منذ إعادة افتتاح صالات السينما في السعودية، واصل عدد الأفلام المحلّية ارتفاعه عامًا بعد آخر، مع اتّساع السوق، وظهور شركات إنتاج جديدة، وتنامي برامج الدعم والحوافز المالية والاسترداد النقدي. لكنَّ هذا المسار التصاعدي يبدو أنه توقف خلال العام الحالي، إذ تشير المعطيات الأولية إلى أنّ 2026 قد يسجل العدد الأقل من الأفلام السعودية التي دخلت مرحلة التصوير، سواء المستقلّة منها أو التجارية.
ويبدو التراجع لافتًا في توقيته؛ فنسبة الاسترداد النقدي ارتفعت، وفرص الدعم توسّعت، وشباك التذاكر السعودي بات أحد أكبر أسواق المنطقة. رغم ذلك، تعطّلت مشاريع معلنة وتأجّل تصوير أخرى، فيما اختارت بعض الإنتاجات السعودية التصوير خارج المملكة بحثًا عن تكاليف أقل.
ولا تقف المسألة عند تراجع عدد الأفلام، إذ تفتح أسئلة تتّصل ببنية الإنتاج نفسها: هل باتت تكلفة إنتاج الفيلم محليًا أعلى من قدرة السوق على استعادتها؟ وهل أسهمت الحوافز المالية في بناء صناعة مستدامة، أم أدّت إلى رفع الميزانيات والتوقعات؟ ولماذا لم تتحوّل فرص الدعم المتاحة إلى زيادة في عدد الأفلام المنتجة؟ ومَن يتحمل مسؤولية الفجوة بين تكلفة الفيلم وإيراداته؟
في هذا التقرير، نستمع إلى عدد من المنتجين والمخرجين والعاملين في السوق السعودية، لفهم أسباب هذا التراجع والعوائق التي تعترض الأفلام منذ مرحلة التطوير، مرورًا بالتصوير، وصولًا إلى العرض، والحلول القادرة على إعادة حركة الإنتاج إلى مسارها.
تراجع أم عودة إلى المسار الطبيعي؟
ترى المنتجة ولاء باحفظ الله أنّ التراجع في عام 2026 لا يقتصر على الأفلام المستقلّة، إذ يشمل الإنتاج السينمائي عمومًا. وتستند في رؤيتها إلى تجربتها ضمن لجنة تحكيم «مهرجان أفلام السعودية» العام الماضي، حين شهدت المسابقة حضورًا أكبر وتنوّعًا أوضح بين الأفلام التجارية والمستقلّة.

وتقول: «كانت لدينا أفلام تجارية مثل «إسعاف» و«فخر السويدي»، إلى جانب أفلام أخرى مثل «سلمى وقمر». كانت هناك تشكيلة تجمع بين التجاري والفني المستقل. أما هذا العام، فمعظم المخرجين يتجهون إلى التجاري، ولكن على استحياء، بالتزامن مع تراجع ملحوظ في عدد الأفلام السعودية المتقدّمة إلى المهرجان».
ويتفق معها مصمّم الإنتاج أحمد باعقيل، مؤسِّس «مخزن 7»، الذي شارك في تصميم عدد من الأفلام السعودية. ويرى أنّ تراجع حركة الإنتاج بات واضحًا، وأثره لم يعد يقتصر على عدد الأفلام، فامتد إلى الأفراد والشركات العاملة في القطاع.
ويقول: «مَن يعرف السوق يدرك أننا أمام بداية سنوات عجاف سينمائياً ـ حسب قوله ـ ، وهناك حالة من التشاؤم. تضخّمت الصناعة خلال السنوات الماضية، والآن يبدو أنها تعود إلى حجمها الطبيعي؛ الحجم القادر على الاستمرار من دون الاعتماد على الحوافز أو على اقتصاد متضخّم».
من جانبه، يقرّ الكاتب والمنتج عبد العزيز المزيني بوجود تراجع في إنتاج الأفلام السعودية، لكنه يقرأه من زاوية اقتصادية، على أنه مرحلة تصحيح لسوق توسّعت سريعًا خلال الأعوام الماضية، قبل أن تبدأ في اكتشاف حجمها الحقيقي وحدود قدرتها على استعادة تكاليف الإنتاج.
