حضر جيمس غراي إلى لوكارنو ليُكرَّم عن مجمل مسيرته: تسعة أفلام، بعضها من روائع السينما الأميركية المعاصرة، وضعت اسمه في مصاف ألمع سينمائيي جيله. في الماستركلاس الذي قدّمه في المهرجان السويسري، كان سخيًا إلى أبعد حدّ، حتى إنه طالب بسؤال إضافي فيما كانت الجلسة تقترب من نهايتها. ثلاثة عقود خلف الكاميرا لم تجعل منه سينمائياً أكثر ثقة بما ينجزه، ولكن أكثر شكّاً في كلّ ما يحيط بهذه الصناعة وهذا الفنّ. وهذه، في النهاية، من شيم الكبار.
انطلق غراي، ابن السابعة والخمسين، في الثالثة والعشرين بفيلم كاد الاستوديو أن يضعه على الرف، قبل أن تنقذه مصادفة مهرجانية في البندقية. ومنذ ذلك الحين، ظلّ الحظ، كما يقول، رفيقه الأبدي. لكن هذا الذي يربط نجاحه بالحظ، هو قبل كلّ شيء سينمائي شديد الوعي بمنابعه: نيويورك، الأوبرا، الفنّ التشكيلي، شكسبير، كوبولا، كوباياشي. وطبعاً، ذاكرة شخصية تتحوّل، من فيلم إلى آخر، مادة سينمائية خصبة.
في مواجهة هوس السينما المعاصرة بالجِدّة، يذهب غراي بعيداً في أطروحته: هل يجب أن يكون الفنّ جديدًا في كلّ مرة، أم أن يكون شخصيًا وصادقًا؟ الجواب محسوم عنده. الفنّانون، في رأيه، لا يبتكرون من فراغ. يسرقون، ويتذكّرون، ويعيدون اختراع ما ورثوه، إلى أن يصبح الموروث صوتهم الخاص.

من «ليتل أوديسّا» و«ذا ياردز» إلى «الليل لنا» و«عاشقان»، و«المهاجرة»، و«مدينة زد الضائعة»، و«أد أسترا»، وصولًا إلى «يوم هرمغدون» و«نمر من ورق»، إنها رحلة مخرج يحاول، عبر أشكال وموازنات وعوالم متباينة، أن يعود دائمًا إلى الإنسان. حتى حين ذهب إلى الفضاء أو الغابة، بحث عمّا وجده في طفولته بين جدران نيويورك.
في سينما مشغولة، إلى حد الهوس، بروابط الدم ومأزق الفرد في مواجهة الجماعة، جملة واحدة تختصر فلسفة غراي السينمائية: كلّ شيء يمكن استعارته، إلا التجربة المعيشة.
1 – «أريد أن يفهم الجميع كم أن جزءًا كبيرًا من حياتنا يقع خارج نطاق سيطرتنا».
«الطريقة التي ذهبتُ بها إلى البندقية مع «ليتل أوديسّة» جاءت كسلسلة من المصادفات السعيدة التي أتاحت إنقاذ الفيلم. ما حدث هو أنني أنجزته، وكنت محظوظاً جداً لتمكّني من إنجازه. كنت في الثالثة والعشرين عندما بدأتُ التصوير. وعندما انتهيتُ من التصوير، لم يعجَب المنتجون. كان رد فعلهم: «ما هذا الفيلم؟ ماذا سنفعل به؟». الاستوديو لم يكن يعرف ماذا سيفعل به. فماذا حدث؟ اقترحت شركة الإنتاج الإيطالية إرساله إلى مدير مهرجان البندقية. قالوا: «لنرَ ماذا سيحدث. وإلا، سنضعه على الرف». مدير المهرجان آنذاك كان جيلو بونتيكورفو. شاهده وصاح: «تحفة! سأضعه في المسابقة». وفجأةً، قال المنتجون: «أوه، ربما ليس الفيلم بهذا السوء. لعله ليس القمامة التي ظنناها. حسناً، سنعرضه في البندقية. إذا أعجب الناس، فلا بأس. واذا لا، انتهى شأنك يا غراي. انتهيت». وعُرض الفيلم في المسابقة. لن أنسى ذلك ما حييتُ. ذهبتُ إلى البندقية مرتديًا بدلة توكسيدو، بينما كان الجميع يرتدون الجينز والقمصان. وأنا، في الخامسة والعشرين، أرتدي التوكسيدو. كانوا يظنّون أنني النادل. يأتون إليّ قائلين: «أعطني كأسًا من الشمبانيا». وأنا أقول: «لا، لا، أنا المخرج».

عُرض الفيلم وكان العرض كارثيًا. أتذكّر أن ماكسيميليان شل، الذي يمثّل في الفيلم، قاد سيارته إلى فينيسيا من حيث كان. كان يقود سيارة مكشوفة، ولم يكن سقفها يعمل، فلم يتمكن من إغلاقه، وظلّ المطر يهطل عليه طوال الطريق. جلس إلى يميني. ثم وصل جورجو أرماني وجلس إلى يساري. في لحظة ما، مال ماكس نحوي. وفي المناسبة، حتى يومنا هذا، لا أفهم ما قاله لي. صار يصدر أصواتًا غريبة ثم سمعته يقول: «أنا أصلع، وأنا بدين، ولن ألعب هاندل بعد اليوم». بعد أكثر من ثلاثين عامًا، ما زلتُ لا أفهم ما الذي كان يتحدّث عنه بحق الجحيم. وسمعتُ صوت صمت القاعة، كأنك تسمع صراصير الليل. لم يضحك أحد، ولم يهتف. لا شيء. كان الفيلم الأكثر سوداويةً في العالم. أتذكّر أن الاستوديو قال لي: «حسنًا، كما تعلم، نلتَ فرصتك، والآن انتهى كلّ شيء». شعرتُ بإحباط تام. عدتُ بالطائرة إلى لوس أنجليس. وبينما كنت أغادر المطار، كانت هناك سيدة تحمل لافتة كُتب عليها: «اتصل بهذا الرقم». كان الفيلم قد فاز بجائزتين. اضطررتُ إلى العودة. عدتُ، وارتديتُ ملابس السهرة فوراً، وبعد دقائق كانت مونيكا فيتّي تقبّلني على خدّي، وكنت أتناول العشاء مع آل باتشينو. قلتُ لنفسي: أنا رجل مهم». (ضحك).
