عام 2009، أحدثت منى زكي صدمتها الأولى لدى الجمهور، بعد مسيرة فنّية كانت قد بدأتها قبل نحو 15 عامًا، تنقَّلت خلالها بين الشاشتين الصغيرة والكبيرة، وصولًا إلى المسرح، بانسيابية وخفّة جعلتاها من أكثر الوجوه النسائية ألفة لدى الجمهور بين أبناء جيلها. وقد عُرفت بأدوار الفتاة البريئة الرقيقة، التي تشبه كثيرات من بنات جيلها، وعبَّرت عنهن في إحدى أولى بطولاتها، «جواز على ورق سوليفان»، إلى جانب فنان شاب سيصبح لاحقًا شريكها الفني الأبرز في السينما، أحمد السقا. وكان العمل سهرة تلفزيونية تتناول ظاهرة عُدّت ناقوس خطر في مطلع التسعينات، هي الزواج العرفي، لترسّخ منى زكي حضورها وجهًا لهذا الجيل ومشكلاته. لا سيما أنّ تلك السهرات كانت جزءًا من عادات المشاهدة لدى المصريين؛ فيلم تلفزيوني يُعرض للأسرة في أوقات الذروة، قبل أن تتوافر كلّ هذه الخيارات المتاحة اليوم.
لم تكن وقتها وجهًا غير مألوف، فقد شاركت في أعمال تلفزيونية شهيرة، مثل «العائلة» و«نصف ربيع الآخر» و«زيزينيا» وغيرها. لكن «جواز على ورق سوليفان» كان محطة أولى لممثلة تنبأ كثيرون آنذاك بأنها سرعان ما ستصبح نجمة لامعة بين أبناء جيلها، خصوصًا أنها أطلّت في العام نفسه على جمهور السينما، إلى جانب المجموعة التي قادت موجة سينما الشباب، وفي مقدّمها محمد هنيدي، في أحد أنجح أفلام تلك الموجة جماهيريًا، «صعيدي في الجامعة الأميركية».

قدّمت منى زكي دورًا بريئًا ممزوجًا بالشقاوة وخفّة الدم، لكنها ظلّت الوجه المحافظ لفتيات الجامعة الأميركية. وفي العام نفسه، وقفت في السينما أيضًا أمام اثنين من عمالقة التمثيل، أحمد زكي وسناء جميل، في «اضحك… الصورة تطلع حلوة»، مجسّدةً شخصية الفتاة الجامعية التي تعيش قصة حبّ غير متكافئة، تنتهي بانكسار قلبها البريء، بينما تُعلّق أسرتها عليها آمالًا كبيرة لتفوّقها الدراسي. ثم انتقلت إلى مسلسل «الضوء الشارد»، أحد الأعمال التلفزيونية الراسخة في الذاكرة حتى اليوم، لتؤدي دورًا آخر يؤكد صورتها بكونها الفتاة المثالية بمقاييس ذلك العصر. «فرح»، «سيادة»، «تهاني»، «فرحة»؛ كلّهن شخصيات أحبّتها الأسرة المصرية، ووجدت فتياتها أنفسهن فيها.
بعد ذلك، انطلقت نجوميتها لتصبح جزءًا أساسيًا من أنجح أعمال نهاية التسعينات وبداية الألفية الجديدة، في السينما والتلفزيون والمسرح، إلى جانب أسماء اعتادت العمل معها، وحملت نجاح السينما المصرية على عاتقها حتى وقت قريب: محمد هنيدي، وأحمد السقا، وهاني رمزي، وياسمين عبد العزيز. وشاركتهم هذا النجاح، سواء في ثنائيات فنّية أو أعمال جماعية.
فوقفت معهم على المسرح في «عفروتو»، ثم «كده أوكي»، لتقدّم في الأخير أحد أكثر أدوارها شعبية، «شربات»، الذي كشف عن جانب آخر تمامًا من شخصيتها الفنّية، وأظهر قدراتها الحقيقية على إضحاك الجمهور، وهي ترقص بخفّة وتُردّد «أنا عايزة أغني يسعدك اتشك تشك»، و«أني فاكينام وماسكة في نفسي»، فتتعالى الضحكات حتى اليوم، وينتقل الإفيه من خشبة المسرح إلى فضاء مواقع التواصل الاجتماعي، من دون أن يفقد طرافته.
توسَّعت أدوارها في السنوات الأولى من الألفية الجديدة، فكانت اختيارًا مثاليًا لأدوار حبيبة البطل، تارةً أمام مصطفى قمر في «الحب الأول»، وتارةً أمام كريم عبد العزيز في «ليه خلتني أحبك» و«أبو علي»، الذي كان شريكًا محبوبًا لها في السينما منذ «اضحك… الصورة تطلع حلوة». ثم جاءت ثنائيتها الأنجح مع أحمد السقا في أعمال عدة، أبرزها «أفريكانو» و«عن العشق والهوى» و«تيمور وشفيقة» و«مافيا».