ويقول: «سأتحدّث من منظور المنتج، لا من المنظور الإبداعي. يمكن أن نعدّ ما يحدُث فترة تصحيحية. في موجة يوتيوب بين 2009 و2011، كانت تكلفة الدخول منخفضة جدًا؛ تستطيع إنشاء حساب وتصوير فيديو بهاتفك والبدء مباشرة. أما صناعة الأفلام فتحتاج إلى استثمارات كبيرة، ومع الزخم الذي شهدته السوق، بدأ كثيرون في إنتاج الأفلام، ونجح فيلم هنا وآخر هناك، لكن النجاح الجماهيري لم يكن يعني دائمًا النجاح المالي».
ووفق المزيني، شهدت السينما السعودية زخمًا قويًا بين عامَي 2022 و2024، قبل أن يبدأ التراجع في 2025 ويصبح أكثر وضوحًا خلال 2026. ويرى أنّ كثافة الإنتاج آنذاك، وارتفاع الأسعار، وسعي المنتجين إلى تقديم أفلام أكبر وأكثر جودة، دفعت الميزانيات إلى مستويات لم تعد السوق قادرةً على تحمّلها.

ويتّفق المنتج المصري أحمد موسى، الذي شارك في إنتاج فيلمَي «سطار» و«الزرفة»، وهما من أكثر الأفلام السعودية مبيعًا للتذاكر، على التراجع في عدد الأفلام المنتجة. لكنه يرى، في المقابل، أنّ السوق السعودية تعيش مرحلة ذهبية تتوافر فيها إمكانات كبيرة، لا يتناسب معها العدد المحدود من الأفلام المنتَجة سنويًا.
ويقول: «هناك بالتأكيد تراجع في عدد الأفلام. أعتقد أننا نعيش مرحلة ذهبية لصناعة السينما في المملكة، لكن المقوّمات المتاحة حاليًا لا تتناسب مع عدد الأفلام التي تُنتَج كلّ عام».

ويتّخذ المنتج عبدالله عرابي، الذي يُعدّ أحد أكثر المنتجين السعوديين نشاطًا في السوق، بعدما أنتج نحو سبعة أفلام روائية طويلة مستقلة، موقفًا مختلفًا. فمن واقع تجربته، لا يرى في ما يحدث تراجعًا حقيقيًا في عدد المشاريع، بقدر ما يراه تعطّلًا في انتقالها من مرحلة التطوير إلى التصوير.
ويقول: «بحُكم قربي من السوق، لا أعتقد أنه تراجع حقيقي. أفلام كثيرة أصبحت جاهزة للتصوير منذ العام الماضي، وكان من الممكن أن تُعرض في صالات السينما هذا العام، لكنها واجهت مشكلة ارتفاع الميزانيات وتكاليف الإنتاج، إلى جانب التأخر في صرف بعض الحوافز. لذلك ظلت مشاريع كثيرة عالقة في رحلة البحث عن التمويل».
هل الأزمة جديدة أم تراكمات؟
يضع المزيني الفجوة بين عدد التذاكر المُباعة والعائد الفعلي للمستثمر في صلب المشكلة. فبعض الأفلام التي تبدو ناجحة وفق أرقام شباك التذاكر قد لا تكون استعادت تكلفتها، بعد اقتطاع حصة صالات السينما والموزّع ومصاريف التسويق والإنتاج.
ويقول: «هناك أفلام تجاوزت 500 ألف تذكرة ويعدُّها الناس ناجحة، لكنها خاسرة. قد ترى فيلمًا سعوديًا بسيطًا يصل إلى 600 ألف تذكرة، ثم تقول إنه سيبيع حقوق عرضه إلى (شاهد) أو (نتفليكس) ويحقّق الربح. لكنك قد تُفاجَأ بأنه، حتى بعد العرض الرقمي، لم يصبح مشروعًا ناجحًا ماليًا».
ويشير إلى أنّ مدة الاستثمار في الفيلم التجاري، منذ بدء الكتابة حتى وصوله إلى الصالات، قد تمتدّ من سنة إلى سنة ونصف السنة، لذلك ينظر المستثمر إلى العائد النهائي للمشروع، لا إلى الرقم الجماهيري وحده.
ويوضح: «لنفترض أنّ فيلمًا حقّق 900 ألف تذكرة، ثم باع حقوق عرضه إلى إحدى المنصات. قد يبدو الرقم ممتازًا، لكن عندما نفتح الحسابات الحقيقية، نكتشف أنه لم يغطِّ تكلفته. هنا يبدأ المنتج أو المستثمر في القلق؛ لأنه قد يكون وضع ميزانية تتراوح بين أربعة وخمسة ملايين دولار، ثم اكتشف أنه حتى عند نجاح الفيلم، فإنّ هامش الربح لا يساوي حجم المخاطرة والوقت والجهد المبذول».
