في فيلمه الذي يُرجّح أن يكون الأخير في مسيرته، يعود المخرج البريطاني مايك لي إلى ما أتقنه طوال عقود، من مراقبة الناس العاديين، والإصغاء إلى أحاديثهم الصغيرة، واكتشاف الحزن المختبئ خلف الضحكات. ومن داخل بيت إنجليزي مألوف، يصنع حكاية عن الصداقة والعائلة والشيخوخة والرعاية، وعن حاجتنا الدائمة إلى شخص يجعل الحياة أقلّ قسوة.
شاهدتُ «Tender Loving Care» خلال «مهرجان لندن السينمائي» 2026، ووجدتُ نفسي أمام فيلم يعيدني إلى عالم سينمائي أعرفه وأحبّه، عالم مايك لي، الذي لا يحتاج فيه إلى جريمة غامضة أو أحداث استثنائية كي يشدّ انتباهك، وإنما يكتفي بمجموعة من الأشخاص يجلسون حول مائدة، أو يحتسون الشاي في منزل متواضع، أو يتبادلون حديثًا عابرًا عن يومهم، لتبدأ الحياة تدريجيًا في الكشف عن أسرارها.

هذا هو البيت الإنجليزي الذي اعتدنا رؤيته في أفلامه… بيت تسكنه شخصيات عادية، تتحدّث كثيرًا، وتضحك أحيانًا في غير موضع الضحك، وتخفي مخاوفها خلف المجاملات والعادات اليومية. بيت نعرفه حتى لو لم نعش فيه، لأنّ ما يحدث داخله ينتمي إلى التجربة الإنسانية المشتركة.
ما أعجبني في الفيلم أنه لا يحاول إبهار المشاهد بحكاية مصمّمة بعناية لتُنتج انفعالًا سريعًا، وإنما يمنحه الوقت ليتعرّف إلى شخصياته، ويألف وجودها، ويشعر بأنه أصبح واحدًا من محيطها. ومع مرور الوقت، تتحوّل التفاصيل التي تبدو في البداية عادية إلى عناصر تحمل ثقلًا عاطفيًا أكبر مما نتوقّع.
والأجمل أنّ هذه البساطة ليست فقرًا في الحكاية، وإنما اختيار فني واعٍ. فالمخرج الذي أمضى عقودًا في استكشاف العلاقات الإنسانية يعرف أنّ الحياة لا تتقدّم دائمًا عبر التحوّلات الكبرى. أحيانًا تتغيّر أشياء كثيرة بسبب جملة لم نقلها، أو خبر نخشى مشاركته مع أهلنا، أو نظرة نلتقطها على وجه شخص نحبّه ونكتشف من خلالها أنّ الزمن بدأ يأخذ منه شيئًا.

في «Tender Loving Care»، يبدو مايك لي وكأنه يعود إلى جوهر مشروعه السينمائي، لكن بنبرة أكثر هدوءًا وتأمّلًا، كأنما يضع أمامنا خلاصة طويلة من الملاحظات عن البشر، ثم يتركنا نتأمّل ما تعنيه الحياة حين نصل إلى اللحظة التي ندرك فيها أنّ وجود الآخرين إلى جانبنا ليس أمرًا مضمونًا إلى الأبد.
مايك لي… سينما تبدأ من الناس
يصعب الحديث عن واقعية «Tender Loving Care» من دون العودة إلى الطريقة التي يصنع بها مايك لي أفلامه على امتداد مسيرته. فهو ليس مخرجًا يعتمد على السيناريو التقليدي وحده، أو على شخصيات تُرسم ملامحها كاملة قبل بدء التصوير، وإنما اشتهر بمنهج تعاوني يمنح الممثلين وقتًا للعمل على شخصياتهم وتطويرها، من خلال ورشات مطوّلة وتجارب تتشكّل خلالها العلاقات والتفاصيل والسلوكيات. وأذكر أنني قرأت مرّة لقاءً أشادت فيه ميريل ستريب بالمخرج روبرت ألتمان، لاتّباعه النهج نفسه في التعامل مع ممثليه والنص الذي يعملون عليه.
منذ أفلام مثل «أسرار وأكاذيب» و«كلّ شيء على ما يرام» و«سنة أخرى»، وصولًا إلى «حقائق قاسية»، ظلّ لي مهتمًا بالمسافة بين الصورة التي يصنعها الناس عن أنفسهم والحقيقة التي يعيشونها. لكنه لا ينظر إلى شخصياته من موقع القاضي، ولا يسارع إلى تصنيفها بين الصالح والطالح. إنه يراقبها، ويمنحها الوقت لتكشف عن نفسها، حتى عندما تكون متناقضة أو مزعجة أو عاجزة عن فهم ما يحدث لها.