وبين هذه الأعمال، برز أحد أهم أدوارها وأكثرها حظًا في تجسيد الشخصيات الشهيرة، في فيلم «أيام السادات»، الذي وقفت فيه أمام أحمد زكي مجددًا، لكن هذه المرة بدور زوجته، «جيهان»، زوجة الرئيس الراحل أنور السادات، في شبابها. وقد أثّر الدور في جيهان نفسها، إذ قالت إنها رأت في منى صورتها في شبابها، حتى دمعت عيناها وهي تشاهد العمل. وكان هذا العمل الأوفر حظًا بين تجارب منى في أعمال السير الذاتية، خصوصًا إذا ما قورن بـ«السندريلا»، ذلك العبء الذي تحمّلت تبعات فشله لسنوات طويلة، منذ عرضه عام 2006 وحتى اليوم.
تصاعدت أدوار منى زكي تدريجيًا، وتنوّعت بسلاسة لم تُقلق الجمهور أو تُزحزح نظرته إليها بوصفها وجهًا من وجوه «السينما النظيفة»، كما أحبّ تسميتها آنذاك، تلك السينما التي جاءت لغسل «عار» أفلام الأجيال السابقة، فلا تتضمّن مشاهدها قبلات أو لقطات جريئة. حتى عندما قدّمت «سهر الليالي»، ذا البطولة الجماعية، لم تخض بسببه معارك مباشرة مع الجمهور، رغم جرأته. وربما يعود ذلك إلى نجاحه الكبير في دور العرض، ثم المكانة التي احتفظ بها لاحقًا بوصفه أحد أهم أفلام تلك المرحلة. إلى أن وصلت إلى «احكي يا شهرزاد»، الذي قدّمت فيه دورًا جريئًا يتناول قصص النساء من دون تجميل، وبحرّية أقسى ممّا يستطيع جمهور سينما جيلها، «السينما النظيفة»، تحمّله.

وقفت منى زكي هنا للمرّة الأولى في مواجهة الجمهور مباشرة، في مرحلة يمكن تسميتها «تغيير الجلد»، إذ بدأت ملامح نضج واضح تظهر في شخصيتها الفنّية، ليس فقط في جرأة الاختيار والمجازفة بشعبيتها التي بنتها على مدار 15 عامًا تقريبًا، وإنما في الأداء الذي جعلها تلطّخ وجه الفتاة الرقيقة بألوان مكياج المذيعة الصارخ.
خفت حضور منى الفني منذ ذلك الحين، ففي العام نفسه قدّمت «أولاد العم»، الذي جمعها مجددًا بكريم عبد العزيز وشريف منير، ثم بدأت سنوات من الخفوت، اقتصرت فيها مشاركاتها على أعمال قليلة، اقتصر بعضها على ظهورها ضيفة شرف. وتزامن ذلك مع زيادة التزاماتها الأسرية وأمومتها، وظهور جيل أحدث في السينما، على رأسه الثلاثي شيكو وهشام ماجد وأحمد فهمي، بعد النجاح الكبير الذي حقّقوه في «سمير وشهير وبهير».