ولا يعفي المزيني نفسه من مسؤولية قراراته الإنتاجية خلال مرحلة التوسّع، مستشهدًا بتجربته السينمائية : «أخطأت كثيرًا، ولا أبرئ نفسي . كنت أبحث عن منطقة وسطى تخفّف المخاطر، وفي الوقت نفسه ترفع فرص النجاح في شباك التذاكر. لكننا وصلنا اليوم إلى مرحلة يجب أن نقول فيها إنّ ميزانية الفيلم السعودي ينبغي ألا تتجاوز حدًا معينًا».
ويرى أنّ المستثمرين الذين دخلوا السوق خلال السنوات الماضية لم تكن لديهم بيانات تاريخية كافية تساعدهم على تحديد حجم الجمهور والسقف الممكن لمبيعات الفيلم السعودي؛ لذلك بُنيت بعض الميزانيات والتوقّعات على نجاحات استثنائية يصعب تكرارها.
ويتابع المزيني: «عندما نسأل عن سبب تباطؤ السوق، يجب أن نسأل أولًا: مَن هم المستثمرون الذين يقفون وراء هذه الأفلام؟ وهل كانت لديهم إمكانية الوصول إلى الأرقام الحقيقية قبل 2023؟ بالتأكيد لا. كانت هناك أفلام تبدو ناجحة على الورق ومن خلال أرقام شباك التذاكر، لكنها في الحقيقة لم تكن ناجحة ماليًا».

ويضيف: «لدينا أفلام حقّقت نجاحات كبيرة جدًا، لكننا، حتى اليوم، لم نصل بصورة مستقرّة إلى مليون تذكرة للفيلم السعودي. هناك أمثلة محدودة مثل (شباب البومب) و(سطار)، لكن السقف المعتاد يظل قريبًا من 700 ألف تذكرة. ليس سهلًا إطلاقًا أن تنتج فيلمًا يحقّق مليون تذكرة؛ لأنك محكوم بحجم سوق محدّد».
ومع اتضاح هذا السقف، بات المنتجون أكثر حذرًا في وضع الميزانيات، فيما أصبحت المنصات الرقمية تربط قيمة شراء حقوق الفيلم بحضوره السابق في شباك التذاكر.
ويتابع: «في هذه المرحلة، نتعرّف إلى السوق بصورة أوضح، وحدث نوع من التوقّف لإعادة بناء تصور عن الصناعة لم يكن موجودًا خلال السنوات الماضية. كما أنّ الظروف الاقتصادية ليست محلّية فقط. هي عالمية. لذلك لا أتوقّع أن نشهد قفزة كبيرة في عدد الأفلام خلال 2027، بل قد نرى انخفاضًا أكبر».
كيف رفعت النجاحات سقف الإنتاج؟
يتوقّف المزيني عند أثر بعض النجاحات الجماهيرية في تشكيل صورة الفيلم السعودي ورفع ميزانياته، مستشهدًا بفيلمَي «سطار» و«راس براس»، اللذين سبقا نجاح أفلام مثل «مندوب الليل» و«هوبال»، في مقابل «شمس المعارف»، وهو نموذج لفيلم أُنجز بميزانية أقل.

ويقول: «(سطار) و(راس براس) حقّقا حضورًا جماهيريًا وعلى المنصات، لكن نجاحهما أسهم في بناء تصوّر قوامه تعدُّد الشخصيات، وارتفاع القيمة الإنتاجية، وكثرة الممثلين، وسرعة المونتاج. ولا أقول إنهما يقدّمان أفضل القصص؛ فـ(راس براس)، مثلًا، فيلم ترفيهي جميل وواضح في هدفه، لكن هذا النموذج رفع سقف ما يُعتقد أنّ الفيلم السعودي يحتاج إليه حتى ينجح».
ويرى المزيني أنّ التحدّي اليوم يكمن في إنتاج فيلم بتكلفة نحو مليونَي دولار، على أن يُكتب النص منذ البداية بما يتناسب مع هذه الميزانية. فالمشكلة، في رأيه، لا تُحلّ بخفض ميزانية مشروع كبير بعد اكتمال كتابته، وإنما بتطوير فكرة قابلة للتنفيذ ضمن حدود السوق.
أين تتعطَّل الأفلام؟
إذا كانت المشاريع لا تختفي في مرحلة التطوير، فأين تتوقّف رحلتها؟ تكشف شهادات المصادر أنّ التعطُّل لا يحدث عند نقطة واحدة، إذ يمتد من كتابة النص وإعداد الميزانية إلى البحث عن التمويل، وصولًا إلى الإنتاج.
