هناك لقطة لا أنساها في «شيئان أو ثلاثة أعرفها عنها»: تقترب الكاميرا من فنجان قهوة حتى تبتلع الإطار كله، وتدور الرغوة ببطء حتى تصير مجرّة. وفوق هذا صوت غودار نفسه، هامسًا، قريبًا من الأذن، يتحدّث عن الموضوعي والذاتي وعن حدود اللغة. أحبّ هذه اللقطة حبًّا لا أتحفّظ عليه. لكنني، إن كنتُ صريحًا حتى النهاية، لا أذكر بعد إطفاء الشاشة شيئًا عن المرأة التي كانت تشرب تلك القهوة.
هذه المفارقة الصغيرة هي كلّ ما أريد قوله في هذا المقال، وسأحتاج ألف كلمة لأقوله كما يجب.

لا يستطيع ناقد عربي من جيلي أن ينكر دَيْنه لجان لوك غودار. الرجل لم يخترع السينما، لكنه أعاد اختراع علاقتنا بها. علّمنا أن القصّ لا يحتاج إلى انتظام، وأن القفزة في المونتاج ليست خطأً تقنيًا، وإنما إعلان استقلال جمالي وتمرّد على قوالب هوليوود الجاهزة. رأينا للمرة الأولى في «أنفاس لاهثة» (1960) كاميرا تتنفّس مثل إنسان مرتبك، تلهث خلف بلموندو في شارع الشانزليزيه كأنها صديق لا يقوى على اللحاق به. وجلسنا في «الاحتقار» (1963) مع بريجيت باردو في تلك الشقة الإيطالية نصف المفروشة، والكادر لا يريد أن ينتهي، بينما تنسحب امرأة من الحبّ أمام أعيننا بلا كلمة واحدة تشرح الانسحاب. كانت الكاميرا تلاحق ارتعاشات الروح في اصطدامها اليومي بالواقع أكثر مما تلاحق قضايا كبرى تستحق ندوة.

ذاك هو غودار الذي أحببته. غودار اللصّ الظريف الذي كان يقتحم مخازن هوليوود ويخرج منها بغنيمة: وجه، وسيجارة، وأغنية روك، ومشهد مطاردة. كانت سينماه سينما متعة حتى وهي تتمرّد. كان يخاطبنا عبر الجسد أولًا: تعب بلموندو وهو يجري، ملل آنا كارينا وهي تنتظر، خوف باردو من أن تكبر.
ثم جاءت سنة 1966.
في تلك السنة صوَّر غودار «ذكر وأنثى»، ثم صوَّر «صُنع في الولايات المتحدة» و«شيئان أو ثلاثة أعرفها عنها» بالتوازي تقريبًا، ينتقل بين الطاقمين مثل مَن ينتقل بين مكتبين. الإيقاع نفسه يقول شيئًا: الفيلم يتوقّف عن أن يكون حدثًا في حياة صاحبه ليصبح فقرة في مشروع أكبر منه. في هذه الحقبة بدأت السينما تنسحب تدريجيًا لمصلحة المحاضرة، وتحوّلت الشاشة من مساحة للتأمّل الإنساني إلى منصة للخطابة الأيديولوجية. صارت الكاميرا، شيئًا فشيئًا، أقل اهتمامًا بمعنى يتوارى خلف الوجوه والتعابير، وأكثر انشغالًا بتلقين أطروحات معدّة سلفًا.

خذ «ذكر وأنثى». الفيلم بالأبيض والأسود، خشنٌ وثائقيّ الملمس، وفيه من الجمال ما يكفي لأن أدافع عنه أمام مَن لم يره. لكن انظر إلى مشهد الاستجواب الطويل، حين يجلس بول أمام «ملكة جمال التاسعة عشرة» ويسألها عن الاشتراكية ومنع الحمل والحرب في فيتنام. المشهد باردٌ وذكي ومضحك أحيانًا. وهو أيضًا، إن صدقنا أنفسنا، استمارةُ استبيان: بول يطرح الأسئلة و«ملكة الجمال» تجيب عليها واحدةً واحدةً، والكاميرا تكتفي بالتدوين، كما لو أنها موظّفة إحصاء، لا عين مخرج. أطفال ماركس وكوكاكولا؛ العبارة لامعة، والفيلم كلّه يشتغل ليبرهنها.

