فاصلة

مراجعات

«الضيفة»… جدّةٌ بلا مقعد على الطاولة

Reading Time: 2 minutes

تُقام حفلات التسمية كي يدخل المولود اللغة. يُمنح اسمًا، ومكانًا في السلالة، وصورته الأولى في ألبوم العائلة. في الفيلم الدنماركي «الضيفة» (The Guest) لمادس منغل المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان الجونة، تصل الجدّة للحفلة، ولكن بلا دعوة وبلا مقعد على المائدة! كلّ شيء في الحفلة مدروس، الطاولات، المواعيد، الابتسامات. هذا الإتقان البورجوازي دفاع أكثر منه ذوقًا، رجل يصقل الموائد ولكن يرتجف البناء كلّه حين تعبر أمّه العتبة. وجهها وحده يكفي ليذكّره بأنّ الطفولة لم تنته.

فندق أنيق على البحر، عطلة نهاية أسبوع محسوبة بالدقيقة، وحفلة صغيرة يُعدّها كارل (سيمون بينيبيرغ) وزوجته إميلي (ميته كلاكستاين فيبيرغ) لطفلهما إليوت. ثم تظهر فيبيكه (ترينه ديرهولم)، الأمّ التي قطع كارل صلته بها منذ سنوات. مريضة نفسية، تعيش مع اضطراب ثنائي القطب، وقرّرت أن تترك أدويتها جانبًا. وحدها ريكه (جوزفين بارك)، الأخت التي حافظت على الخيط مع أمها، ترى أنّ هذه المرأة تستحق فرصة ثانية. وبين غضب الابن ورأفة الابنة، يتحوّل الاحتفال إلى محاكمة عائلية يتابعها أصهار مرتبكون وضيوف فضوليون.

The Guest (2026)
The Guest (2026)

ينتمي الفيلم إلى سلالة اسكندنافية تتقن تحويل اليوميّ إلى مصدر قلق. من «الأغبياء» للارس فون ترير وإرث «دوغما 95»، إلى «المربّع» لروبن أوستلوند، ظلّت السينما الشمالية مفتونةً بتلك اللحظة التي ينكسر فيها عرف اجتماعي صغير أمام الجميع. غير أنّ «الضيفة» يأخذ هذا الإرث إلى منطقة أكثر حميمية ودفئًا. هنا، المائدة مسرحًا لجرح عائلي قديم. التوتر يتراكم بالتفاصيل، نظرة في غير موضعها، جملة أعلى مما تتحمله الأذن، ضحكة تتأخر ثانية واحدة. ومن هنا يتصدّع كلّ شيء. يمنح منغل فيلمه خشونة ورقّة صلبة، قوّة الفيلم تكمن في هذا التوازن. وسط الإيقاع السريع والتصعيد المتواصل، تنفتح فجوات صغيرة من الضحك والدفء، لحظات يتراجع فيها كل طرف خطوة عن موقعه، فيرى الآخر بعين جديدة، حتى لو كان هذا الآخر هو الأمّ نفسها.

The Guest (2026)
The Guest (2026)

وفي قلب هذا كلّه، ترينه ديرهولم. حين تدخل، يغيّر الفيلم جلده. يتبدّل إيقاع المشاهد معها، كلام يتسارع فجأة، طاقة تنطفئ بلا إنذار، صمت يعلّق المعنى في الهواء. تملأ الكادر بجسدها ثم تنسحب منه كأنّ يداً أطفأت ضوءاً في داخلها. حتى الكاميرا تبدو أقلّ ثقة في حضورها، والمكان أقل صلابة. تترك ديرهولم التشخيص للأطباء، وتأخذ لنفسها الإنسان، امرأة تتنقل بين حالاتها بلا قرار، مُربكة في لحظة، آسرة في التالية. وخلف الضجيج تلوح أم ربّت طفليها وحدها، ودفعت ثمنًا لم يشكرها عليه أحد، وكلّ ما تريده اليوم أن تُرى.

حفلة التسمية تعد الطفل باسم. أمّا الكبار فيكتشفون، على مدى عطلة واحدة، أنّ الأدوار التي نرثها أثقل من تلك التي نختارها، وأنّ أحداً لا يغادر تمامًا البيت الذي جاء منه. ويبقى في الذاكرة وجه ترينه ديرهولم بكلّ تقلباته، وقد أصبح هو الفيلم نفسه.

اقرأ أيضا: «Tender Loving Care»… مايك لي يودّع السينما بحكاية عن الحبّ والحياة

شارك هذا المنشور

أضف تعليق