يصف المزيني هذا السؤال بأنه «ضخم»، لتعدُّد الأسباب التي قد تُعطّل الفيلم، لكنه يضع الحصول على التمويل في مقدّمتها.
ويوضح أنّ الأفلام السعودية أُنتجت حتى الآن وفق نماذج مختلفة؛ فمنها ما لم تتجاوز ميزانيته 300 ألف دولار، ومنها ما اعتمد على التمويل الذاتي أو القروض، أو على مستثمر واحد يتحمّل مخاطرة كبيرة، فيما تجمع أفلام أخرى تمويلها من سبعة مستثمرين أو أكثر، ممّا يُضاعف تعقيد المشروع ويصعّب اتخاذ القرارات.
ويقول: «جمع التمويل معضلة كبيرة. في سوق ناضجة مثل هوليوود، قد يكون وجود نجم مثل ليوناردو دي كابريو كافيًا لجذب المستثمر، فيصبح النص بالنسبة إليه عنصرًا ثانويًا. ولدينا شيء مشابه في المسلسلات؛ فوجود اسم مثل ناصر القصبي يُسهّل الحصول على التمويل. وفي السينما، تستطيع شركة سعودية معروفة مثل (تلفاز 11) الوصول إلى التمويل بسهولة أكبر من مخرج يخوض تجربته الأولى».
لكن معظم المشاريع السعودية، وفق المزيني، يقودها مخرجون وكتّاب يدفعهم شغفهم بالسينما، من دون امتلاك خلفية كافية في إدارة الأعمال أو الاستثمار.
ويضيف: «صنّاعنا مبدعون في مجالاتهم، لكن هل يمتلكون القدرة على إعداد الأرقام وتقديم مسودة استثمار واضحة؟ وهل يستطيعون التحدّث إلى المستثمرين ومناقشة الجوانب المالية والقانونية؟ غالبًا لا يوجد وراء المشروع منتج متفرّغ لهذه المهمة. يقود أفلامنا عادةً المخرج أو الكاتب، ومن الصعب أن نطلب من المبدع أن يجلب الاستثمار ويتولّى المفاوضات المالية والقانونية إلى جانب عمله الإبداعي».
أما باحفظ الله، فترى أنّ أحد أسباب تعطُّل المشاريع يكمن في غياب الفهم الكامل للفيلم على أنه منتَج له جمهور وسوق ودورة اقتصادية، لا مجرّد تجربة فنية يُنتظر منها أن تحظى بإعجاب الجميع.
وتوضح: «لا يزال بعض المنتجين والكتّاب والمخرجين يجهلون التركيبة الحقيقية للفيلم على أنه منتَج. نحن نتعامل معه أحيانًا كأنه لوحة فنية؛ إما أن تعجب الجميع أو لا. بينما يجب التعامل معه مثل أيّ منتج يمكن اختباره وتطويره: إذا نجح نكرّر التجربة ونبني عليها، وإذا لم ينجح نعود إلى دراسة الخلل».
وترى أنّ السينما السعودية لا تزال إلى حد بعيد، «سينما المخرج»، لا سينما الكاتب أو الجمهور، والمبالغة في تقديس دور المخرج جاءت على حساب قراءة حاجات السوق والمُشاهد.
وتضيف: «المُشاهد السعودي منح الفيلم المحلّي فرصًا كثيرة خلال الأعوام الماضية، لكنه بدأ يفقد ثقته به. أصبح يُفضّل دفع قيمة التذكرة لفيلم أميركي، أو مُشاهدة فيلم مصري يُضحكه، بينما يؤجل الفيلم السعودي حتى وصوله إلى إحدى المنصات. فهو يعرف أنه سيشاهده في المنزل لاحقًا، فلماذا يدفع ثمن تذكرته؟».
في المقابل، يُحدّد أحمد موسى مرحلتين أساسيتين يتعطّل عندهما الفيلم السعودي: الكتابة، ثم الانتقال من النصّ إلى الإنتاج والحصول على الدعم والتمويل.
ويوضح: «تتعطّل الأفلام في مرحلتين؛ مرحلة الكتابة، ثم مرحلة الإنتاج نفسها والحصول على الدعم. كما أنّ عدد المنتجين والاستوديوهات القادرة على إنتاج الأفلام لا يزال محدودًا جدًا، وهذا طبيعي لأنّ السوق لم تصبح مغرية للمستثمرين حتى الآن».
