كانت المرة الأولى التي أنتبه فيها لاسم الممثلة أوليفيا وايلد مخرجةً من خلال وثائقي الناقد السينمائي والمخرج الآيرلندي مارك كازينز «قصة الفيلم: جيل جديد» (2021)، والذي يُعدّ تتمة لسلسلته الوثائقية الاستثنائية الممتدّة لخمس عشرة ساعة عن تاريخ السينما والمعنونة «The Story of Film: An Odyssey».
امتدح كازينز فيلم وايلد الأول «Booksmart» باعتباره فيلمًا يُوسّع آفاق الكوميديا السينمائية في القرن الحادي والعشرين. شاهدتُ الفيلم ووجدته لافتًا ولا يخلو من لمسات تجديد وابتكار. جاء فيلمها الثاني «لا تقلقي يا عزيزتي»، الذي ينتمي إلى عالم الغموض والإثارة النفسية، مُحبِطًا على جميع المستويات.

هنا، في «الدعوة»، تعود وايلد إلى الكوميديا مجددًا، مستعيدةً حيوية تجربتها الأولى وطموحها في عمل هو الأنضج بلا شك بين أفلامها الثلاثة.
عُرض فيلم «الدعوة» لأول مرة في «مهرجان صندانس السينمائي» 2026، وهو اقتباس جديد للفيلم الإسباني «عاطفي – Sentimental» للمخرج سيسك جاي، الذي سبق اقتباسه إلى لغات أخرى. الفيلم الصادر عام 2021 معروف أيضًا باسم «الناس في الطابق العلوي».
في حوار معها، تروي وايلد أنها فكرت في ما الذي يجعل فيلمًا مثل هذا صالحًا لأكثر من اقتباس عبر لغات مختلفة، وما توصّلت إليه كان يدور حول فكرة أنّ ألم العلاقات واحد في جميع اللغات. تبدو نسخة وايلد، التي كتب السيناريو لها رشيدا جونز وويل ماكورماك، أكثر انغماسًا في البناء النفسي للشخصيات وأكثر جرأة وإقناعًا. فيلم وايلد أفضل بكثير وأكثر طموحًا مما يتوقّعه مُشاهد من اقتباس جديد لفيلم إسباني متوسّط المستوى.
دعوة للعشاء أم ذريعة أخيرة لمواجهة الحقيقة؟
يبدأ السرد من داخل رأس جو (سيث روجن)، فتتناهى إلينا أصوات مرح وانسجام جو وأنجيلا (أوليفيا وايلد)، في محاولة لأن يعزفا معًا لحنًا على البيانو. صور الذكرى السعيدة خاطفة ومشرقة، تتداخل مع اقتباس لأوسكار وايلد: «يجب على المرء دومًا أن يكون في حالة حب، ولذلك لا ينبغي أن يتزوّج أبدًا». تقطع وايلد على جو وحيدًا في مسرح مدرسي، وما تبقى في رأسه من صوت الذكرى بدا على شريط الصوت مثل صدى بعيد. تخبرنا الكآبة البادية على وجهه الآن كم هو بعيد ذلك الحبّ.

يبدو أنّ جو يلمس في أعماقه نهاية الحبّ الذي كان يجمعه بأنجيلا، لكنه غير قادر على مواجهة هذه الحقيقة. حين يعود إلى مسكنه وتخبره أنجيلا بأمر دعوتها الليلة لجارَي الطابق الأعلى إلى العشاء، تصبح كل جملة حوار بينهما تقريبًا مناسبة لاتهامات عدائية ضدّ الآخر، وهو ما يمنحنا صورة واضحة لما فعله الزواج بعلاقة الحبّ. سنوات طويلة من الاستياء وخيبة الأمل والغضب على وشك أن تنفجر الآن جراء هذا اللقاء مع زوجَي الطابق الأعلى.
نحن أمام زوجين إذًا يدركان، على نحو غير واعٍ، حقيقة ما آلت إليه علاقتهما بعد زواج ممتدّ، من دون قدرة على مواجهة ذلك، ومن ثم تأتي هذه الدعوة بمثابة تجسيد خارجي يدفعهما إلى رؤية ما أنكراه أو تجاهلاه. هذه الدعوة إذًا ليست أكثر من ذريعة لمواجهة الحقيقة.
تحدّث عالم النفس الكبير كارل يونغ عن فكرة أنّ ما لا نقبله في داخلنا يظهر لنا في العالم الخارجي، وكأنّ عقلنا اللاواعي يجذبنا نحو مواقف بعينها ليُجبرنا على عيش تلك الحقيقة رغمًا عنا.
بيت من المرايا: لعبة ممتدّة بين الظلال
يُعرّف كارل يونغ الظلّ على أنه الجزء المخفي من ذاتنا الذي نتجاهله أو نكبته. يرى أنّ ما لا ندركه في أنفسنا نراه في الآخرين، ويثير نفورنا أو رغبتنا.

يصير اللقاء بين جو وأنجيلا وزوجَي الطابق الأعلى مثل بيت من المرايا. حتى قبل زيارة الزوجين بينا (بينلوبي كروز) وهوك (إدوارد نورتون) لمسكنهما، كانت أصوات ممارسة الجنس بينهما تثير غضب جو واستنكاره وفضول أنجيلا ورغبتها. كانت مرآة أولى لموت الجنس بينهما، إذ لم يبقَ بينهما ما يُعيد إشعال فتيل الرغبة.
حين نلتقي زوجَي الطابق العلوي، فإنهما يمثّلان كلّ شيء توقّف جو وأنجيلا عن كونه: الرغبة والفضول والانفتاح. لكن بينا وهوك ليسا مرآتين خالصتين؛ إذ يكشف لهما لقاؤهما بزوجَي الطابق السفلي ضعفهما أيضًا. تصحيح هوك المتكرّر للغة بينا يشير إلى شخصية تُحاول فرض سيطرتها عبر نقاط ضعف الشريك، بينما يكشف انزعاج بينا انعدام أمان عميقًا يُعبّر عن نفسه في غير محلّه.