يبلغ هذا المنطق ذروته في «صُنع في الولايات المتحدة». العالم هنا مادة للاقتباس: أسماء الشخصيات نِكات سينيفيلية (ريتشارد ويدمارك، دوريس ميزوغوتشي)، والألوان الأولية مشدودة مثل إعلان تجاري. أما القضية السياسية التي يدور حولها الفيلم؛ اختفاء المهدي بن بركة، وهي قضية تخصّنا نحن أكثر مما تخصّ باريس؛ فتتحول إلى ضباب من الشعارات. فيلمٌ عن جريمة دولة، لكن الجريمة فيه بلا جسد ولا رائحة دم. كلّ لقطة بيان، وكل حوار منشور سياسي مطبوع بأحرف كبيرة.
أما «شيئان أو ثلاثة أعرفها عنها» فقد رفع الستار عن الطريقة كلّها. الضمير «ها» في العنوان لا يعني جولييت جانسون وحدها؛ يعني أيضًا منطقة باريس الكبرى، فالمرأة والمدينة، منذ العنوان، شيء واحد. حين تتحوّل المرأة إلى استعارة، لا يكلّفك شيئًا أن تنسى وجهها؛ والمدافعون عن غودار سيرون في هذا عمقًا، وليس اقتصادًا في الاهتمام. باريس هنا مرفوعة عن الشارع: ورشة بناء، مخطّط اقتصادي، مدينة تُرى من فوق مثل خريطة، لا من مستوى الرصيف حيث تمشي النساء المُتعبات. والصوت المهموس الذي أحببتُه في اللقطة الأولى ليس صديقًا كما ظننت؛ كلّما همّ الفيلم أن يترك لي مساحةً لأخطئ فيها، جاء الهمس ليحاصرني بما ينبغي أن أفهمه.

بين هذا وبين «أن تعيش حياتك» (1962) مسافة لا تُقاس بالجرأة، إنما بموضع مركز الثقل؛ هناك كان غودار ينظر إلى العالم من خلال امرأة؛ هنا ينظر إلى امرأة من خلال فكرة عن العالم.
«أن تعيش حياتك» فيلم سياسي حتى النخاع؛ عن امرأة يبتلعها اقتصاد المدينة، لكنه سياسي عبر الإنسان لا بمعزل عنه. نانا تبكي في العتمة أمام جان دارك لدرايير قبل أن تتحوّل إلى أطروحة. لم يحدث الأمر نفسه في أفلام 1966، حيث تسبق النظرية الإنسان، إن حضر الإنسان أصلًا.
يقال لي دائمًا في هذا الموضع: أنت لم تفهم. أو بصيغة ألطف: لم تصل بعد.
سأقول إذن إنني لست في هذه الوحشة وحدي، لا لأن كثرة الشهود تصنع حقيقة؛ فالنقد ليس تصويتًا بل لأن هوية الشهود تستحق التأمّل.
فرانسوا تروفو، شريك الموجة نفسها وصديق الأمس، ردّ سنة 1973 برسالة طويلة الأنفاس على هجوم غودار على فيلمه «ليلة أميركية»، رسالة أنهت الصداقة نهائيًا ولم تُرمَّم بعدها أبدًا. جوهر ما قاله تروفو فيها أن الادّعاء السياسي عند غودار صار وضعيةً أكثر مما هو التزام، وأن فيه استعلاءً على الجمهور يتخفّى في زيّ الانحياز إليه. الرسالة منشورة في مجموعة مراسلات تروفو، لمَن أراد أن يتحقّق بنفسه بدل أن يصدّقني.
وإنغمار بيرغمان، وهو من الطرف المقابل تمامًا؛ الحرفيّ الكلاسيكي المشغول بالنفس البشرية إلى حدّ الهوس، قال في تصريح مشهور إنه لم يخرج من أفلام غودار بشيء قط، وإنها بدت له مصطنعة وزائفة فكريًا وميتة، ومملّة سينمائيًا بلا حدود.

