رغم ردود الفعل السلبية تجاه فيلم «ديغر» للمخرج الإسباني أليخاندرو غونزاليز إيناريتو، الذي قدّم أعمالًا مهمّة وشهيرة، مثل «بيردمان» مع مايكل كيتون، و«العائد» مع ليوناردو دي كابريو، و«بابل» مع براد بيت، وحظيت عمومًا بنجاح تجاري ونقدي، فإن تجربته الجديدة مع الممثل توم كروز تبدو، حتى الآن، غير مبشِّرة، خصوصًا في ظلّ افتتاحه غير المُرضي واستقباله النقدي السلبي.
ومع ذلك، يُعيد «ديغر» إلى الأذهان أفلامًا عدّة لم تحظَ عند صدورها بالاستقبال الذي تستحقه، بل قوبلت أحيانًا بفتور أو رفض، سواء في شباك التذاكر أو لدى النقاد، قبل أن تكتسب مكانة مختلفة بمرور الزمن. ولعل «ديغر» يكون أحد هذه الأفلام التي تتجاوز الانطباعات المُصاحِبة لصدورها، وتجد مكانتها مع الوقت، فهو عمل طموح في موضوعه ورؤيته وطريقة تقديمه.

قد يبدو فيلم «ديغر» مباشرًا إلى حدّ الفجاجة، إذ يتناول موضوعًا طُرق مرارًا، بأسلوب يستحضر بعض الأفلام التي قاربت البُعد السياسي بالحسّ نفسه. لكنه يتعامل بذكاء مع هذه المباشرة، من خلال معالجته وطريقة سرده، بما يُجنّبه الوقوع في فخّ الخطاب الفجّ، ويتيح له في الوقت نفسه التعبير عمّا يريد قوله بأريحية.
فالفيلم يقول ما يريد قوله، ويمنح ممثليه مساحة للمبالغة في أداء شخصياتهم وتجسيدها، مستفيدًا من عنصر لافت ومهم في بناء التجربة، يتكشّف لنا لاحقًا، وهو أن ما نشاهده ليس سوى مسرحية تُعيد تقديم واقعة حقيقية حدثت ضمن أحداث الفيلم، ولكن بأسلوب ساخر ومبالغ فيه.

بمعنى آخر، يُقدّم الفيلم قضيته في إطار مسرحي، من خلال التحضير لعرض والتدرّب عليه تمهيدًا لتقديمه في نهاية الفيلم. فكلّ ما نشاهده يجري خلال يوم واحد، وبهذا الأسلوب، لا نحاكم الفيلم مباشرة، بل المسرحية التي يعرضها. لكن المفارقة أنّ المشاهد يجد نفسه في الوقت ذاته أمام واقعة حقيقية، إذ يحمل الفعل المسرحي هنا بُعدًا توثيقيًا أيضًا. ومن هذا المنطلق، يصعب الحكم على العمل بأنه مباشر في طرحه لمجرّد تناوله قضية واضحة، فما نشاهده يُقدَّم على أنه إعادة تمثيل لحالة واقعية، أُضفي عليها حسّ ساخر، فيما تظل مفاصل القصة الأساسية، وفق رواية الفيلم، على حالها.
من هنا، تصبح محاكمة الفيلم على أنه عمل مباشر أمرًا قابلًا للنقاش. فلو اكتفى بطرح قضيته على مستوى واحد، من خلال قصة شخصية «ديغر» التي يؤدّيها توم كروز، وبأسلوب ساخر، لبدت المباشرة أكثر وضوحًا وإزعاجًا، كما حدث في فيلم «لا تنظر للأعلى» للمخرج آدم مكاي، وبطولة ليوناردو دي كابريو وجينيفر لورنس. لكن «ديغر» يطرح قضيته بحسّ مسرحي وأسلوب ساخر وسوداوي في آن واحد، ممّا يجعل اختياراته في الأداء والمكياج والمبالغة أكثر قابلية للفهم والتقبّل.

والأهم أنّ الفيلم لا يكتفي بتقديم الواقع من خلال السخرية، بل يُواجه المشاهد بواقعية سوداوية ومخيفة. فلو اقتصر على الحسّ الساخر، لربما اقترب من تجارب سينمائية أخرى تناولت الأبعاد السياسية بأسلوب مماثل، مثل فيلم ستانلي كوبريك «دكتور سترينجلوف، أو كيف تعلّمت أن أكفّ عن القلق وأحبّ القنبلة» (1964). لكن «ديغر» يضيف إلى سخريته بُعدًا آخر، إذ إن ما نشاهده، رغم مبالغته المسرحية، يرتبط في الوقت نفسه بواقعنا. وهنا يكسر الفيلم أفق توقّعاتنا من جهة، ويُعيد النظر في جدار الإيهام من جهة أخرى.
فعادةً ما يدخل المُشاهد التجربة السينمائية مدركًا، ولو ضمنيًا، أن ما يراه ليس واقعًا فعليًا، وإنما هو عالم مصنوع داخل الفيلم. أما هنا، فيُعيد العمل توجيه هذا الإدراك، موحيًا بأنّ المبالغة واللاواقعية اللتين شهدناهما تنتميان إلى المستوى المسرحي الساخر داخل الفيلم، فيما لا يبتعد ما يكمن خلفهما عن واقعنا.
وأقول هنا واقعنا، لا واقع الفيلم فحسب، لأنّ العمل يسعى إلى ربط المشاهد بما يراه، وإشعاره بأنّ الأمر يتجاوز حدود الشاشة إلى العالم الذي يعيش فيه. ويُعزّز الفيلم هذا الربط حتى شارة النهاية، بما يصاحبها من إنذار تحذيري يُحاكي ما حدث للجمهور داخل الفيلم.

