في 1986، نشرت فنانة الرسوم المتحرّكة الأميركية آليسون بِكدِل إحدى حلقات سلسلتها الكرتونية «دايكس تو واتش آوت فور»، وتبدو فيها صديقتان تتحدّثان عن فيلم السهرة، فتصرّح إحداهما بأنها لا تريد مشاهدة فيلم إلا إذا حقَّق ثلاثة شروط: أن يشتمل على امرأتين على الأقل، وأن تتحدّثا مع بعضهما بعضًا، وأن يكون الموضوع لا علاقة له بالرجال!
تقول صديقتها إنّ هذه شروط صارمة، لكنها فكرة جيدة، وعندما لا تجد الحبيبتان شيئًا لمشاهدته، تعودان إلى البيت. لكن هذه الفقرة، بشروطها الثلاثة، أصبحت أساسًا لما عُرف لاحقًا باختبار بِكدِل، أو اختبار بِكدِل – والاس، لتقييم الأفلام وأدوار النساء فيها.
لندع الآن آليسون بِكدِل واختبارها، ونرَ فيلم «ثريا حبي»، الذي يقتفي علاقة الحبّ بين المخرج اللبناني الراحل مارون بغدادي وأرملته ثريا فيكتور خوري، أو ثريا بغدادي.

يبدأ الفيلم بشاشة مظلمة وصوت باب يُفتح ويُغلق!
هكذا يضعنا المخرج والمونتير اللبناني نيكولا خوري أمام وداع ابتدائي في الفيلم الوثائقي، المنطلق بشكل رئيسي من ثريا، ابنة العميد فيكتور خوري، والراقصة في فرقة كركلا التي أسَّسها الراحل عبد الحليم كركلا أواخر الستينات، وأرملة المخرج اللبناني الموهوب مارون بغدادي، الذي اختطفه الموت وهو في الثالثة والأربعين.
يتوغَّل الفيلم رويدًا رويدًا في قصة الحب العظيمة بين ثريا ومارون. زوجته وأم أطفاله التي لم تحبّ بعده، تبدو قصتها مكرَّرة لنساء بقين على أطفالهن بعد الترمُّل، ومَن يزر أي تجمع نسائي سيجد مثل ثريا كثيرات، لكنها ليست كذلك.
يوم الحذاء ويوم السلالم
يُعدّ مارون بغدادي (1950 – 1993) أبرز المخرجين اللبنانيين بين مجايليه. قدّم عددًا من الأفلام الوثائقية والروائية، ومنها «تسعون» في ذكرى ميخائيل نعيمة، و«بيروت يا بيروت»، و«حروب صغيرة»، و«خارج الحياة» الذي فاز عنه بـ«جائزة لجنة التحكيم» في «مهرجان كانّ»، مناصفةً مع المخرج الدنماركي لارس فون ترير عن فيلمه «أوروبا». وقد قدّم الفقرة حينها المخرج والممثل البولندي رومان بولانسكي الذي، بعكس مارون بغدادي، فقد زوجته الممثلة شارون تايت وجنينهما في مجزرة مروّعة لا يزال العالم يتذكرها حتى الآن، وقد ألهمت كوينتن تارانتينو لتكون في فيلمه «حدث ذات مرة في هوليوود».

في أثناء البحث عن ممثلة لفيلمه «حروب صغيرة»، تعرّف مارون إلى ثريا وتزوّجا سريعًا. لم تُعرف ثريا خوري ممثلةً شهيرةً بعيدًا عن زوجها، ولم تتصدَّر بطولة أفلام كبيرة بعده أو قبله، لكن في «ثريا حبي»، يتوارى مارون في الخلفية، ويختفي تمامًا، هو وموهبته وأفلامه، وتصبح ثريا مركز الأحداث مرتين: لأنها هي التي تروي، ولأنها شخصية فريدة تودّ، مشاهدًا، أن تتشرّب كلّ ما تقوله.