وفي فيلمه الجديد، تبدو هذه الرؤية أكثر وضوحًا. فلا توجد شخصية واحدة تحتكر الحقيقة، ولا بطل يملك الإجابات عن أسئلة الآخرين. كلّ شخص يحمل عبئه الخاص، ويعيش مخاوفه بطريقة مختلفة، ويحاول أن يمنح من حوله شيئًا من الطمأنينة، حتى عندما لا يستطيع توفيرها لنفسه.
بيت في غرب لندن… وحياة تشبه حياتنا
تدور أحداث «Tender Loving Care» في منطقة إيلينغ، غرب لندن، حيث نلتقي «روزي»، التي تؤدّي دورها أليس بيلي جونسون، و«آمي»، التي تجسّدها كيت أوفلين. تعمل الاثنتان في مجال الرعاية الاجتماعية، فتتعامل «روزي» مع كبار السنّ، بينما تركّز «آمي» على الأطفال والشباب الذين يعيشون ظروفًا صعبة.

نراهما تتناولان الشراب بملابس المنزل، وتغنّيان وترقصان، وتتبادلان المزاح والألقاب الطريفة، وكأنهما تستعيدان زمنًا لم تكن فيه مسؤوليات الحياة قد استهلكت كلّ هذه المساحة من يومهما. لا يحاول الفيلم أن يحوّل صداقتهما إلى قصة حبّ مستترة، ولا يحتاج إلى افتعال توتّر عاطفي بينهما… فالعلاقة جميلة بما يكفي في صورتها الحقيقية، صداقة طويلة تمنح كلّ واحدة منهما مكانًا آمنًا تستطيع العودة إليه عندما تصبح الحياة مرهقة.
هذه التفاصيل من أكثر ما أحببته في الفيلم. فثمّة شيء بريطاني مألوف في هذه الزيارات، وفي الشاي الذي يتكرّر حضوره، وفي الأحاديث التي تبدأ من موضوع صغير ثم تتشعّب، وفي الطريقة التي يعبّر بها الناس عن محبّتهم من خلال أفعال تبدو بسيطة، لكنها تتكرّر حتى تصبح أساس العلاقة.
هنا يبدأ الفيلم في تغيير نبرته بهدوء. لا يحدث انقلاب مفاجئ في الحكاية، ولا تظهر مشكلة واحدة تقلب حياة الجميع رأسًا على عقب. عوضًا عن ذلك، تتراكم الإشارات الصغيرة، ويصبح من الصعب تجاهل حقيقة أنّ الأشخاص الذين اعتدنا الاعتماد عليهم بدأوا يحتاجون بدورهم إلى الرعاية. وهذه، في رأيي، من أكثر الأفكار إنسانية في الفيلم… أنّ الزمن لا يغيّر الأشخاص الذين نحبّهم وحدهم، وإنما يغيّر أيضًا مواقعنا في حياتهم. يأتي يوم لا نعود فيه الأبناء الذين يتلقّون الرعاية فحسب، وإنما نصبح الأشخاص الذين يتعيّن عليهم تقديمها.
أجد أنّ عنوان الفيلم يكتسب معناه الحقيقي هنا. فالرعاية ليست كلمة لطيفة تُقال في المناسبات، وإنما جهد يومي، وصبر، وإصغاء، واستعداد لتحمّل مشاعر الآخرين، وأحيانًا قبول العجز عن تغيير واقعهم. إنها عمل لا يضمن النجاح دائمًا، لكنه يظلّ ضروريًا حتى عندما لا يحقّق النتيجة التي نتمناها.