إذن، يهدف هذان المستويان إلى إدخال المشاهد في صميم التجربة، وجعله جزءًا منها، لا مجرّد متفرّج يقف على مسافة آمنة. وإذا قسنا ما يحدث من حولنا على ما يشير إليه الفيلم، فقد نجد في هذا الإنذار ما هو أشد رعبًا مما قدّمه أي فيلم آخر، إذ يضعنا العمل في عمق التجربة الشعورية لهذا الظرف، ويُمسك بتلابيبنا ليجعلنا نعيشها كما لو كنا في قلبها.
وهكذا، نحن أمام فيلم يقدّم مستوى مخيفًا من الواقعية، رغم أنه لا يشغل سوى دقائق معدودة مقارنة بالمستوى المسرحي، الذي يظلّ مهمًا لفهم ما حدث، أو على الأقل لفهم التفسير الذي يقدّمه الفيلم لما جرى. ففي البداية، قد نظن أن ما حدث ناجم عن سوء تقدير شخص واحد، لكن الأمر في جوهره يتجاوز خطأ الفرد إلى مسؤولية جماعية. فالجميع هنا متواطئون مع «ديغر»، أو متوافقون معه، حتى اللحظة الأخيرة، ما دامت أفعاله تحمي رؤوس الأموال وتحافظ على الاستقرار. لكن حين تقع الكارثة التي تبتلع الجميع ولا تُبقي على أحد، يتحوّل ما بدا ساخرًا في سوداويته إلى واقع يتجسّد أمامنا بكلّ قتامته، ولا يمكن تجميله أو الهرب منه.
ومع ذلك، لم ينجح الفيلم في تقديم المستوى الواقعي بالشكل المطلوب، إذ بدا واضحًا أنه لم يمنح هذا الخط، ولا علاقة شخصية «ديغر» بابنته، ما يكفي من الاهتمام والمعالجة. فقد ظهر هذا الجانب ضعيفًا وباهتًا، إلى حدّ أنه بدا غير ذي أهمية، لولا دوره في تأكيد أننا نعيش، في تلك اللحظات، داخل واقع الفيلم، لا داخل المسرحية. وكان بالإمكان، إلى حدّ كبير، استبدال هذا الخط بأي عنصر آخر، ما دام الهدف منه، كما يبدو واضحًا، هو إدراك أننا أمام واقع الفيلم، أي واقعنا، ولسنا داخل المستوى المسرحي.

استطاع فيلم «ديغر» أن يثير انقسامًا حادًا في الآراء بين النقاد والجمهور. ولعلّ أحد أسباب ذلك أنه قدّم نفسه في البداية فيلمًا ساخرًا، على غرار الأفلام الأخرى التي تنتمي إلى هذا النوع، لكنه نجح في كسر أفق توقّعاتنا بمفاجأة من العيار الثقيل، حين وضعنا، على نحو غير متوقَّع، أمام حقيقة أنّ ما نشاهده ليس سوى مسرحية. ولم يكتفِ بذلك، بل أعاد ترتيب الأمور ليكشف لنا أننا أمام واقعة حقيقية، لا مجرّد مسرحية خيالية. وقد شكّلت هذه المفاجأة عنصرًا مهمًا في طريقة سرد العمل، إذ أربكت توقّعاتنا، ودفعتنا، نحن المشاهدين، إلى إعادة تقييم ما نشاهده وقراءته من منظور مختلف.
في الختام، قدّم أليخاندرو غونزاليز إيناريتو تجربة مذهلة بصريًا وصوتيًا، مدعومة بأداءات تمثيلية لافتة من الجميع، وخصوصًا بطل الفيلم توم كروز، الذي خاض تجربة جديدة ومختلفة في مسيرته، وكيّف أداءه مع طبيعة الشخصية وظروفها، سواء على المستوى المسرحي أو الواقعي.
إن «ديغر» فيلم ضخم، لا تقتصر ضخامته على إنتاجه، وهو ما يمكن ملاحظته بوضوح، بل تمتد إلى موضوعه وسرده والطريقة التي اختارها لتقديم أفكاره. ولعل ما يمنح هذه التجربة ثقلها الحقيقي قدرتها على الانتقال من المبالغة الساخرة إلى مواجهة واقع أكثر قتامة، فلا تبقى السخرية مجرّد وسيلة لعرض ما يحدث، بل تصبح مدخلًا لإدراك ما قد يكون أشد رعبًا من الفيلم نفسه: واقع نعيشه، وقد لا يبدو، في كثير من الأحيان، أقل عبثية مما نشاهده على الشاشة.
اقرأ أيضا: «ديغر»… الغرب في مواجهة تناقضاته