تتحدَّث ثريا خوري عن أهم يومين في حياتها فيما يخص علاقتها بمارون بغدادي: يوم اللقاء ويوم الرحيل. يسألها خوري متى كان يوم اللقاء، فتقول إنه كان منذ زمن بعيد، لكنها تروي ذلك اليوم بتفاصيله. تقول إن مارون جاء إلى مقر الفرقة من أجل اختيار فريق عمل فيلم «حروب صغيرة»، وإنها عندما رأته لفت نظرها حذاؤه، وقالت: «غريب! مَن يرتدي حذاءً مثل هذا؟». وتضيف أنها وجدته بغيضًا، ومغرورًا، ومتعجرفًا، ثم تضيف وصفًا آخر يُعزّز صورة مارون لدينا: إنه حينما كان يصف مشروعه بدا كأنه يذوب، وأنه سيسقط أسفل الطاولة!
إنه وصف شديد السحر، رغم أنه غير مفهوم بشكل كامل، لكنها رؤية المحبّين بعضهم لبعض، التي لن يفهمها سواهم. وهو يتفق، بطريقة ما، تقترب أو تبتعد، مع ما قاله الفنان مارسيل خليفة في صفحته الرسمية على «فيسبوك»، واصفًا بغدادي بأنه: «ذلك العصفور الشفّاف كان أيضًا أسدًا جبّارًا وبقدر ما كان ينضح بالقلق، يلتمع مثل عيون الفرسان بالتحدّي وبقدر ما هو رقيق هو شجاع، ولا أعرف من أين جاءته هذه الشجاعة، لعلّه خاف حتى وصل إلى آخر الخوف وآخر الخوف شجاعة التعب من الخوف».
واليوم الثاني الذي تحكي عنه ثريا بهدوء وتأنٍّ هو يوم الرحيل المباغت، في 11 ديسمبر 1993، حين خسر مارون بغدادي حياته في حادثة شديدة البساطة والسخف، إذ زلّت قدماه على سلالم منزل والديه في بيروت. تقول ثريا عن ذلك اليوم إنها عندما سمعت الخبر، وبدأ ينتشر في جسدها، قرّرت أن تتناوله بجرعات صغيرة، لأنها كانت حينها حاملًا بطفلهما كمال، وأنها مسؤولة عن هذه الحياة التي بداخلها. تقول إنها كانت حينها قاسية على مارون عندما سمعت الخبر، وقالت: «يا له من أحمق!»، فماذا كان يفعل في بيروت وهي على وشك الولادة!

وثائقيّ عن الحبّ
لا بد هنا من التوقّف عند المرأة في الأفلام الوثائقية. إن وضع النساء في الأفلام الوثائقية أفضل بكثير من موقعهنّ في الأفلام الروائية، لأنّ السينما في النوع الأول ترضخ للواقع، الذي هو، ويا للعجب، أشد إنصافًا من مواهب المخرجين، بينما تخضع الثانية للخيال وشباك التذاكر، فلا بد من تقديم قصص جاهزة ومعلَّبة، وتوليفة تعرف طريقها إلى جيوب المشاهدين، قسرًا في معظم الأحيان.
لكن، في الوقت نفسه، صناعة فيلم عن أرملة أحد المشاهير موضوع صعب، ومن السهل أن يصرف المخرج «روشتة» بلا ثمن يُذكر تقريبًا، فقلّما ينجو مخرج من تقديم صورة مغايرة لما اعتدنا عليه، إذ غالبًا ما تظهر الأرامل في خريف العمر المعنوي والفعلي، متعبات وفخورات بإنجازات شركائهنّ، يتحدّثن عن وجباتهم المفضلة، وطرق نومهم واستيقاظهم، والألوان التي يفضّلونها، وفي أحسن الأحوال، الطريقة التي يتعاملون بها مع موهبتهم وأعمالهم.
لكن نيكولا خوري يصنع فيلمًا مختلفًا، نظرًا إلى حساسيته وموهبته ورؤاه المختلفة. تترصَّد كاميراه الأماكن المعروفة عند الحديث عن التذكّر والحنين والاتصال بالجسد، مثل شاطئ البحر والغابة والطريق الذي لا يؤدّي إلى الحبيب، مع رسائل منتقاة أرسلها مارون إلى ثريا خلال مرحلة حبهما وزواجهما، التي بترتها وفاته المفاجئة.
لم تتحدَّث ثريا هنا أمًا، ولا عن كيفية رعايتها الأسرة بعد رحيل ربّها. لم نرَ أبناء مارون بغدادي يتحدّثون عن أبيهم الغائب، ولا عمّا يذكرونه عنه أو يعرفونه عنه أو يرثونه منه. لا توجد سوى ثريا العاشقة، ورؤيتها للحبّ والأفلام، ولمارون بغدادي زوجًا ومخرجًا.

