فاصلة

مقالات

منذ لقاء بركة بـبركة ونحن نحلم

Reading Time: 5 minutes

تجلس في كرسي سينما داخل قاعة مظلمة بمهرجان برلين، تشاهد فيلماً صُوّر بكاميرا محمولة، بممثلين غير محترفين، ومشاهد تُضاء بنور الشمس، وبأسلوب يحمل حساً عالياً من التجريب لتقديم شكل مغاير. تعود أضواء القاعة، فتلتفت وراءك لتجد شاباً يقف وسط تحايا الجمهور، ينزل السلالم ويصعد إلى المسرح ليجيب عن أسئلة الحضور الذين فرغوا لتوهم من التصفيق له؛ شاب تشبه بساطته بساطة فيلمه.

هذا المشهد يبعث الأمل في كل مكان عداك. حينما استقليت طائرتك من السعودية بشعور الفرح لحضور تظاهرة كبرى كمهرجان برلين، لتعود منها بثقل كبير يخيم على مزاجك. فهذا الصانع الذي اعتلى المسرح ولفت بفيلمه الحضور رغم بساطة صنعته، كان بالنسبة لك حلماً بعيد المنال.

تعود إلى بيئتك وتحاول التخلص من الفكرة. تتصفح مواقع التواصل التي بدأ يعلو فيها الحديث عن إرهاصات إعادة فتح دور السينما، وضمن هيكلة قادمة للبلد ستكون الثقافة من أهم ركائزها. يبعث هذا فيك أملاً يجعلك تقاتل وراء حلم أقرب للإجهاض من رؤية النور. تتسلح بصوتك وبوعود نرى ثمرتها اليوم، وتصنع فيلماً قصته أقرب إلى توثيق حقبة، وتواجه في سبيله مشاكل لوجستية لا حصر لها.

وبعد سنة، تجلس في نفس كرسي المهرجان، تُطفأ الأنوار ثانية، ويبدأ الجمهور بسماع لغة جديدة وأماكن مغايرة تماماً، إلى أن ترجع للصالة حيويتها. وأنت من يقف عقب الفيلم وتستقبل تحايا الجمهور، وتؤكد حضوراً لصناعة بدأت للتو.

بركة يقابل بركة (2016)
بركة يقابل بركة (2016)

هذه قصة «بركة يقابل بركة» ومخرجه محمود صباغ. وبعد قرابة عقد، أصبح الرجوع إلى تلك الحقبة ومقارنتها باليوم باعثاً على الأمل. فقد انتقل الصراع من الاعتراف بالفيلم وإيصاله للجمهور، إلى محاولة خلق صناعة تحمل رؤى صناعها وتحاكي رغبات مجتمعها.

منذ دخول الفيلم المحلي معترك الشباك، تقريباً مع «سطار»، وتوالي الإنتاجات الجماهيرية، تغيرت طبيعة الأسئلة التي تحيط بالسينما السعودية. في السابق كان السؤال متعلقاً بإمكانية وجود الفيلم نفسه، وإمكانية وصوله إلى الناس. اليوم صار الفيلم موجوداً، وصار بالإمكان إنتاجه وعرضه ومناقشته. وهذه نقلة لا يمكن إنكارها، لكن الوقوف عندها طويلاً يجعلنا نغفل عن المرحلة الأكثر تعقيداً.

السوق اليوم صعب، والإنتاج مكلف، وكثير من الأفلام تمر من شباك التذاكر وتنتهي عروضها قبل أن يتكون حولها رأي جماهيري حتى لو سلبي. وبين مستثمر يريد استرداد أمواله، وصانع يبحث عن مساحة يضع فيها صوته، ومشاهد يختار أين ينفق ماله ووقته، تتشكل صناعة لا تزال في طور اختبار نفسها.

بركة يقابل بركة (2016)
بركة يقابل بركة (2016)

هذه التفاصيل يجب أن تكون في قلب حديثنا عن السينما، خصوصاً أننا نميل بسرعة إلى الاحتفاء. كل رقم يمكن أن يتحول إلى نجاح، وكل مهرجان إلى إنجاز، وكل منصة جديدة إلى دليل على التطور. التفاؤل مطلوب في لحظات التأسيس، لكنه يصبح أقل فائدة حين يتحول إلى صورة جاهزة ومنمطة للمشهد.

المفارقة أن الصناعة نفسها لم تعد تحتاج إلى من يثبت وجودها. وجودها بات واقعاً. ما تحتاجه هي قدرة أكبر على قراءة نفسها، والاعتراف بحجم التحديات التي تحيط بها، ولا تعتمد طوال الوقت على مقارنة مُسئمة  بماضٍ كان أقل إمكاناً.

ومن هنا يعود الحديث عن الهوية المحلية، حتى أصبح المصطلح حاضراً في معظم النقاشات. ومع كثرة استخدامه بدأ يضيق إلى علامات يسهل التعرف إليها: مدينة، لهجة، زمن، ملابس، شارع. هذه العناصر جزء من الهوية، لكنها لا تصنعها. فالهوية تبدأ من الصانع؛ من نظرته وذاكرته وأسئلته والتفاصيل التي تستوقفه دون غيره.

وهنا تحديداً تصبح تجربة محمود صباغ جديرة بالتوقف عندها. صانع تتراكم أفلامه بطريقة تسمح لك بأن ترى أثراً لما يشغله، وتلمح هواجس تنتقل من عمل إلى آخر. وهذه الاستمرارية هي ما يجعل تجربة الصانع قابلة للقراءة.