وتكشف ملاحظته عن مفارقة أساسية: فالمملكة تمتلك صالات سينما واسعة، وجمهورًا متحمّسًا، وبرامج دعم وحوافز متعدّدة، لكن عدد الجهات القادرة على تحويل النصوص إلى أفلام قابلة للعرض التجاري لا يزال دون حاجات السوق.
الميزانيات الكبيرة عقبة
في إجابتها عن سؤال: أين تتعطّل الأفلام؟ تثير باحفظ الله نقطة مهمّة تتمثّل في ارتفاع الميزانيات، وتضعها ضمن أبرز أسباب تعطُّل المشاريع. لكنها تؤكد أنّ خفض التكلفة لا يمكن أن يقع على الحلقة الأضعف في فريق الإنتاج، وإنما يتطلّب مراجعة المنظومة كاملة، من أجور المساعدين ورؤساء الأقسام إلى الممثلين والمخرجين والكتّاب، وصولًا إلى طريقة تسويق الفيلم وبيعه لصالات السينما والمنصات.

وتقول: «نحتاج إلى تكاتف الجهات المعنية لضمان حقوق العاملين وتوفير فرص عمل مستمرة لهم على مدار العام. عندما تتوافر استمرارية في العمل، يصبح من الممكن التفاوض حول الأجور وخفض الميزانيات من دون الإضرار بالعاملين».
وتضيف: «يجب أن يدخل الممثلون والمخرجون والكتّاب أيضًا ضمن مراجعة الأسعار. مَن يطلب اليوم ميزانية تتراوح بين 10 و20 مليون ريال لفيلم سعودي لا يقرأ واقع السوق بصورة صحيحة».
وترى أنّ خفض الميزانية سيمنح المنتج جرأة أكبر على خوض تجربة العرض التجاري، لأنه سيكون أقدر على استعادة أمواله، بدل انتظار أرقام يصعب على معظم الأفلام السعودية تحقيقها حاليًا.
أما عرابي، فيرى أنّ الخلل يبدأ منذ مرحلة الكتابة؛ إذ تُكتب أفلام تفوق الإمكانات التمويلية المُتاحة، ثم يبدأ المنتجون، بعد اكتمال النص، في بناء الميزانية والبحث عن تمويل مرتفع يصعب تأمينه.
ويوضح: «معظم أفلامنا تُكتب أولًا، ثم نضع الميزانية ونبدأ البحث عن الأموال. والحصول على تمويل مرتفع ليس سهلًا. لذلك يجب أن نتّجه إلى كتابة أفلام مصمَّمة منذ البداية لميزانيات صغيرة، لا أن نكتب فيلمًا ضخمًا ثم نحاول تصويره بميزانية محدودة، لأنه سيظهر في النهاية بصورة رخيصة».
ويؤكد ضرورة حضور المنتج منذ المراحل الأولى لتطوير المشروع، حتى تصبح إمكانات الإنتاج جزءًا من عملية الكتابة، وليست عائقًا يظهر بعد اكتمال النصّ.
ويضيف: «يجب أن نكتب فيلمًا متماسكًا وقويًا يناسب ميزانية صغيرة، وأن يكون المنتج حاضرًا في مرحلة الكتابة، ليحدّد حدود الميزانية ويوجّه المشروع نحو العناصر التي يمكن التركيز عليها فعليًا».
مَن يدفع الثمن؟
يتفق باعقيل معهما في أنّ ارتفاع الميزانيات يمثّل إحدى نقاط الأزمة. ويرى أنّ الشركات التي بنت أعمالها وتكاليفها على الأسعار السابقة هي الأكثر تأثرًا بهذا التحوّل، خصوصًا مع التراجع المفاجئ في عدد المشاريع، مقابل بقاء المصاريف التشغيلية مرتفعة.

ويوضح: «الأكثر تضررًا هم الذين بنوا شركاتهم على الأسعار السابقة وحالة التضخّم، ثم حدث هبوط مفاجئ. بقيت التكاليف والمصاريف الثابتة مرتفعة، في حين لم تعد الأعمال موجودة بالمستوى نفسه. لذلك تظهر قدرة بعض الشركات على التكيّف والبحث عن حلول بديلة، مثل العمل في الإعلانات».
ويتوقّع باعقيل أن تدفع هذه المرحلة السوق إلى تصحيح أسعارها وتكاليفها، وتصبح أجور العاملين أكثر واقعية، ممّا قد يسهم في خفض ميزانيات الأفلام.
ويضيف: «أعتقد أنّ الصناعة ستعود إلى أسعارها الحقيقية، وستصبح الأجور أكثر واقعية. وهذا قد يخفّف الأزمة من خلال خفض تكاليف الإنتاج، لكنه يعني في المقابل أنّ الأفلام ستكون مطالبة بإثبات قدرتها على النجاح من دون الاعتماد الكامل على الحوافز والدعم».