عشتُ الصعود والهبوط في حياتي، وأدركتُ بسرعة أن السينمائيين الذين من جيلي، وأنا أحب كثيرين منهم ومعجب بهم كأشخاص، لم يسلكوا الطريق التي سلكته. أنا مقرب جداً من وس أندرسون، وكنّا صديقين حميمين لأكثر من ثلاثين عاماً. لكنني لم أدخل من الباب نفسه الذي دخل منه إلى عالم صناعة الأفلام. كان طريقي منفصلًا عن طرق جميع الآخرين في مجموعتي، ولم يكن ذلك مقصودًا. لطالما أردتُ أن أكون عضوًا في ناديهم والعكس صحيح. هكذا تسير الأمور. لم تكن هناك خطّة. لا جهد منظّمًا لتحقيق هذا أو ذاك، أو لإيصال الأفلام إلى هذا المهرجان أو ذاك. ببساطة، لقد حدث ما حدث. أحاول البقاء بعيدًا من كلّ هذا، لأن وظيفتي هي إنجاز الأفلام بأكبر قدر ممكن من الصدق، ولا يمكنني التحكّم في كلّ شيء.
في البندقية، في تلك الدورة، كان ديفيد لينتش رئيس لجنة التحكيم. وكان ناغيسا أوشيما وأوليفييه أساياس وماريو فارغاس يوسا الفائز بـ«نوبل الآداب» أعضاء فيها. كانوا كرماء معي إلى أبعد حدّ. ولولا ديفيد (وأنا مدين له بالكثير) ولولا أنه هو وأوشيما أحبّا الفيلم، لا أعرف أين كنت أصبحتُ اليوم. لذلك، هناك شيءٌ من الحظ في هذا كله. أريد أن يفهم الجميع كم أن جزءًا كبيرًا من حياتنا يقع خارج نطاق سيطرتنا. يحلو لنا الاعتقاد والقول: «أوه، لقد خطّطتُ لكلّ شيء سلفًا. ذهبتُ إلى البندقية، وفزتُ بتلك الجائزة، وكلّ شيء سار كما يجب». لا تصدّقوا هذا الكلام. كنت أحمق. لم أعرف ماذا أفعل، لكن حالفني الحظ».

2 – «لا يمكنك أن تفعل شيئًا لإصلاح لقطة مقربة لممثّل لا يفكّر، أو لا يبعث على المتعة».
«بعضهم أحبّ «ذا ياردز»، ولكن لم يحقّق نجاحًا كبيرًا. لم يحصل على مراجعات رائعة. كان له بضعة مدافعين متحمّسين، بعض هؤلاء من أميركا. في فرنسا، كان أداؤه أفضل، وهو ما كرّس، بطريقة غريبة، تلك السمعة التي أصبحت لديّ باعتباري مخرجًا يحبّه الفرنسيون، شأني شأن جيري لويس. لكن الممثّلين أحبّوا الفيلم فعلًا، وكنت محظوظًا جدًا، لطالما كنت محظوظًا، في الحقيقة. وأعتقد أن هذه هي نوعًا ما قوّتي الخارقة: أن أتمكّن من التعاون مع ممثّلين عظماء، أن أحتال عليهم، وأقنعهم، وأجرّهم بطريقة ما حتى يعملوا معي.
في السينما، يمكننا أن نتظاهر بأن مكان الكاميرا المثالي هو هنا، وبأن هذه هي العدسة المناسبة، وكل ذلك مهم بلا شكّ. كلّ تفصيل مهم. هذا وسيط لا يرحم. لكن في النهاية، لا يمكنك أن تفعل شيئًا لإصلاح لقطة مقربة لممثّل لا يفكّر، أو لا يبعث على المتعة. لا يوجد شيء يمكنك أن تفعله لحلّ هذه المشكلة. الصورة خرجت عن البؤرة قليلًا في تلك اللقطة؟ لا بأس. كان ينبغي أن تضع الكاميرا على مسافة أبعد قليلًا؟ هذا أيضًا ليس بالشأن الخطير. لكن أن يكون أمامك لقطة لمارلون براندو، مثلًا، فهذا أفضل من أكون «أنا» في اللقطة. أعتقد أنني جيد بما يكفي لأدرك هذه الجزئية.