وهذا جعلنا نتنبّه إلى دور ثريا خوري الحقيقي، في فيلم «ثريا حبي» بوصفها بطلته الوحيدة، وكذلك في حياة مارون بغدادي نفسه، وبالتالي في السينما اللبنانية بطريقة ما.
في «ثريا حبي»، تأتي ثريا مركزًا للأحداث؛ فهي ليست مجرّد شاهدة سلبية تتلقّى أسئلة نيكولا خوري، وإنما هي التي تنتقي ماذا ترينا من أرشيف مارون، وماذا تريدنا أن نعرف عنه، أو كما تقول: «تضايقني أوهام الناس عن مارون!». تكسر ثريا أيضًا دور «الأرملة النمطية»؛ فهي ليست «حارسة» لذكرى الزوج الراحل في حادثة مؤسفة، وإنما فنانة وامرأة مارست دورها وموهبتها. وربما كان التوتّر الناتج عن صورتها امرأةً وفنانةً هو الصراع الدرامي الشفيف الذي يحرّك وثائقي نيكولا خوري بهذه الطريقة. كما أنها لا تعيش في الماضي رغم علاقتها به؛ فهي تمارس حياتها ورقصها ويومها، وشخصيتها الواعية لعلاقتها بمارون من خلال عينيها الحيّتين ورؤيتها الذاتية، لا من خلال صور جامدة. ويغدو صوت مارون في رسائل الحب حيًّا ومتقدًا بفضلها هي، كأنها رسائل طازجة لم يمر عليها أكثر من ثلاثين عامًا. ذكّرتني برسائل الجنود اليابانيين التي لم تُرسل في المشهد البديع من ختام «رسائل من إيو جيما».
وأما من ناحية العلاقة في حياة مارون بغدادي نفسه، الذي كان مخرجًا قلقًا و«عبقريًا»، فثريا لم تكن «زوجة مخرج» فقط؛ إنها المرساة التي تضبط إيقاع حياته في ظروف أقل ما يُقال عنها إنها خطيرة، مثل التصوير خلال القصف في ذروة الاقتتال في لبنان. ثريا أيضًا كانت وسيلة مارون وغايته في تصوير رؤاه السينمائية، وهي التي جسّدت مشاعره وأفكاره في السينما، فكانت قلمه المعبّر وعينه الموهوبة. ويظهر جليًا أيضًا أنها كانت من القوة والصلابة بحيث استطاعت أن تُجاري موهبة مارون بغدادي وجنونه الجارف، وهي الحبّ الذي يعينه ويخلقه من جديد لمواجهة انكسارات السياسة والحرب والفنّ، وبالطبع دورها في حماية الأسرة بعد وفاته، والحفاظ على إرثه السينمائي وذكرياته وصورته نابضةً وحقيقيةً، وهو المخرج اللبناني الذي سيظل دومًا أحد نجوم الإخراج في لبنان والشرق الأوسط.

شاهدتُ فيلم «ثريا حبي» في يوم عيد الحبّ، بأحمره الذي يُلطّخ كل شيء، حتى يلتبس الأمر إن كان ذلك شغفًا أم دمًا. وصادف ذلك أيضًا الاستراحة التي اتخذتها من قراءة الرواية البديعة «الاعترافات» لربيع جابر، عن الرجل اللبناني، واسمه مارون بالمناسبة، الذي يروي أحداث طفولته في حرب لبنان، وعلاقته الغريبة بإخوته، ونكتشف أنه مخطوف من والده الذي قتل عائلته ثم أخذه ليربّيه!
وقد شكّل الفيلم، مع هذين الأمرين: عيد الحب ورواية «الاعترافات»، الشبكة التي أوقعتني في شراك هذا الفيلم المؤثّر، ممّا جعله معقدًا ومقبضًا وجميلًا مثل كثير من الأعمال الآتية من لبنان: معقّدة ومقبضة وجميلة.
