في إعادة إنتاج العنف بين الأجيال. ومن هنا تكتسب «بومة» خصوصيتها؛ فهي ترفض الخضوع لقواعد هذا العالم، لكنها تستخدم عنفه، وتجد نفسها عاجزة عن الخروج من دائرته.
ويُشكّل دخول طفلين إلى حياتها أحد التحوّلات المهمّة، إذ تجد المرأة التي اعتادت تخويف الآخرين نفسها أمام طفلين يحتاجان إلى الحماية، ويعيشان في بيئة تُشبه تلك التي نشأت فيها. تحاول حمايتهما من المخدرات والتحرّش والأخطار التي تعرفها جيدًا، وتمنحهما شيئًا افتقدته في طفولتها، وهو الإحساس بوجود شخص يمكن اللجوء إليه. لكنها لا تتحوّل فجأة إلى أمّ مثالية، ولا تتخلّى عن قسوتها؛ فالعلاقة تضعها أمام تناقض حقيقي: كيف تحمي طفلين من عالم تشارك هي نفسها في عنفه؟ وهنا لا تصبح الأمومة خلاصًا أخلاقيًا، وإنما مسؤولية تكشف حدود قدرتها على السيطرة.

ركين سعد وعنود: القوة التي تسمح بالاقتراب
يُعدّ أداء الممثلة ركين سعد أحد العناصر الأساسية التي يقوم عليها الفيلم، بفضل قدرتها على التعامل مع مستويات متناقضة من الانفعال. تمنح شخصية «بومة» حضورًا جسديًا يتجلَّى في المشية والنظرة وطريقة استخدام اليدين والاستعداد الدائم للاشتباك، من دون أن تجعل الغضب حالتها الوحيدة. ويضفي التدريب على القتال بالسكاكين والحركة صدقية على المواجهات، لكنّ أداءها يصبح أكثر إثارة للاهتمام في اللحظات الهادئة، عندما يتراجع التهديد وتظهر ملامح التعب والحيرة والعاطفة. ومع الطفلين، يتغيَّر إيقاع الشخصية، وفي حضور «عنود»، تسمح لجسدها بالتراخي بعد أن اعتدنا رؤيته متحفّزًا.
وتؤدّي الممثلة جوانا عريضة شخصية «عنود»، الصديقة المقرّبة من «بومة» وملاذها الإنساني وسط عالم متوتّر. في مشهد تضميد الجراح، تتراجع الحركة والصخب، وتقترب الصورة من الوجه واليد والجسد المتعب. وعندما تعتني «عنود» بإصابة «بومة»، تظهر قدرة الأخيرة على تقبُّل المساعدة، بعدما اعتادت الاعتماد على نفسها. وتقدّم هذه العلاقة صداقة نسائية قائمة على الاحتياج المتبادل؛ إذ توفّر «بومة» الحماية الجسدية، فيما تمنحها «عنود» الثقة والعناية، وتحافظ عريضة على أداء هادئ يوازن حدّة أداء سعد.
في المقابل، يضيف الممثل مجد عيد، بشخصية «فاضل»، بُعدًا إلى شبكة النفوذ والمصالح، ويكشف الصراع معه أنّ السيطرة لا تتحقّق بالسلاح وحده، وإنما بالقدرة على التحكّم في العلاقات والآخرين. وتُسهم الشخصيات المساندة في توسيع العالم الدرامي، وإن بقي بعضها أقلّ تطوّرًا مما تسمح به إمكاناته.