للمناسبة، في تلك الفترة، كنت من القلائل في السينما الأميركية الذين يأتون من نيويورك. وهذا أمر غاية في الأهمية. ثقافيًا، نيويورك (التي أحبّها جدًا ومنحاز إليها)، مختلفة جدًا عن الساحل الغربي. وس أندرسون من تكساس، بول توماس أندرسون من كاليفورنيا وكذلك كوانتن تارانتينو. هؤلاء ليسوا نيويوركيين. التاريخ الذي يفهمه الأوروبيون ويقدّرونه لا يزال ملموساً في نيويورك. في طفولتي، كان إيليا كازان بطلي. وهو كان جزءًا من الهوية النيويوركية. كنت محظوظًا جدًا أن والدي الذي لم يكن يفقه شيئًا في السينما، اصطحبني عند ستيللا أدلر بعدما تحدّثتُ له عن اهتمامي بالممثّلين. كان يعرف أنها تدرّس في وسط المدينة. فأخذني إلى هناك وقال لي «هيّا، اذهب واجلس هناك». كنت في الثانية عشرة وسمعتها تتحدّث عن التمثيل».
3 – «أي فيلم يصبح شيئك الخاص عندما تحاول أن تجعله شخصيًا».
«كان رد الفعل على «الليل لنا» في مهرجان كانّ عدائيًا جدًا. وكذلك في الولايات المتحدة. أما الآن، فيأتي الناس إليّ ويقولون: «أوه، أنا أحبّ هذا الفيلم». لا أستطيع أن ألومهم على رد فعلهم. تحتاج أحيانًا إلى أن تبني مجموعة من الأعمال، حتى يتمكّن الناس من فهم ما الذي كنت تحاول قوله. الفيلم يأتي من حبّي للأوبرا التي أعتبرها ثاني أعظم شكل فنّي اخترعه الجنس البشري. عندما يقول الناس عن عمل ما إنه «أوبرالي»، فإنهم عادةً يتخيلون أداءً تمثيليًا مبالغًا فيه، أو حركات كاميرا واسعة ومتحررة، أو شيئًا من هذا القبيل. «أوبرالي» عندي تعني أنك تحتضن صدق العاطفة في المشهد، من دون تلك السخرية التي تضع مسافة بينك وبينها. إنه التزام كامل بالعاطفة في اللحظة. وهذا ما أحبّه في الأوبرا. أعرف أن هذا ليس رأيًا يحدث اجماعًا، لكن مؤلّفي المفضّل هو بوتشيني. هناك شيء في الالتزام بالعاطفة عند بوتشيني يؤثّر فيّ بشدة. الأوبرا كانت دائمًا نقطة انطلاقي الأولى. لأنني أكتب على هذا النحو. أستمع إلى الأوبرا طوال الوقت. أستمع إلى بوتشيني، وفيردي، ودونيزيتي، وبيلليني، وهذه هي الأشياء التي تحركني حقًّا. السينما والأوبرا متقاربتان جدًا، ومرتبطتان ارتباطًا وثيقًا.

في «الليل لنا»، أعتقد أنني بدأتُ من مسرحية شكسبير «هنري الرابع». عندما تنظر إلى الفيلم من خلال هذه العدسة، يصبح واضحًا جدًا أنني مجرد لص مثير للشفقة، لأنك ترى أن الأمير هال هو واكين فينيكس، وهوتسبير هو مارك والبرغ، وبولينغبروك هو بوبي دوفال. لكن أي فيلم يصبح شيئك الخاص عندما تحاول أن تجعله شخصيًا.
حقّق الفيلم نجاحًا متواضعًا، وهذا ما سمح لي بأن أنجز «عاشقان»، وبأن أحصل أخيرًا على السيطرة الفنية. وكان ذلك أمرًا رائعًا بالنسبة لي. لكن من الناحية النقدية، كان لا يزال هناك الكثير من المقاومة تجاه سينماي. وأعتقد أن الأمر يعود جزئيًا إلى أن العواطف مرفوعة قليلًا، وأن الفيلم لا يحاول أن يكون ساخرًا أو أن يضع مسافة بينه وبين المشاعر. وددتُ الغوص في العاطفة، لتأكيد شرعيتها، والتعامل معها بوصفها شيئًا حقيقيًا يستحق أن يؤخذ على محمل الجد».

4 – «الفنّ ديانتي، يعلّمني كيف أكون متعاطفًا، وكيف أفهم وعي الآخرين، وهذا هو المهم».
«هذا الفيلم، «عاشقان»، أنجزته ولي السيطرة الإبداعية الكاملة، وذلك لأول مرة. لم أحصل على موازنة كبيرة، لكنني أحببتُ (ومن الفظيع أن أعترف بهذا) أن أُترك وشأني. أعطوني 9.8 ملايين دولار. كان معي واكين وغوينيث. وكنّا قريبين جدًا أحدنا من الآخر، وكانت بيننا حوارات رائعة فعلًا. انسجمنا بشكل رائع جدًا. سُمح لي ببساطة أن أنجز الفيلم. لم أكن مضطرًا إلى الجدال. وكان في ذلك شيءٌ محرّر، لأن إنجاز أي شيء جيد هو أمر بالغ الصعوبة في الأساس. تتّخذ في الفيلم عشرة آلاف قرار، إذا اتّخذتَ 9900 قرار جيد وفشلتَ في 100 فقط، فسيكون الفيلم سيئاً بشكل مريع. لذلك، تخيّل أن عليك أن تفعل كلّ ذلك، وفوقه أن تخوض المعارك أيضًا. تعرفون قصّة فرنسيس فورد كوبولا خلال تصوير «العراب»، وكيف كان عليه أن يخوض معارك مستمرة مع «باراماونت». انظروا إلى ما أنجزه. ستانلي كوبريك قال ذات مرة إن إنجاز فيلم يشبه محاولة كتابة «حرب وسلم» وأنت تركب سيارة تصادم في كوني آيلند. وهذا صحيح. لذلك، في «عاشقان»، تُركتُ وشأني. حاولتُ أن أقدّم شيئًا يكون النقيض التام لما بعد الحداثة، ونقيضًا للسخرية التي تضع مسافة بينك وبين ما تشعر به. أستمر في تكرار هذه الفكرة، لكنها مهمّة. أقصد أن نقول إن مشاعرنا مهمّة. الغوص في فن يكرّس نفسه بالكامل لأصالة مشاعرنا. إنه ما يجعلنا ما نحن عليه. يؤكّد شرعية وجودنا. لسنا أسمى من ذلك الخيال، نحن في حاجة إلى ذلك الخيال. ولذلك كنت حريصاً جداً على الاقتراب من الصدق. كلّ شيء آخر لا يساوي شيئًا إذا لم تكن صادقًا مع الفيلم الذي تصوّره. هذا هو رأسمالك الحقيقي. أنا أرى الفنّ كنسختي الخاصة من الدين. لستُ شخصًا متديّنًا. أتمنّى لو كنت. تعجبني فكرة أن أذهب إلى الجنّة إذا كنت رجلًا صالحًا. لكن من الصعب عليّ أن أصدّق ذلك. ما أملكه، في المقابل، هو الفنّ. الفنّ يعلّمني كيف أكون متعاطفًا، وكيف أفهم وعي الآخرين، وهذا هو المهم. لذلك، مع «عاشقان»، كان الأمر أصبح أكثر وضوحًا بالنسبة لي: محاولة تحطيم جدار السخرية، والوصول إلى النقطة التي سأجعلك فيها تشعر بالحرج وأنت تشاهد الفيلم».