في الربع الأول من الفيلم، نرى ثريا خوري داخل سيارة داكنة لا تعمل، وموضوعة فوق «وِنش» يسير بها في شوارع بيروت، تحديدًا في المنطقة القريبة من جسر «الرينغ»، وجوار فندقَي السان جورج وفينيسيا، مع مشاهد من فيلمي «حروب صغيرة» و«خارج الحياة»، حيث بيروت حين صار طعمها «طعم نار ودخان!».
كما أنّ وسائل المواصلات لا بد أن تُحيلنا على حرب لبنان بشكل أو بآخر؛ فهناك سيارة «الفولكس واغن» التي أرادت المرور يوم محاولة اغتيال بيار الجميّل في 13 أبريل 1975، وحادثة حافلة «بوسطة» عين الرمانة التي قُتل فيها عدد من الركاب، ما بين فلسطيني ولبناني، وكذلك السيارة الشهيرة التي تجر خلفها جثة أحد الرجال، في صورة بشعة من صور الاقتتال الدامي.
النساء والنسوية
هل فيلم «ثريا حبي» فيلم نسوي؟ لا أعتقد. وإن كنّا سنطبّق اختبار بِكدِل – والاس آنف الذكر، الذي يشترط ثلاثة أمور، وهي أن توجد في الفيلم امرأتان على الأقل، وتتحدّثا مع بعضهما بعضًا في موضوع ليست له علاقة بالرجال، فإن «ثريا حبي» ليس فيلمًا نسويًا على الإطلاق. فلا توجد في الفيلم سوى ثريا خوري وإرثها مع مارون بغدادي، لكن ذلك لا يعيب الفيلم؛ إذ لم يقل نيكولا خوري إنه يريد أن يقدّم فيلمًا نسويًا، ولا حتى ثريا أرادت ذلك ربما. إنه فيلم يتمعَّن في حياة ثريا خوري، أرملة المخرج الكبير، التي لم تكن هنا في هذا الفيلم لولا ارتباطها به، لكن، في الوقت نفسه، لم تغرق ثريا في البكائيات، ولم نرَ امرأة مهجورة أو منسية أو ساكنة في ظلال الزوج الغائب. ولهذا، هي من تحرّك الأحداث، وهي مركز القصة من أولها إلى آخرها، وتقول في بداية الفيلم بصراحة: «ليس لدي وقت أضيعه على فيلم يصوّرني ضحيةً!».

ثريا خوري ليست امرأة عادية، ليس فقط لأن رجلًا موهوبًا مثل مارون بغدادي أحبها وتزوّجها وأنجب منها (ثلاث طبقات من الحبّ لا يحصل عليها كثيرون)، ولكن لأنها فريدة بطبعها وطبيعتها؛ لأنها، بعد سنوات الغياب هذه، ليست قادرة فقط على تذكّر الحب والاشتياق، وإنما ما زالت ترفض أن تبدو تلك الأرملة المتروكة من العبقري، التي ما زالت تحتفظ برسائله وآثاره وذكراه، وتتذكر عيوبه الزوجية والعاطفية، وكيف أنها، على سبيل المثال، فكرت في هجره خلال «مهرجان كانّ»، وخططت لذلك مع والدتها، لكن، بعد خروجها من الفندق، وجدت مارون في وجهها، فأعادها إليه!
سارت حياة ثريا قبل الفيلم كما أريد لها أن تسير، وستستمر في المضي قُدمًا حتى الرحيل، وسيظل الفيلم أحد أجمل الأفلام وأرقّها التي تناولت علاقة الموهوب الراحل بزوجته الموهوبة، ليس فقط في الرقص والتمثيل، وإنما في تناول الحب والفقد، وفي التعبير عن غرامها واشتياقها والذكريات المتعلّقة بها، وجهًا سينمائيًا من وجوه سينما الحرب في لبنان. ثريا الجميلة ذات العينين الملوّنتين المحدّقتين، والشَّعر العربي الداكن، والبنية الصغيرة، التي نراها تركض في أحد مَشاهد «حروب صغيرة»، والصوت الرجولي الخائف يلاحقها في موت المدينة: «ثريااااااااااا، أنا بحبك، لا تتركيني».
– نُشر هذا المقال في التقرير السابع الصادر عن «مهرجان أسوان لأفلام المرأة»، دورة 2026، «عدسة ومرآة: صورة المرأة في السينما العربية».
اقرأ أيضا: تجربة ترقى إلى مستوى المعجزة… «حصان تورينو» في متروبوليس