الصورة والصوت: العنف مرئيًا ومسموعًا
يعتمد المخرج زيد أبو حمدان على لغة بصرية تتناسب مع طبيعة الحكاية، تتجلّى في الأزقّة الضيّقة والإضاءة الخافتة والجدران المتعبة والمساحات التي لا تمنح الشخصيات إحساسًا بالاستقرار. تقترب الكاميرا من الأجساد خلال القتال، وتتحرّك معها بسرعة، فتضع المشاهد داخل الاشتباك بدلًا من أن تتركه يراقبه من مسافة مريحة. وفي المقابل، تتيح المَشاهد الهادئة تكوينات أقرب إلى الوجوه وتفاصيل الحركات الصغيرة، خصوصًا في لقاءات «بومة» مع «عنود» والطفلين، ليصبح اختلاف الإيقاع بين الشارع والمساحات الخاصة وسيلة للكشف عن الشخصية من دون اللجوء إلى شرحها بالحوار.
لكنّ الاستخدام المكثَّف للموسيقى وارتفاع مستواها الصوتي في بعض المَشاهد يدفعان المتلقّي نحو انفعال محدّد، بدلًا من ترك الصورة والأداء يصنعان أثرهما. كذلك، فإنّ تراكم المواجهات والمشاهد الدموية والألفاظ النابية، رغم انسجامها مع البيئة التي يصوّرها الفيلم، يجعل التجربة مرهقة أحيانًا، وقد يفقد العنف بعض أثره عندما يتحوّل من وسيلة للكشف عن الشخصيات إلى عنصر يهيمن على الإيقاع. وتبرز هذه الملاحظة في مَشاهد التحرّش ومحاولات الاعتداء، إذ تكمن قوة المعالجة في إظهار منظومة الاستغلال وسلب الإرادة، وليس في تصعيد القسوة البصرية وحدها.

قوة لا تمنح الخلاص
لا تقوم نهاية «بومة» على حسم المواجهة الأخيرة بقدر ما تكشف حدود القوة التي صنعت مكانة البطلة في الشارع. فالمرأة التي تعلّمت كيف تفرض إرادتها على الآخرين تجد نفسها أمام حقيقة أنّ السيطرة لا تكفي لحماية مَن تحبّ، والعنف الذي ساعدها على البقاء لا يمنحها القدرة على تجنّب الخسارة. ومن هنا تكتسب رحلتها معناها الأعمق، إذ لا تقودها علاقتها بـ«عنود» ومحاولتها رعاية الطفلين إلى تحوّل سهل أو خلاص مضمون، وإنما تضعها أمام مسؤوليات ومشاعر لم تعتد التعامل معها، وتكشف هشاشة الأمان الذي حاولت بناءه داخل عالم لا يعترف إلّا بالقوة.
ويُحسب للمخرج زيد أبو حمدان أنّه لا يقدّم «بومة» على أنها رمز مثالي للتمكين النسائي، ولا يجعل قدرتها على القتال دليلًا على الحرية، وإنما يمنحها مساحة لتكون قاسية ومخطئة وعاطفية في الوقت نفسه، من دون أن يُبرّئها من أفعالها أو يتجاهل الظروف التي صنعت شخصيتها. ورغم ما يُؤخذ على الفيلم من كثافة المَشاهد العنيفة وارتفاع صوت الموسيقى وتزاحم بعض خطوط الجريمة على حساب تعميق الشخصيات المساندة، فإنه يحتفظ بخصوصيته في تقديم امرأة لا يمكن اختزالها في صورة بطلة خارقة أو ضحية بريئة، وإنما شخصية تحمل آثار ما تعرّضت له، وتتحمّل كذلك مسؤولية ما تفعله بالآخرين.
وتتجسّد مفارقة الفيلم بين السكين التي تحملها «بومة» والطفلين اللذين تحاول حمايتهما، حيث تتجاور قدرتها على الإيذاء مع رغبتها في الرعاية، وتصبح القوة التي ضمنت لها النجاة عاجزة عن توفير الأمان لمن تحبّ. وفي هذا التناقض تكمن جرأة الفيلم وقيمته؛ فهو لا يبحث عن بطولة امرأة لا يمكن كسرها، وإنما يقدّم شخصية نسائية كاملة بتناقضاتها، ويضع قوتها أمام حدودها، ليؤكّد أنّ إتقان قوانين عالم عنيف لا يعني بالضرورة القدرة على الإفلات من نتائجه.
اقرأ أيضا: «مفيش راجل بيعيط»… رجالٌ من صمت وحديد