5 – «قسوة التجربة ومشقّتها تجد طريقها إلى الفيلم».
«كانت جدّتي تروي قصصًا عن مرورها عبر جزيرة إيليس. وأتذكّر أنني ذهبتُ في جولة إلى الجزيرة. إنه مكان يبعث على الرهبة. أربعون في المئة من سكّان الولايات المتّحدة لديهم سلف مباشر مرّ عبر ذلك المبنى. وهي تقع على جزيرة بُنِيت من ردم الأنفاق التي حُفِرت من أجل مترو نيويورك. أما المبنى نفسه، فهو مذهل، بسقفه المزخرف ببلاطات غوستافينو في تلك القاعة الكبرى. كنت أعرف قصص هؤلاء النساء اللواتي كنّ يُزجّ بهن في ما كان يُسمّى آنذاك بـ«العبودية البيضاء». كان هذا هو المصطلح المستخدم لوصف النساء اللواتي كنّ يُجبَرن على أن يعشن تلك الحياة. لذلك، ودّدتُ أن أنجز «المهاجرة» كنوع من الترجمة البصرية الشبيهة بالأوبرا. سرقتُ الكثير من العناصر الأساسية للقصّة من «لا سترادا». ومرةً أخرى، كانت تجربة العمل مع الممثّلين مبهجة جدًا.

بالنسبة لـ«مدينة زد الضائعة»، فالغابة ليست المكان الذي يريدك أن تنجز فيه فيلمًا. الحشرات والحيوانات لا تكترث لمشاكلك. كانت تجربة استمتعتُ بها كثيرًا، لكنها كانت قاسية ومنهكة. أمضيتُ أربعة أشهر في الغابة. لا أفهم كيف أمكن كوبولا أن يبقى في الغابة أثناء تصوير «القيامة الآن». أعتقد أنه صوّر لمدة 278 يومًا. أتذكّر أننا لم نكن نحتاج إلى ضبط المنبّه، لأن الحشرات كانت تبلغ ذروة نشاطها عند الرابعة والنصف فجرًا، وكانت تصدر ضجيجًا هائلًا. أقمنا في مكان يسمّى «إيكو لودج»، وهو في الحقيقة يعني خيمة بناموسية ودوش من مياه الأمطار. خلال الأسبوعين الأولين كنت أقول في سري: «فعلتها يا رجل. فعلتها كما فعلها كوبولا وهرتزوغ». ثم، بعد نحو أسبوعين، يبدأ شعور بالتشابه والرتابة في التسلل إلى واقعك، إلى جانب الحر والرطوبة الشديدين. كلّ يوم كان يشبه اليوم الذي سبقه. الحشرات توقظك، ثم تصعد إلى الميني فان البيضاء، في الظلام، وتسمع أغصان الأشجار تحتك بزجاج السيارة الأمامي. وكان الرجل الذي يقودني رائعًا، يناديني بـ«السيد جيمس». يقول لي دائمًا: «صباح الخير، سيد جيمس. هل تريد بيضة هذا الصباح، سيد جيمس؟». «بيضة؟ نعم. وكيف ستعدّ البيضة؟». وكان يكسر البيضة فوق لهب، في ذلك المكان المخصّص لنار المخيم. كان لدينا ثلاثة زوارق مطّاطية: زورق التصوير، حيث يكون الممثّلون وما إلى ذلك، وخلفه زورق الشَعر والمكياج والطعام والاحتياجات الصغيرة للطاقم، ثم زورق قسم الكاميرا. وكنّا ننزل مع النهر ونصوّر، إذا لم تكن السماء تمطر. ثم يبدأ المطر، وبشكل موثوق به تقريبًا، عند الثالثة بعد الظهر.