تخدم علاقة بينا وهوك الشكوك التي تُلقيها سردية الفيلم حول الزواج على أنه قاتل للحب، فعلاقتهما المفتوحة لا تشير إلى الانفتاح بقدر الخوف؛ فكلاهما خرج مؤخرًا من علاقة مؤلمة مات فيها الحبّ، ومن ثم فالهلع بداخلهما من تكرار ما حدث هو ما يقود علاقتهما.
ينجح السيناريو بذكاء ووعي في حشد عدد من الإشارات التي تشير إلى ما يختفي تحت سطح الشخصيات؛ حقيقة مشاعرهما ومآل علاقتهما، قبل أن تنفجر الاعترافات لاحقًا. بيانو جو الذي لا يُمسّ، وموسيقاه القديمة التي يقاوم تشغيلها كي لا تُثير مشاعره المؤلمة بالفشل، مثل محاولات أنجيلا المستمرّة لتجديد الشقة… كلّها مناورات لتجنب مواجهة الجرح. يبدو الفيلم في مجمله مثل جلسة علاج نفسي ممتدّة، حافلة بالمواجهات والاعترافات، وتترنَّح بين الإنكار والتقبل.
حين تعلن بينا قُرب نهاية الفيلم أنها ترى أنّ العلاقة بينهما قد انتهت، فإنّ رد فعلهما يجيء مثل إيماءة صامتة بالقبول، وكأنه تسليم فقط بحقيقة طالما شعرا بها في أعماقهما. في النهاية، يرحل زوجا الطابق الأعلى من دون وداع، كأنهما اختفيا بعد أداء مهمّتهما.
تجاوز الفخّ المسرحي للحكاية
باستثناء مقدّمة الفيلم، تدور أحداثه بالكامل في منزل جو وأنجيلا. نحن أمام لقاء بين أربع شخصيات في مساحة داخلية، لكن إخراج وايلد ينقذ فيلمها من هذا الفخّ المسرحي. بداية من تصميم المكان الذي يجمع بين الكلوستروفوبيا والانكشاف، فالنوافذ والمداخل والمرايا تجعل من الصعب الاختباء داخل هذه الشقة.

تلجأ وايلد أيضًا إلى تكوينات تعكس المسافة العاطفية بين الشخصيات أو ديناميات القوة المتغيّرة في العلاقة. تحافظ على وضوح حركة الكاميرا، مع قطعات مونتاج شديدة الحيوية، ما يُسهم في خلق جوّ متوتّر وغير مريح أو إيقاع كوميدي أحيانًا.
تنجح إذًا في تحويل حفل عشاء في مكان واحد، ويغلب عليه الحوار، إلى مشهدية سينمائية صاخبة ومتبدّلة وذات ثراء بصري واضح. تبرع وايلد في استخراج أداء تمثيلي بديع من طاقم ممثليها، لا يخلو من طبيعية وحسّ ارتجال واضح.
كما توازن بين الكوميديا المُوتِّرة والمثيرة للحرج وبين نظرة حزينة ومؤثرة إلى موت الحبّ. يعود الفضل في ذلك أيضًا إلى نصّ رشيدا جونز وويل ماكورماك، الذي يوازن بين الصراحة العاطفية والكوميديا، حيث تفضي النكات إلى اعترافات صادمة وصادقة.

تدين وايلد بعملها شكلًا ومضمونًا لسينما وودي آلن وأفلام مايك نيكولز. تهدي فيلمها أيضًا لديان كيتون، شريكة آلن في عدد من أفضل أعماله. لطالما كانت كيتون مصدر إلهام شخصي لوايلد، بكونها إحدى أيقونات هوليوود الأكثر أصالة واختلافًا.
نهاية مفتوحة على موت الحبّ أو ميلاده مجددًا؟
حين يرحل جارا الطابق الأعلى، يبدأ جو وأنجيلا في ترتيب انفصالهما. تذهب للنوم في غرفة النوم، وهو إلى مكتبه. يبدأ جو، بعد طول غياب، في العزف على البيانو، ثم تنضمّ زوجته إليه ليعزفا سويًا كما في الأيام الخوالي. ينتهيان من العزف، تميل برأسها على كتفه ويميل برأسه على كتفها. إنه الكادر الأكثر رقة ودفئًا وانفتاحًا في فيلم وايلد، ورغم أنّ الكادر مصوَّر مثل إطار داخل إطار، والذي يعني عادة نوعًا من الحصار، فإنّ الغرض هنا هو إبراز هذه اللحظة عبر التأطير المزدوج لها.
تتناقض نبرة هذا المشهد مع المشهد السابق الذي يناقشان فيه انفصالهما. كانت بينا قد أشارت في حوارها معهما إلى إمكان عيش أكثر من قصة حبّ مع شريك واحد. هل ينفصلان إذًا أم أنّ هناك أملًا في ميلاد جديد للحبّ بينهما؟ تُبقي وايلد نهايتها غامضة، وعلى المُشاهد أن يُقرّر.
اقرأ أيضا: «المنزل الأخير»… عندما يستعير مخرج الحركة لغة الرعب ولا يتقنها