وبولين كيل، وهي التي احتفت بجودار المبكر احتفاءً لا يخلو من عشق، تغيّر مزاجها مع منعطف الستينات المتأخر؛ ونصّها عن «صُنع في الولايات المتحدة» من أقسى ما كُتب عنه بالإنجليزية، وفيه اتهام صريح بأن الممثل صار أداةً لإلقاء نصٍّ جاهز. (ولأنّ الإنصاف جزء من المتعة: كيل كانت أرحم كثيرًا بـ«ذكر وأنثى»، فمن أراد أن يتّكئ عليها فليتّكئ بدقة).
وجون سايمون، أشرس خصوم غودار في أميركا، جمع مقالات تلك السنوات في كتابه «Movies into Film» (الأفلام إلى سينما) عام 1971، وكان يرى أنّ تكسير القواعد عند غودار غطاء لعجز عن بناء سرد متماسك، وليس انتصارًا عليه. وجاك لورسيل، في موسوعته الفرنسية «قاموس السينما: الأفلام» (1992)، يذهب أبعد: مشروع غودار في تلك المرحلة عنده مشروع تدميري لم يقدّم بديلًا جماليًا عمّا هدمه.
خمسة أصوات من خمس مدارس لا يجمعها جامع: صديق قديم من الموجة، سويديّ كلاسيكي، ناقدة أميركية جماهيرية الذوق، ناقد نخبوي محافظ، ومؤرّخ فرنسي معجميّ المزاج. حين يلتقي هؤلاء على انزعاج واحد، فالانزعاج على الأقل ليس عَرَضًا من عوارض الجهل.
لكن سبب انزعاجي أنا مختلف عن أسبابهم جميعًا، وهو السبب الذي يجعلني أكتب هذا المقال بالعربية.

نحن ورثنا «سينما المقال» وورثنا معها عطبها. ظهرت عندنا موجة عُرفت بـ«سينما الرسالة»، حاولت أن «تُوعّي» الجماهير بقضايا التحرّر والاشتراكية، فنسيت في غمار التوعية أن تلامس إنسانية مَن توجّهت إليهم. تسطّحت الشخصية العربية: صار «الفلاح» و«العامل» و«الضحية» تصنيفات خالية من العمق النفسي، كما صارت شخصيات غودار أبواقًا للماوية والماركسية. «الأبطال يولدون مرتين» (1977) مثال صريح: طفلٌ يفقد أبويه في حرب 1967 فيتحوّل، كما تصف قصة الفيلم نفسها حرفيًا، إلى «رمز للمقاومة»؛ والرمز، خلافًا للشخصية، لا يحتاج إلى وجه. حتى شاهين نفسه، الذي سأدافع عن إنسانيته بعد سطور، لم يخرج تمامًا من هذا المناخ في «العصفور»، حيث يعلو أحيانًا نفَسٌ خطابي على وجوه الشخصيات. لكن الاستثناء هنا أقل خطورة من القاعدة التي أنتجت أفلامًا فقدت الوجه لمصلحة الفكرة، والدفء لمصلحة صواب أيديولوجي صارم.
لا أزعم أن غودار مسؤول عن ذلك. الأيديولوجيا كانت أقوى من أن تحتاج إلى مستورد، لكن سينماه منحت هذا المزاج شرعية جمالية، ومنحت المخرج العربي المتعجّل حجة جاهزة: إن لم يتأثّر المشاهد فلأنه لم يفهم بعد.
لا تكمن خطورة هذا التحوّل في صعوبة الطرح الفكري: الجمهور العربي متمرّس في التعامل مع النصوص المركّبة، من تعقيدات المتنبّي إلى التأويلات الصوفية إلى الحداثة الشعرية. الإشكال في سينمانا المستوردة متأخرًا من غودار أنها استبدلت الإنسان بالفكرة، والدراما بالبيان.