أتذكّر أنه في إحدى المرات كنت في النهر، أصوّر لقطة مقربة لروبرت باتينسون، وفجأةً ظننتُ أنني لمحتُ تمساحًا. فسألتُ سائقي، وكان معي في النهر: «هل توجد تماسيح في هذا النهر؟». فقال: «لا، لا، لا، لا، سيد جيمس. لا توجد تماسيح، فقط كيمن». لا أعرف البتة لماذا قبلتُ بهذه الإجابة، لكنني فعلتُ. فقلتُ: «آه، كيمن. لا بأس». بالطبع، اكتشفتُ لاحقًا أن الكيمن هي تماسيح، باستثناء أنها أكثر شراسةً وخطورةً من التمساح العادي. كنت أراها في قاع النهر. وأقول: «لا، لا، إنها مجرد كيمن. لا بأس». أتذكّر روبرت وهو يقول: «ذلك تمساح هناك. ذلك تمساح يا جيمس. إنه تمساح». فكنتُ أقول: «حسنًا، لا، إنه كيمن يا روبرت. إنه كيمن. لا تقلق». (ضحك). تعرّض أحد أفراد الطاقم لعضّة أفعى سامة. وأصيب شخص آخر بالملاريا. ودخلت حشرة إلى أذن تشارلي هونام وبدأت تحفر طريقها إلى الداخل. واضطررنا إلى نقله جوًا إلى بانكوك. لا يمكنك ببساطة أن تتجنّب أشياء كهذه، لكنها تجد طريقها بطريقة ما إلى الفيلم. قسوة التجربة ومشقّتها تجد طريقها إلى الفيلم. وفي الواقع، أنا أحبّ هذا الفيلم كثيرًا. إنه مختلف جدًا عن أعمالي الأخرى، لكنني استمتعتُ بصنعه. وأحببتُ الجزء البريطاني منه. فجأةً، بدأتُ أتظاهر أنني فيسكونتي، خصوصًا في مشاهد الرقص. كنت أقول: «حسنًا، ضعوا عدسة الزوم، وابتعدوا إلى الخلف باستخدام الزوم». بدأتُ أرى نفسي فيسكونتيًا، أو أحد أولئك الأوغاد الذين يحاولون أن يكونوا فيسكونتيًا. استمتعتُ بالتجربة. والآن، عندما أنظر إلى الفيلم من مسافة، أشعر بمتعة كبيرة تجاهه. وأحببتُ القصّة، لأنها واجهت النظرة الاستعمارية وكيف أن هذا الرجل، وهو رجل أبيض، يذهب إلى هناك، لكنه لا يعثر على المدينة الضائعة. بل يُلتهَم. ويترك زوجته تواجه هذه الخسارة، ثم هذا الغموض الذي لا ينتهي. لمستُ في ذلك شيئًا جميلًا. وأحببتُ الممثّلين. حاولتُ أيضًا أن أوسّع نطاقي. ما عدتُ أريد أن أكرر نفسي والعودة إلى كوينز. أردتُ شيئًا آخر، وهذا الفيلم أتاح لي تلك الفرصة».

6 – «السينما ليست تلك الآلات…».
«مع «أد أسترا»، حاولتُ أفلمة «الأوديسة»، لكن تقريبًا من وجهة نظر تيليماخوس. سعيتُ إلى صنع النقيض لـ«مدينة زد الضائعة». يذهب الأب في رحلة، ثم ينضم إليه الابن في النهاية، لكن القصة تُروى من وجهة نظر الأب. ففكرتُ: حسنًا، سأقلبها. سيكون الابن هو الذي يذهب بحثًا عن أبيه. واجهتُ مجموعة تحديات مختلفة تمامًا عن «زد». كان الوضع مريحًا جدًا بالنسبة لي. صوّرتُ في لوس أنجليس، وكنتُ أعود إلى البيت مساءً وأتناول العشاء. من الغريب جدًا أن تجعل الممثّلين يؤدّون أدوارهم وهم معلّقون على الأسلاك أمام شاشة خضراء. هناك جهاز تقني ضخم إلى هذا الحدّ. وهناك كلّ تلك الأشياء المتعلّقة بالمركبات القمرية، ونحن نصوّر في الصحراء في درجات حرارة هائلة، والناس يرتدون بدلات رواد الفضاء. كان غريبًا جدًا. تضع براد بيت على هذه الأسلاك وتقول له: «حسنًا، اذهب إلى هناك وافعل هذا، وتصرف كما لو أنه لا توجد جاذبية». وهذا في ذاته شكل من أشكال الباليه. وجدتُ نفسي محبطًا بسبب هذا الجهاز التقني. كنتُ أسأل باستمرار: «هل أستطيع أن أصل إلى العاطفة الصادقة، مع وجود هذه الآلة في الطريق؟». لذلك، هناك أشياء عدّة في الفيلم أحبّها. أعتقد أنه رائع بصريًا. لكنني لا أستطيع مشاهدته الآن. أرى الصعوبات التي واجهتها. كنّا نصوّر لقطة واحدة، وكان علينا أن نصوّرها ست عشرة مرة مختلفة من أجل فريق المؤثّرات. ثم ترى رجلًا يتجوّل حاملًا كرة عاكسة، فتسأل: «ماذا يفعل هذا الرجل هنا؟». فيردّون عليك: «هذا من فريق المؤثّرات». وترى هذه الآلية الضخمة كلها، وهي تعرقل العمل. أحب «2001: أوديسّة الفضاء» جدًا وهو أحد أفلامي المفضّلة. لكنني لم أحاول تقليده. ذلك فيلم هو أسطورة الآلهة. أما أنا، فحاولتُ أن أنجز أسطورة الإنسان. وترى مدى صعوبة ذلك عندما تضطر إلى النهوض صباح كلّ يوم ومحاولة تجاوز آلية أقسام المؤثّرات البصرية. هذا أمر شاق للغاية.