وداع يليق بمايك لي
خرجت من «Tender Loving Care» بإحساس بأنني شاهدت فيلمًا يعرف تمامًا ما يريد قوله، لكنه لا يحتاج إلى رفع صوته كي يقوله. أعجبني أنه لم يحاول تحويل الشخصيات إلى رموز، ولم يجعل من قضايا الشيخوخة والرعاية الاجتماعية مادة للابتزاز العاطفي، ولم يبالغ في تزيين البيت الإنجليزي الذي يعرفه جيدًا. كلّ ما فعله أنه وضع أمامنا مجموعة من الناس، ومنحنا الوقت الكافي لنعيش معهم قليلًا. جعلنا نضحك على أحاديثهم، ونألف عاداتهم، ونشعر بالقلق حين تتغيّر ملامح الحياة من حولهم.
هذا هو مايك لي الذي أحببته في هذا الفيلم… المخرج الذي يجد الدراما في المطبخ وغرفة الجلوس ومحادثة عائلية، ويعرف أنّ الحياة لا تحتاج إلى أن تصبح استثنائية كي تستحقّ أن تُروى. فالعظمة هنا لا تأتي من حجم الأحداث، وإنما من دقّة الملاحظة، ومن الاحترام الذي يمنحه المخرج لشخصياته، ومن ثقته بأنّ التفاصيل الصغيرة قادرة على حمل مشاعر كبيرة.

في النهاية، لا يقدّم مايك لي إجابات سهلة عن الوحدة أو الشيخوخة أو الموت، ولا يدّعي أنّ الرعاية تستطيع إيقاف الزمن. لكنه يتركنا مع فكرة بسيطة تستحقّ أن نتوقّف عندها… ربّما لا نستطيع منع الحياة من أخذ أحبّائنا بعيدًا عنّا، لكننا نستطيع أن نجعل الوقت الذي نملكه معهم أكثر دفئًا، وأن نكون حاضرين حين يحتاجون إلينا.
وإذا كان هذا حقًا آخر أفلام مايك لي، فإنّ «Tender Loving Care» يبدو لي وداعًا يليق به… فيلم لا يغلق الباب خلفه بضجيج، وإنما يتركه مواربًا، فيما تستمرّ الحياة داخل البيت، ويظلّ صوت الحديث والضحك والغناء يصل إلينا من الغرف المجاورة. كأنّ المخرج يقول لنا، من دون أن ينطق بهذه العبارة مباشرة، إنّ السينما قد تنتهي يومًا، وإنّ أعمارنا جميعًا محدودة، لكنّ ما نقدّمه لبعضنا من حبّ ورعاية يظلّ من أثمن الأشياء التي نملكها.
حظيت بشرف مقابلته قبل ثمانية أعوام في لوس أنجليس، خلال عرض خاص لفيلم «بيترلو». سألته عن الكتابة الواقعية، فأجابني بإسهاب، حتى بدأت حشود من الناس تلتفّ حولنا. شجّعني على أن أبدأ الكتابة من المنزل، حيث تبدأ القصص. ووجدت نفسي أتحدّث عن والدي مع مخرج بريطاني عريق ينتمي إلى عالمَي السينما والمسرح… وكأنه يوجّه رسالة إلى كلّ من وجد نفسه وعائلته في أفلامه!
اقرأ أيضا: «غضب»… سينما التمرّد في زمن الانهيار