بالمقابل، انظر إلى قناوي في «باب الحديد» (1958). قدّمه شاهين مهزومًا ومضحكًا ومخيفًا في اللحظة نفسها، بصور المجلات الملصقة على جدار كوخه، وبتلك الرغبة التي تتحوّل إلى رعب أمام أعيننا، لا إلى رمز للهامش يُشرح في حاشية. لم يشرح لنا شاهين معنى قناوي، فصار قناوي معنى. وفي «الأرض» (1969)، لشاهين أيضًا، الأرضُ طينٌ في اليد وعرقٌ على الجبين قبل أن تكون «قضية» بالمعنى المدرسي؛ والمشهد الأخير، حين تُسحل الأجساد وتبقى الأصابع متشبّثة بالتراب، يقول عن الملكية والقهر أكثر مما يقوله أي تعليق صوتي مهموس.
ولصلاح أبو سيف حسابه الخاص: في «السقا مات» (1977) سينما شعبية ذكية، تحترم جمهورها بدل أن تستعلي عليه، وفي أفلامه عمومًا وعي اجتماعي لا يطالبك بترك جسدك عند باب الصالة. وفي «الكرنك» (1975) لعلي بدرخان، وهو فيلم يمكن أن يُتهم بالخطابية في مواضع كثيرة، يظلّ الوجه ينزف قبل أن يصير رمزًا.
هذه هي السينما التي أريدها؛ لا لأنها أسهل، بل لأنها تبدأ من حيث ينبغي أن تبدأ السياسة: من وجه، من غرفة، من فنجان قهوة بارد على طاولة، لا من شعار معلَّق في الهواء.
سيُغضب هذا الكلام كثيرين، وأنا أعرف لماذا. صار غودار في كتبنا النقدية صنمًا، وصار من العيب أن يقول ناقد عربي «لم أستمتع». يُقال له فورًا إنه سطحي، أو إنه لم يبلغ بعد سنّ الرشد السينمائي. وهذه، بالمناسبة، الحجة نفسها التي تُساق دفاعًا عن كلّ شِعر غامض وكلّ لوحة بيضاء وكل كتاب لم يُقرأ.
النقد الحقّ هو الذي يحتفظ بحقّ الحب والنفور معًا. أحببتُ غودار لأنه منحني الحرّية؛ فبأيّ منطق أتنازل عن هذه الحرّية عند بابه هو؟

ولستُ أريد إلغاءه. من أنا كي أُلغي جبلًا؟ أريد فقط أن أفصل بين جبلين؛ جبل «أنفاس لاهثة» وجبل «نهاية أسبوع» (1967). تسلّقتُ الأول واستمتعت بالمنظر. وتسلّقتُ الثاني فوجدت في القمة لافتة: «ممنوع الاستمتاع. التأمّل فقط».
لم يفارقني، طوال هذه السنوات، فنجان القهوة ذاك في «شيئان أو ثلاثة أعرفها عنها»؛ رغوته التي تدور حتى تصير مجرّة، والصوت الذي يهمس فوقها. فهمت متأخرًا لماذا يلاحقني ولا يُرضيني: إنها لقطة عن المسافة. الكاميرا تقترب من الشيء حتى يفقد اسمه، ثم يأتي الصوت ليمنحه اسمًا جديدًا، أفخم وأبرد. شيء من هذا فعله غودار بشخصياته في تلك السنة، حين قرَّب منها حتى فقدت ملامحها، ثم سمّاها.

شكرًا على السنوات العشر الأولى. شكرًا على بلموندو وكارينا وعلى تلك اللقطات التي ما تزال ترقص في ذاكرتي. وشكرًا أيضًا، بلا سخرية، على الجرأة التي حوّلت الشاشة إلى مقال، فقد كان لا بدّ لأحد أن يجرّب هذا حتى نعرف ثمنه.
لكني، بكوني مُشاهدًا وعربيًا، سأعود إلى البيت. إلى سينما تُربّت على كتفي بدل أن تُربّت على عقلي. إلى شاهين وأبو سيف ورضوان الكاشف، حيث الوطن وجه أمّ لا نظرية.
السينما ليست درسًا في الاقتصاد السياسي. علّمني غودار نفسه هذا في البداية: قبلة في سيارة مسروقة، هروب من الشرطة، نظرة أخيرة لا نعرف معناها. ثم نسي هو الدرس، وأنا -على مضض- نسيته معه.
اقرأ أيضا: غودار إن حكى!