ويختم باعقيل بالتأكيد على ضرورة تنويع مصادر تمويل الأفلام التجارية، قائلًا: «يجب أن تحصل هذه الأفلام على استثمارات بعيدًا عن الاعتماد على القطاع الحكومي وحده».
أما موسى، فيرى أنّ آثار ارتفاع التكاليف لا تقع على المنتج وحده، وإنما تدفع ثمنها السوق السينمائية بأكملها، حتى إن لم تكن مدركةً حجم الخسارة.
ويقول: «عندما تنخفض التكلفة، يستطيع المنتج، بدلًا من صناعة فيلم واحد سنويًا، أن يصنع فيلمين أو ثلاثة. وهذا يعني قصصًا أكثر ومنافسة أكبر، وفي النهاية صناعة سينمائية متكاملة».
كما يرى عرابي أنّ الشركات المنتجة والمنتجين يتحمّلون أولًا تكلفة التضخم في السوق، لكنه يلفت إلى أنّ بعض الممارسات الإنتاجية أسهمت بدورها في رفع الأسعار.
ويقول: «بعض المنتجين كانوا من أسباب ارتفاع التكاليف؛ إذ يحصل المنتج على ميزانية كبيرة، ثم ينفّذ العمل بأبسط صورة، أو لا يمنح العاملين حقوقهم كاملة، أو يؤخّر دفعاتهم. لذلك يرفع العاملون أجورهم لتعويض التأخير وضمان الحصول على مبلغ أكبر».
ولا تقف آثار ذلك عند الشركات والعاملين، فتمتدّ إلى الجمهور أيضًا، وفق عرابي: «السوق كلّها تدفع الثمن، حتى المُشاهد؛ لأنه في النهاية لا يرى الفيلم بالمستوى الذي كان يتمنّاه».
هل يتأثّر الجمهور؟
وعمّا ما إذا كان المُشاهد يدفع الثمن، لا يرى المزيني أنّ ارتفاع تكاليف الإنتاج ينعكس عليه بصورة مباشرة، لأنّ سعر التذكرة لا يتغيّر وفق ميزانية الفيلم. لكنه يرى أنّ الأثر الأخطر يكمن في انخفاض عدد الأفلام، وما يترتّب عليه من تباطؤ في تطوّر الصناعة.
ويقول: «ارتفاع التكاليف يعني قلّة الإنتاج، والضريبة الأكبر ستدفعها الصناعة نفسها. نحن نتحدّث عن صناعة وليدة، وقلّة الإنتاج تصيبها في مقتل؛ لأنها تعني خبرات أقل وفرص عمل أقل، وعددًا أقل من الراغبين في دخول المجال».
ويقارن المزيني ذلك بأسواق مثل مصر وكوريا الجنوبية وتركيا، التي تمتلك منظومات إنتاج متكاملة تتيح استمرارية العمل وتراكم الخبرات. ويرى أنّ السوق السعودية تحتاج إلى تدفُّق منتظم للأفلام، بدل انتظار نجاح استثنائي يظهر مرة كلّ سنوات.
ويضيف: «نتمنّى أن يكون لدينا فيلمان أو ثلاثة أفلام سعودية شهريًا. الصناعة لا تستطيع انتظار فيلم استثنائي كلّ خمس سنوات يحقّق قفزة في شباك التذاكر، بينما تتحمّل الأفلام المصرية حاليًا جزءًا كبيرًا من حركة السوق».
وفي السياق عينه، يؤكد المزيني أنّ المُشاهد السعودي أثبت رغبة حقيقية في مشاهدة الأفلام المحلّية، وبعض الأعمال السعودية استطاعت تحقيق أرقام كبيرة والتفوّق على أفلام يقف خلفها مخرجون وأسماء أجنبية معروفة.

ويقول: «هناك متعة خاصة في مشاهدة فيلم سعودي، لأنه منتَج يأتي من بيئتك وتعرف عالمه. آخر فيلم شاهدته كان (مسألة حياة أو موت)، وله متعة خاصة بالنسبة إليّ».
ويرى أنّ أفلامًا مثل «مندوب الليل» و«هوبال» أثبتت قدرة الجمهور على بناء علاقة ولاء مع المخرج السعودي، وانتظار مشروعه التالي بحماسة مماثلة لِما يشعر به تجاه كبار المخرجين العالميين.