لتعود بعدها بصورة لم يرها الجمهور عليها من قبل، في أحد أهم أعمالها التلفزيونية، «أفراح القبة»، المأخوذ عن رواية لنجيب محفوظ، عام 2016. وهو الدور الذي أكّد أنها نجمة استثنائية بين أبناء جيلها، تستطيع التنقّل ببراعة وخفّة تضاهيان خفة «توحا» أو «تحية عبده»، ممثلة المسرح متعدّدة المواهب، التي تطمح إلى أن تصبح نجمة، وتهرب من وحول حياتها إلى سماء النجومية. هنا وقف الجميع للمرة الأولى أمام منى زكي الممثلة «الثقيلة»، التي يتنحَّى الحوار جانبًا أمام تعابير وجهها وحركة جسدها على مسرح القبة وأمام الشاشة. ووصفت منى هذا الدور بأنه أحد أقرب أدوارها إلى قلبها، وهو كذلك من الأدوار القريبة إلى قلب الدراما المصرية وذاكرتها.
ولأنّ «التقل صنعة»، كما يقول المثل الشهير، اتّخذت منى زكي منه وسيلة لصقل موهبتها بين دور وآخر. فلم تكن عودتها في «أفراح القبة» بابًا لانتشارها مجددًا، كما كانت الحال في بداياتها. فقد أدركت منى جيدًا معنى الاختيار، وأهمية الدور المدروس والتأهيل النفسي والفني للعمل، فخضعت، ولا تزال تخضع حتى الآن، لدروس تمثيل كثيرة، تستخرج من خلالها روح الشخصية لتتلبّسها، وتصبح هي الشخصية، فتظهر ملامحها على الشاشة بدلًا من ملامح منى زكي. ثم جاء دورها في «لعبة نيوتن»، في رمضان 2021، ليقول لها: «مبروك النجاح، لقد اجتهدتِ جيدًا».

فالمسلسل جاء مثل بقعة ضوء في سنوات عجاف تعيشها الدراما المصرية، قلَّت فيها الأعمال الجيدة التي يلتف حولها الجمهور، لتقدّم منى، إلى جانب اثنين من أبرع الممثلين حاليًا، محمد فراج ومحمد ممدوح، دراما نفسية واجتماعية كانت الأنجح في موسمها، ووضعتها في مكانة يصعب الوصول إليها بوصفها ممثلة، في وقت تتلاشى فيه الأدوار النسائية ولا يدوم حضورها طويلًا.
ومع ترسيخ مكانتها الاستثنائية إحدى أهم ممثلات جيلها، أقدمت منى زكي على خطوة جريئة وضعتها مجددًا في مرمى الانتقادات اللاذعة والقاسية، بسبب الفيلم الأجرأ في مسيرتها، «أصحاب ولا أعز»، الذي عُرض على «نتفليكس» عام 2022. فتعرّضت لأشرس حملة انتقادات في تاريخها الفنّي، حتى وصل الأمر إلى الهجوم على أسرتها وزوجها، الفنان أحمد حلمي، ومطالبته بتطليقها!
بعد تلك الحملة، توقَّع كثيرون أن يخفت نجمها وتتراجع أعمالها، خصوصًا مع بروز فنانات أخريات نجماتٍ للدراما. لكنها، وباتزان شديد، لم تتأثر أو تلتفت إلى تلك الانتقادات، وعادت لتذكّر الجمهور بأنها ممثلة، وأن من خلعت ملابسها في «أصحاب ولا أعز» لم تكن هي، وإنما «مريم»، الشخصية التي جسَّدتها!

عادت منى زكي بدور جديد بعد تلك الأزمة بعام واحد، مجسّدةً شخصية «حنان عبد الحميد»، بطلة «تحت الوصاية»، الذي أسكت جميع الأصوات التي نالت منها، وأزاحها جانبًا كأنها لم تكن. فمنذ الحلقة الأولى للمسلسل، توحّد المشاهدون مع البطلة، وعاشوا معها التوتّر والترقّب والخوف والحزن على امتداد الحلقات، حتى انطلقت حملات كثيرة تطالب بتغيير قانون الولاية على الأطفال، تأثرًا بما عاشوه من حزن على البطلة وأطفالها، خصوصًا مع النهاية القاسية التي تعرَّضت لها.
هنا، رسّخت منى زكي حضورها مجددًا، وأكّدت أنها ليست نجمة العمل الواحد، ولا الممثلة التي تستثمر نجاح دور لتكراره حفاظًا على جمهورها، وإنما تخلق في كلّ مرة عملًا جديدًا وشخصية جديدة تضيفها إلى مسيرتها. ولم تكتفِ بذلك، فأثبتت أنها، بوصفها ممثلة، تؤمن بما تقدّمه وتحترم اختياراتها الفنية، مهما كانت ردود الفعل عليها.