بعد «أد أسترا»، قلتُ لنفسي: «حسنًا يا غراي، عليك أن تستعيد ما تحبّه في السينما، لأن السينما ليست تلك الآلات. أردتُ العودة إلى الإنسان من جديد، إلى شيء شخصي جدًا. كنت محظوظًا جدًا لأحظى بتلك الفرصة. لم يكن المشروع مكلفًا جدًا. الفيلم سيرة ذاتية بنسبة 98 في المئة تقريبًا. صوّرنا على بعد 90 قدمًا من منزلي. الأثاث، والأطباق، هي الأطباق نفسها التي في منزلنا. كلّ ما قلته لفريق قسم الديكور هو: «لا تحتاجون إلى أي تعليمات مني. هذا ما عليكم أن تفعلوه». وأعطيتهم ألبومات صور تعود إلى عامي 1978 و1979، وقلتُ: «انسخوا هذا». وفعلوا. عندما أشاهد الفيلم، أشعر وكأنه النسخة الغريبة والمشوّهة من حياتي. كأني أمام صورة معكوسة لا أتعرف إليها تمامًا، لكنني أتعرف إليها في الوقت نفسه. كلّ شخص يؤدّي شيئًا مطابقًا جدًا للشخصية التي يلعبها، لكنه ليس الشخص نفسه تمامًا. لم أرَ الفيلم قط على أنه فيلم عن العنصرية. أعتقد أن العنصرية جزء من المعادلة. لكن اعتبرت أنه يتناول فكرة أن كونك مضطهدًا أو مُضطهِدًا ليس أمرًا واضحًا أو ثابتًا، بل هو في تغير مستمر. يمكن مجموعة ما أن تعتقد أنها تكتسب أفضلية، وأحيانًا يكون ذلك على حساب مجموعة أخرى. وأحيانًا لا تكون لديها أصلًا تلك الأفضلية التي تتصوّر أنها تمتلكها. أما حضور عائلة ترامب، فببساطة لأن ذلك حقيقي. إنه جزء من طفولتي. كان فريدريك ترامب يدير المدرسة التي أرتدتها. وللمناسبة، هل تعرفون مَن كان يتشارك ودونالد ترامب السكن في المدرسة العسكرية؟ فرنسيس فورد كوبولا».
7 – «كلّ مخرج يسرق، وبجنون! فكرة الجِدّة عليكم أن تتخلّصوا منها. الجِدّة للرأسمالية».
«بالنسبة لمشهد إطلاق النار في الأحراج مع آدم درايفر واستلهامي من ماساكي كوباياشي، لنكن صرحاء: كلّ مخرج يسرق، وبجنون! شاهدوا «العربة الشبح»، وهو فيلم صامت، ثم شاهدوا «ذا شاينينغ»… سأخبركم قصّة: عندما كنت أجري البحوث من أجل «أد أسترا»، شاهدتُ كلّ فيلم خيال علمي أُنجِز على الإطلاق. وذات يوم وقعتُ على فيلم ألماني صامت من أفلام الخيال العلمي يعود إلى عام 1925. فيلم طويل ومملّ، لا ينتهي. الفيلم كان سلّة قمامة. وأنا أشاهده، وكانت الساعة تشير إلى الثانية فجرًا، ظهرت فجأة، بعد نحو ساعة على انطلاق الفيلم، لقطة متناظرة لمركبة فضائية أسطوانية، والرجل يمشي مقلوبًا رأسًا على عقب. وإذا بها تمامًا مثل لقطة مضيف الطائرة في «2001». فقلتُ: «حسنًا يا كوبريك. عليّ أن أستيقظ باكرًا جدًا حتى أتمكّن من خداعك». لقد فعلها وسرقها من هذا الفيلم. لا يوجد أي شك. كما سرق في السابق من «العربة الشبح».

الجميع يسرق. لكن السؤال هو: «هل أكشف الحقيقة، أم أكون مليئاً بالهراء وأدّعي أنني أكثر شخص أصالةً في العالم؟». لا، سأقول الحقيقة. سرقتُ هذا من هنا من أجل هذا، وهذا من أجل ذاك. والسبب هو أن هذا هو الغرض منه أصلاً. فكرة الجِدّة عليكم أن تتخلّصوا منها. الجِدّة للرأسمالية. «هذا النوع من الصابون جديد ومحسَّن، ولذلك عليكم شراء المنتج الجديد». لا. هذا ليس ما يفعله الفنّانون. الفنّانون يذكّروننا بمَن نكون داخل هذا الامتداد المتواصل. يذكّروننا بأننا لم نتغير، وبأننا كنّا دائمًا وسنبقى كما نحن، وبأن همومنا إنسانية وحقيقية. وهذا لا علاقة له بالجِدّة. هل يعني هذا أن عليك أن تجلس وتعيد تدوير الكليشيهات؟ لا. أنت تعيد اختراع الأشياء من خلال الحفاظ على ذاتك، لأن هناك نسخة واحدة فقط منك. إذا كان العمل يحمل طابعًا شخصيًا، وإذا كنت صادقًا مع نفسك، فسيكون عملًا يتحدّث بصوتك أنت. لكن فكرة أن عليّ أن أبتكر شيئًا جديدًا، فلا. لأن ذلك يعني أنك أصبحتَ مهتمًا بالابتكار من أجل الابتكار، بالشيء الجديد لمجرد أنه جديد. وعليّ أن أقول إن هناك كثيرًا من النقّاد الذين يفهمون هذا، وهذا أمر رائع. وهناك بعضهم، بصراحة، لا يفهمونه، ويقولون: «هذا جديد، هذا طازج». ما هو «طازج» اليوم، يفسد غدًا. لا تجعلوا ما تفعلونه مرتبطًا بما هو طازج. ليكن صادقًا، نابعًا من القلب.