ويختم: «المُشاهد السعودي استقبل بعض الأفلام بمحبّة كبيرة، وأصبح ينتظر فيلم المخرج الذي قدَّم له عملًا أحبّه، وينطلق لمشاهدته كما لو كان ينتظر فيلمًا جديدًا لكريستوفر نولان. هؤلاء المشاهدون هم الضحايا الحقيقيون لتراجع الإنتاج؛ لأنهم ينتظرون أفلامًا سعودية جيدة، لكنهم لا يجدون منها ما يكفي».
لماذا لم تنعكس الحوافز على الإنتاج؟
لا ينكر موسى وجود الحوافز، لكنه يرى أنّ الارتفاع المستمر في تكاليف الإنتاج وأجور العاملين يستنزف جزءًا كبيرًا من الميزانيات، ويحدّ من أثر تلك الحوافز.
ويقول: «الحوافز موجودة، لكن التكاليف والأجور ترتفع بصورة كبيرة جدًا، وهذا يستهلك جزءًا ضخمًا من ميزانية الفيلم».
وبذلك، لا تتحوّل الحوافز بالضرورة إلى أفلام إضافية، بقدر ما تذهب إلى تغطية الزيادة في تكلفة المشروع الواحد.
ووفق عرابي، لم تُترجم الحوافز المتاحة إلى زيادة واضحة في عدد الأفلام، لأنّ كثيرًا من المشاريع تُكتب وتُبنى بتكاليف مرتفعة، فتذهب الحوافز إلى سدّ جزء من فجوة الميزانية، بدل تحفيز إنتاج مشاريع جديدة.
ويقول: «نكتب أفلامًا بتكاليف عالية جدًا، ثم نبحث عن الحوافز التي بالكاد تغطّي جزءًا من التكلفة. لذلك لا يظهر أثرها، ولا تكون كافية لإنتاج الفيلم كما كُتب. نضطر بعدها إلى تقليص الميزانية وتغيير النصّ وإجراء عمليات تشريح للمشروع، فيخرج الفيلم بإنتاج متواضع رغم حصوله على الدعم».
ويشير كذلك إلى أنّ التأخُّر في الحصول على الحوافز يضع الشركات تحت ضغط مالي خلال التصوير، ويجبرها على اللجوء إلى حلول إنتاجية محدودة.
ويشرح: «تأخُّر صرف الحوافز يؤثّر مباشرة في الإنتاج. نضطر إلى تسيير المشروع بأبسط الحلول لأنّ الأموال لم تصل بعد، وهذا ينعكس في النهاية على مستوى الفيلم».
هل ثمة صناعة حقيقية؟
يتّخذ عرابي موقفًا صريحًا من واقع السوق، إذ يرى أن استمرار معظم الأفلام السعودية لا يزال مرهونًا بالدعم والحوافز، وسط غياب شركات إنتاج كبيرة ومستثمرين ورعاة من القطاع الخاص.

ويقول: «ليس ثمة صناعة حقيقية حتى الآن. إذا غاب الدعم والحوافز، فلن تكون هناك أفلام، يا للأسف. لو نظرنا إلى المشاريع التي تُصوّر هذا العام، فسنجد أن معظمها أعمال لمنصات مثل (نتفليكس) و(شاهد). أما أفلام الاستوديوهات والمشاريع المستقلّة المعتمدة على الدعم، فلم يُنفذ منها إلا فيلم أو فيلمان».
ويضيف: «باستثناء بعض الاستوديوهات الكبيرة التي تمتلك القدرة على تمويل إنتاجاتها، لا يزال معظم المنتجين يبحثون عن الدعم أو التمويل ولا يستطيعون صناعة أفلامهم من دونه. وليست لدينا شركات كبيرة تنتج باستمرار، ولا رعاة أو تمويل خاص، كما لم نبنِ حتى الآن نموذجًا تستطيع فيه مجموعة من الجهات الاستثمارية التعاون على تمويل الفيلم. لهذا لا يمكن القول إنّ لدينا صناعة حقيقية بعد».
لماذا لم ترفع الحوافز عدد الأفلام؟
لا يُحمّل المزيني «هيئة الأفلام» أو المنتجين وحدهم مسؤولية محدودية أثر الحوافز، مشيرًا إلى أن الحصول عليها يرتبط بمتطلبات تفصيلية، وأن نسبة الاسترداد المعلنة لا تعني بالضرورة استرداد المشروع النسبة نفسها من كامل ميزانيته.