لم تكتفِ منى زكي بذلك النجاح الكبير في الدراما، فأعادها حنينها إلى الشاشة الكبيرة، حيث جمهور مختلف يصعب إرضاؤه، لتقدّم له «الرحلة 404»، الفيلم الذي تغيّر اسمه من «القاهرة إلى مكة»، في رحلة بحث عن الذات والنفس والتوبة. وقدَّمت فيه أحد أروع أدوارها السينمائية، دورًا كفيلًا بأن يعيد إلى ذاكرتنا خطواتها الراسخة التي أوصلتها إليه.
ولم تتوقّف منى عند هذا الحد، إذ واصلت عطاءها وهي في أوج نجوميتها، متربّعةً على عرش الدراما والسينما، لتقدّم «الست»، فيلمًا عن أم كلثوم، الدور الذي طال انتظاره، وسط توقّعات قاسية بفشله ومقارنته بمسلسل «السندريلا»، الذي جسَّدت فيه منى شخصية سعاد حسني في شبابها. وهكذا خاضت مجددًا تجربة سبق أن أخفقت فيها، لكن بوعي أكبر ومهارة أعلى. ورغم الانتقادات الحادّة للدور، بسبب عدم تطابق ملامح منى مع هيئة أم كلثوم، أو جرأة العمل في تناول حياة «كوكب الشرق» الإنسانة، وتسليط الضوء على حياتها من منظور مختلف، بعيدًا عن أضواء الشهرة والنجاح التي خلّدتها أسطورةً في الغناء العربي، فإنّ منى نجحت هذه المرة في إثبات أنها لم تعد الممثلة نفسها التي قدّمت «السندريلا». فالأداء والإتقان والتقمّص تؤكّد ما أضافته السنوات إلى موهبتها من صقل ومهارة وخبرة.

لم تكن انكسارات منى زكي، من «السندريلا» إلى «الست»، نهاية لتجاربها، بقدر ما كانت محطات كشفت عن إصرارها على مواصلة التحدّي. ففشل «السندريلا» لم يكسرها، كما لم تدفعها الانتقادات التي واجهت «الست» إلى التراجع أو الارتهان للصورة التي يريدها الجمهور لها. ربما كان الأسهل على منى أن تكتفي بالأدوار التي يحبّها الجمهور، وتُعيد تقديم الشخصيات التي تضمن لها النجاح والقبول، لكنها اختارت مرارًا مغادرة منطقة الراحة وخوض تجارب محفوفة بالمخاطر، حتى عندما تكون احتمالات الإخفاق حاضرة بقوة. فالتحدّي بالنسبة إليها لا يكمن في الحفاظ على نجوميتها فحسب، وإنما في اختبار حدود موهبتها وقبول احتمال التعثُّر في سبيل اكتشاف مساحات جديدة في أدائها. وهذا ما يجعل مسيرتها أبعد من سلسلة نجاحات متتالية؛ إنها أيضًا حكاية ممثلة لم تسمح لإخفاقاتها بأن تحدّد خياراتها، ولم تجعل الخوف من تكرارها سببًا للتوقف عن المحاولة.

يُعرض لمنى اليوم مسلسل جديد، «طالع نازل»، على «شاهد»، وكما عادة أعمالها، تنقسم الآراء حوله، لكن يظل أداؤها هو الميزان الذي لا يختل، ويستمر عطاؤها بالتزامن مع تكريمها اليوم في «مهرجان الجونة السينمائي» بـ«جائزة الإنجاز الإبداعي»، التي تستحقها، ويصعب العثور على مَن يستحقها أكثر منها بين أبناء جيلها. جائزة تدعوها إلى مواصلة سرد قصصها، ونخبرها نحن: «احكي يا شهرزاد، فلا يوقفك صياح الديك».