قصّة كوباياشي غير صحيحة. هذه مسألة أسلوب. المشهد مستمد من تجربة حدثت لي ولأخي عندما تهنا وسط أعشاب طويلة، ومن مدى الرعب الذي شعرنا به وقتها. العاطفة التي يحملها المشهد جاءت ممّا عشته. ما العدسة التي استخدمها كوباياشي؟ ماذا صوّر بنظام الشاشة العريضة؟ كيف استخدم الكاميرا؟ هذا مهم أيضًا، لا تفهموني خطأ. لكن يجب أن تأتي من داخلك وتجربتك. في «نمر ورقي»، لم أشاهد أي شيء بغرض الاستلهام. عادةً أفعل ذلك. أجعل الطاقم كلّه يشاهد أفلامًا معينة، ويكون الأمر مثيرًا جدًا. لكن في هذا الفيلم، سرقتُ من الذاكرة. كوني سينيفيليٌ، فهذا ينتقل تلقائيًا إلى الشاشة».
8- «نحن في حاجة إلى التركيز على الجمال والتسامي، وعندها سنتمكّن من صدّ الذكاء الاصطناعي».
«لا يوجد شيء يمكنكم فعله حيال الذكاء الاصطناعي. لكن حتى لو كان هناك ما يمكن فعله، فأنا أملك إيمانًا كبيرًا إنه لن يستولي علينا. سؤالي لكم: «هل كنتم ستشاهدون الألعاب الأولمبية إذا كان جميع المشاركين فيها روبوتات؟ تخيلوا روبوتًا يتزلّج، أو روبوتًا يلعب كرة السلّة، ونحن نقول: «هذا أطول روبوت. هذا الروبوت يجيد الـ«دانك» بشكل رائع». هل كنتم ستشاهدون ذلك؟ لا، لن تشاهدوه. سيكون أسوأ شيء على الإطلاق. المغزى كله هو أن مَن يقوم بهذه الأشياء المذهلة هم بشر مثلنا. لذلك، أعتقد أن قدرًا معينًا من ذلك التعبير العاطفي الذي يصنعه الإنسان بيده، لن يختفي منّا أبدًا. ولا أعتقد أن على الممثّلين أن يقلقوا. لن يحل الذكاء الاصطناعي محلّهم. ولا ينبغي للمخرجين أن يقلقوا أيضًا، لكن يمكن أن يحل الذكاء الاصطناعي محلهم إذا سمحنا له بذلك. بمعنى آخر، إذا لم نطالب الشركات بأن تقدّم لنا الشيء الحقيقي، وإذا اكتفينا بـ«ماكدونالدز»، فسوف نخسر. أما إذا طالبنا بشيء نابع من بيئتنا، أو يحمل نوعاً من الخصوصية والتميّز، فسوف ننتصر. كلّ القوة في أيدينا. القرار كله بأيدينا.
9 – «أستطيع أن أشرح الرسم بدرجة أقل بكثير ممّا أستطيع أن أشرح الأفلام».
«إني رسّام ممتاز من الناحية التقنية. لو أعطيتني لوحة وقلتَ لي: «ارسمها»، لاستطعتُ رسمها بأسلوب واقعي جدًا. لديّ مستوى عالٍ من المهارة التقنية، لكنني رسّام سيئ، لأن قدرتي على رسم زجاجة «سان بيليغرينو» بدقّة متناهية لا تعني شيئًا. لديّ هوس كبير بالفنّ، بالفنّ في كلّ أشكاله. الفنّ الوحيد الذي لم أتثقّف فيه هو الباليه. عندما كنت طفلًا، كان والداي يصطحباننا إلى عروض الباليه في نيويورك، وكنت دائمًا أشعر بالحزن على الراقصات، لأن عليهن أن يقفن على أطراف أصابعهن.
هناك الكثير من الرسّامين العظماء عبر التاريخ، وهم يؤثّرون فيّ بشدّة. بل إنهم، في بعض الأحيان، يحفّزونني، إن جاز لي القول، أكثر ممّا تحفّزني السينما. أستطيع أن أشرح الرسم بدرجة أقل بكثير ممّا أستطيع أن أشرح الأفلام. في وسعي أن أشرح لك كيف يمكن لعدسة، أو لكاميرا، أو للطريقة التي يسقط فيها الضوء على وجه الممثّل، أن تخلق إحساسًا أو عاطفة. لكنني لا أستطيع أن أشرح لك جورجو دي كيريكو. لا أستطيع أن أشرح لك كارافاجو. لا أستطيع أن أشرح لك جاكسون بولوك، أو مارك روثكو، أو بارنيت نيومان. لا أستطيع أن أشرح لك إدوارد هوبر. لا أستطيع أن أشرح لك كلّ هؤلاء الفنّانين.
أعشق الرسم! أعتقد أن هذا جزء من السبب الذي يجعل المبدعين يمتهنون الفنّ. يمكنك أن تطرح كلّ النظريات التي تريدها، لكن الحقيقة هي أن الفنّانين يعملون فعلًا لأن… أنا مثلًا، أحبّ ملمس الطلاء على القماش، طلاء الزيت. لا أحبّ الألوان المائية. أحب الكشط بالسكين، بسكين الألوان، وكلّ تلك الأشياء. الأمر عندي شديد الارتباط باللمس. وفي السينما، أكثر ما أفتقده هو تمرير شريط السيللولويد بين أصابعي. هذا اختفى. ما زلتُ أصوّر على الفيلم، وهذا شيء أحبّه، لكن ذلك الإحساس الملموس اختفى. وأعتقد أن هذا هو السبب الحقيقي الذي يجعلنا نختار الفنّ».