بركة يقابل بركة (2016)
بركة يقابل بركة (2016)

كان «بركة يقابل بركة» امتداداً لتجربة صحفية وبحثية مهمة، نتاجها فيلم وثائقي عن حمزة شحاتة، يقترب من الذاكرة الجمعية لمدينة جدة وحالتها الثقافية والفنية. وفي بركة ظهرت جدة جزءاً من حياة الشخصيات، تحدد موقع لقائهم وتفرض توقيته، مثلما ظهرت في «آخر سهرة على طريق ر» وهي تفرض على أبي معجب الرجوع لإحياء حفلة باب شريف بعد تعسر إحيائها في شقة أبي سراقة. وبركة الذي يصعد سلالم البلد للقاء آخر يريده وسط مجتمع رافض، هو كأبي معجب حين يحمل سماعاته الصدئة إلى حفل في سطح عمارة لا يفهم من فيها نوع غنائهم.

وهذا الامتداد مهم عند الحديث عن الهوية؛ لأنها تظهر في اختيارات الصانع وفي الأسئلة التي يصر على ملاحقتها، وتحتاج إلى وقت حتى تتشكل. لذلك فإن إحدى مشكلات المشهد الحالي أن الصناعة تتحرك بشكل لا يمنح كثيراً من التجارب فرصة كافية كي تنضج.

في البدايات كان ظهور هواجس مشتركة بين عدد من الأفلام أمراً مفهوماً: الاصطدام مع نمط العيش السابق، قصص تدور خلف الأبواب المغلقة، ومحاولات الاقتراب من مناطق لم تكن حاضرة على الشاشة. هذه حالة طبيعية لمرحلة تبحث فيها السينما عن حدودها. المشكلة تبدأ حين تتوقف هذه المرحلة عن كونها مرحلة، وتتحول من مساحة تجريب إلى قالب جاهز.

والنقاش حول تشابه الأفلام لا ينبغي أن ينتهي عند تعداد العناوين. الأهم أن نسأل عن السبب الذي يدفع مجموعة من الصناع إلى الاشتغال على مناطق متقاربة. التشابه يصبح مقلقاً حين يعكس ضيقاً في الخيال أكثر مما يعكس تشاركاً في الهاجس.

بركة يقابل بركة (2016)
بركة يقابل بركة (2016)

ولهذا فإن الحديث عن نجاح السينما المحلية يحتاج إلى دقة أكبر. نحن اليوم أمام صناعة أكثر حضوراً واتساعاً ، لكننا ما زلنا أمام سوق صعب، وأفلام كثيرة لا تجد جمهورها، وصانع يختبر خياراته تحت ضغط اقتصادي وفني في الوقت نفسه. وهذه صورة واقعية، والسينما في هذه المرحلة تحتاج إلى الواقعية أكثر من حاجتها إلى التطمين.

المشكلة الأهم في المشهد، تتجاوز السوق الذي سيتقبل العمل الجيد والهوية التي حتما سنصل إليها، إلى الطريقة التي يتحدث بها المجتمع السينمائي عن هذه الصناعة. نتسابق في كثير من الأحيان إلى ذكر النجاحات، كل خطوة تصبح دليلاً على أننا نسير في الاتجاه الصحيح، وكل إنجاز يتحول إلى جزء من رواية أكبر عن صناعة تتقدم. نحتفي بما لدينا، ثم نبني عليه توقعات أكبر من قدرة الواقع على حملها. وفي لحظة يصبح الخطاب عن الصناعة أكثر تفاؤلاً من الصناعة نفسها.

الصانع يحتاج إلى معرفة أن السوق لن يضمن له النجاح، والمنتج يحتاج إلى التعامل مع كل مشروع بوصفه مخاطرة حقيقية، والجمهور يحتاج إلى أفلام تمنحه سبباً للعودة، والمؤسسات تحتاج إلى التعامل مع الصناعة كمشروع طويل المدى، يحتاج إلى التراكم والتجربة.

والأهم أن تظل هناك مساحة للفشل. الصناعة التي تخاف منه تتجه إلى الخيارات الآمنة، والخيارات الآمنة تقود إلى التشابه.

ولو نظرنا إلى الموجات السينمائية السابقة، سنجد أن ما أبقاها حية لم يكن إعلان نجاحها في وقتها، بقدر الأصوات التي خرجت منها. الموجة كانت إطاراً زمنياً، أما البقاء فجاء من صناع لهم أساليبهم وأفكارهم وأصبحت جزءاً من ذاكرة السينما.

وهنا أعود إلى المشهد الأول في برلين. ذلك الشاب الذي اعتلى المسرح لم يكن يحمل معه خطاباً عن صناعة ، وإنما كان يحمل تجربته وحسه وطريقته.

قبل سنوات، كان وصول السينما السعودية إلى برلين حلماً بعيداً. اليوم لم يعد الوصول هو الحلم. فالأصعب أن نصنع أفلاماً تبقى بعد أن ينتهي التصفيق، وصناعاً يمكن تتبع أصواتهم.

اقرأ أيضا: «بركة يقابل بركة»… عقد على مشاركته في البرليناله

سينماء

هذه المقالة مدعومة من مبادرة «سينماء» لتعزيز المحتوى المعرفي السينمائي.
شارك هذا المنشور

أضف تعليق