ويقول: «قد تصل الحوافز إلى 60 في المائة، وهي خطوة كبيرة جدًا، لكن ثمة متطلبات دقيقة للتأهل. قد تبلغ تكلفة فيلمك أربعة ملايين دولار، وتضع خطتك الإنتاجية بناء على الحوافز، ثم تكتشف أنّ المبلغ المسترد لا يتجاوز 600 ألف دولار. وهذه مشكلة كبيرة بالنسبة إلى حسابات المنتج».
ويرى أنّ الحافز يأتي في مرحلة لاحقة، بعدما يكون المنتج قد جمع التمويل وأبرم الاتفاقات ووضع الميزانية، ولذلك لا يستطيع وحده إطلاق مشروع يفتقر إلى التمويل الأساسي.
ويضيف: «الحافز يعيدنا إلى سؤال الدجاجة والبيضة؛ فهو لن يأتي إليك إلا بعد أن تصبح استثماراتك وميزانيتك وأوراقك جاهزة. إذا لم تكن قادرًا من الأساس على جمع التمويل، فلن يفعل الحافز شيئًا».
ويتابع: «هل الحوافز مفيدة؟ بالتأكيد. لكن هل تستطيع وحدها رفع عدد الأفلام من 20 أو 25 فيلمًا إلى 40 أو 45؟ لا. انتقال نسبة الاسترداد من 40 في المائة إلى 60 في المائة مهم، لكنه لن يصنع فارقًا كبيرًا في عدد الأفلام إذا لم يكن لدى المنتج التمويل والمستثمر والاتفاقات اللازمة لبدء المشروع».
الحوافز… أحد أسباب الأزمة
من جانبها، لا تعتقد باحفظ الله أنّ الحوافز المالية انعكست بالضرورة إيجابًا على حجم الإنتاج، وترى أنّ ثمة خلطًا في فهم الغاية منها؛ إذ يتعامل معها بعض المنتجين على أنها أموال متاحة، بدل أن تكون أداة تساعد على بناء مشروع قادر على الاستمرار.
وتقول: «كان ينبغي ألا نبدأ بالحوافز، بل ببناء السينما نفسها. يجب أن يؤمن المنتج والمخرج بأن فكرتهما تستحق أن ترى النور حتى من دون انتظار المساعدة».

وتستشهد بالأفلام التي ظهرت خلال الأعوام الأولى من عودة السينما، بين 2018 و2020، معتبرةً أنها خرجت من شغف حقيقي ورغبة في الوصول إلى الجمهور. وتضيف: «أفلام مثل (شمس المعارف) وإنتاجات (تلفاز 11) حصلت على دعم، لكنه لم يكن بالشكل الذي ظهر لاحقًا. كانت أفلامًا صُنعت من أجل الناس، ولذلك أحبّوها وحقّقت حضورًا وأرقامًا جيدة».
وترى أنّ توسّع برامج الحوافز والاسترداد النقدي خلق لدى بعض المنتجين نوعًا من الاتكالية، لتصبح الحوافز جزءًا أساسيًا من حسابات الربح، قبل اختبار قدرة الفيلم على المنافسة والوصول إلى الجمهور.
وتذهب باحفظ الله إلى حدّ المطالبة بإعادة النظر في هذه البرامج، قائلة: «دعوا المنتجين يعملون وفق ميزانياتهم الحقيقية؛ لأنّ ذلك سيدفعهم إلى كتابة أفلام للجمهور، والتعامل بدقة أكبر مع المصروفات وإمكانات استعادة الأموال».
وتصف معظم الإنتاجات السعودية الحالية بأنها أقرب إلى الأفلام التلفزيونية أو السهرات المنزلية منها إلى التجارب المُصمَّمة لصالات السينما. ولا ترى في ذلك انتقاصًا من قيمتها، وإنما توصيف للمرحلة التي تمرُّ بها الصناعة.
وتقترح باحفظ الله أن تركز السوق خلال المرحلة المقبلة على إنتاج أفلام خفيفة وممتعة، بميزانيات معتدلة ونجوم محبوبين، تتجاوب بصورة أكبر مع تفضيلات الجمهور السعودي، سواء في الكوميديا أو الدراما.
وتختم: «الأولوية اليوم هي استعادة ثقة الجمهور. وبعد عام أو عامين يمكن أن نعود تدريجيًا إلى إنتاج أفلام سينمائية أكبر طموحًا. علينا أن ندرس ما يشاهده الجمهور ويرغب فيه، وأن نكون أسرع في الإنتاج، ونوفر قنوات عرض متعدّدة، وألا نعتمد على شباك التذاكر وحده في استعادة تكلفة الأفلام».
اقرأ أيضا: سنة 2026… لماذا غاب الفيلم السعودي عن المهرجانات الكبرى؟