10 – «السينما الخرائية هي التي لا تتحدّث عن الانقسام الموجود في أرواحنا ولا تعترف بحقيقة متأصّلة في الإنسان».
«ترامب شخصية غير مثيرة، إنه عرضٌ لمشكلة، وليس سببًا لها. ترامب أشبه بعودة موسوليني إلى الواجهة، أو أي ديكتاتور آخر من طراز الطغاة الصغار، الفاشلين، أولئك الذين يحكمون بقبضة من حديد رغم ضآلة شأنهم. والتاريخ قاسٍ عليهم على النحو الذي يستحقّونه. ولا أعرف أي نوع من النقاش يمكنني أن أخوضه من شأنه أن يسلّط ضوءًا إضافيًا مثيرًا على شخص مثل هذا.
ما يمثّله بالنسبة لي هو التالي: عندما يكون لديك نظام اقتصادي قائم على السوق، مع ما له من قوة وحشية قادرة على تحويل الناس إلى ما هو أكثر قسوةً، فإنه يحفّز القسوة، وانعدام الحساسية، والعنف. إذا دخلنا في مفاوضات، فإن الشخص الذي يملك نفوذاً أكبر هو الشخص الذي يكترث بدرجة أقل. إذاً، النظام يحفّز عدم الاكتراث. هذا النظام يحفّز غياب الحنان. إنه لا يريد الحنان. إذا كنت رقيقًا وحسّاسًا، فأنت أحد سذّج الحياة الذين يُستغلّون بسهولة. إنه يحفّز التعامل مع كلّ شيء بوصفه صفقة ومعاملة.

فماذا يعني ذلك بالنسبة إلى المبدعين؟ كيف نتعامل مع هذا الأمر؟ وجوابي لن يسعدكم. جوابي هو: نتجاهله. ليس بمعنى أن لا نكترث. فهذان شيئان مختلفان تمامًا. لكنني أعتقد أنه إذا حاولنا مهاجمته فسنخسر. وظيفتي كفنّان هي أن أشرح لكم ما أعتقد أنه خطأ في العالم، وأن أحاول تحويل ذلك إلى فنّ. ليست وظيفتي أن أقدّم حلًا. هذه إخفاقات النظام السياسي والاقتصادي. لا تسمحوا للسوق وللشركات بتحميل الفنّانين مسؤولية حلّ هذه المشاكل. أن تكونوا، بالمعنى السياسي البسيط، أداة دعاية وتحريض (agitprop) للجانب «الصحيح»، أعتقد أن هذه معركة خاسرة. وظيفتنا كفنّانين هي أن ننقل انطباعاتنا الصادقة عن ذواتنا الحميمة. هذا كلّ شيء. إذا بدأنا بمحاولة الانحياز إلى طرف، فسوف نخسر الناس، لأنهم سيبدأون عندها بالشعور بأننا نتحدّث إليهم من موقع أعلى. ما يهم هو أن تنتصر عندما تعبّر عن نفسك بالكامل وبصدق، عندما يكون خطابك صادقًا. هذه نقطة مهمّة جدًا. لماذا أحبّ «القيامة الآن»؟ عندما عُرض، أتذكّر أن كثيرين قالوا: «هناك الكثير من الفاشية في هذا الفيلم». بالتأكيد، اللعنة! لكن ما يقوله لنا فرنسيس كوبولا هو: «هذه موجودة في داخلنا». نعم، إنها بشعة. بوم-با-دا-بوم-بوم-بوم-با-دا-بوم. كم هذا مذهل. المروحيات ستدمّر كلّ شيء، وهذا أمر فظيع. لكن هذا كله نحن. القبح فينا نحن. لو كان كوبولا فنّانًا أكثر «صوابيةً» من الناحية الأخلاقية، لقال: «لا، أنا فوق ذلك. لستُ فاشيًا». وعندها كنّا حصلنا على عمل فنّي أقل أهميةً.
لذلك أعتقد أننا في حاجة إلى الاعتراف بالقبح الموجود في دواخلنا. عندما نذهب إلى المهرجانات ونقول للقائمين عليها: «سندافع عن هذا الشخص، وسننتصر لهذا الموقف، الخ»، فنحن نقدّم سينما تصبح على الفور قديمة. هذه سينما خرائية، لأنها لا تتحدّث فعليًا عن الانقسام الموجود في أرواحنا. لا تعترف بحقيقة متأصّلة في الإنسان. دونالد ترامب موجود لسبب. إنه يأتي من أعماقنا. وهذا أمر فظيع. هتلر كان موجوداً لسبب. كان موجودًا في داخل الناس. لا يمكن الهروب من هذه الحقيقة. لذلك، بالنسبة لي، على الفنّ أن يواجه شيئاً قبيحاً. نحن لا نريد الاعتراف بذلك. لا يمكننا أن ننجز فنًّا يروّج للجانب «الصحيح»، ما هو صحيح أخلاقيًا اليوم قد يُنظَر إليه بعد فترة على أنه فاحش أو بغيض. نحن لا نملك الحكم النهائي على الأخلاق والقيم. طريقتي أنا هي أن أكون صادقًا، قدر المستطاع، حيال كلّ ما أمرّ به، وإذا كره الناس ذلك، فلا يمكن أن أفعل شيئًا حياله».
اقرأ أيضا: «لست مخرجًا جيدًا للممثلين»… جيمس غراي يكشف فلسفته في التمثيل