فاصلة

مقالات

إيزابيللا وآسيا وفيرجيني وغيرهن… عن البنات والآباء في لوكارنو

Reading Time: 6 minutes

إيزابيللا روسيلليني: قد لا تكون أعظم ممثّلة في التاريخ، ولعل كثيرين سيجدون صعوبة في استحضار أدوار محدّدة لها، باستثناء ذلك الذي صنع شهرتها، إلا أن سيرتها تظلّ مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالفنّ السابع، أمام الكاميرا وخلفها. حينًا بسبب مسيرتها وحينًا آخر بسبب الأسماء التي أحاطت بها وشكّلت جزءًا من تكوينها الفنّي والإنساني.

الممثّلة السبعينية التي كرّمها مهرجان لوكارنو (5 – 15 أغسطس) في افتتاح دورته الجديدة مساء الأربعاء الفائت، وُلدت ونشأت في أحشاء السينما. فهي ابنة أحد أعمدة «الواقعية الإيطالية الجديدة»،

إيزابيللا روسيلليني
إيزابيللا روسيلليني- لوكارنو (2026)

العملاق روبرتو روسيلليني، صاحب «روما مدينة مفتوحة» و«ألمانيا عام صفر»، وغيرهما من التحف التي ألهمت أجيالاً من السينمائيين. أما والدتها فإنغريد برغمان، النجمة السويدية التي كتبت يوماً إلى روسيلليني تطلب منه دورًا، أيّ دور، في أحد أفلامه. كيف يمكن من أبصرت النور في بيت كهذا ألا تجد طريقها إلى الفنّ؟

لكن الطريق لم يكن مفروشًا بالورود أمامها. قبل أن تصبح اسمًا معروفًا على الشاشة، عملت في مجال الأزياء داخل استوديوهات والدها، ثم خاضت تجربة الصحافة التلفزيونية في إيطاليا، قبل أن تدخل عالم عرض الأزياء وتشقّ طريقها تدريجاً نحو التمثيل. إيزابيللا شخصية عابرة للحدود، اجتمع فيها البريق الأميركي والأناقة الإيطالية والحس الأوروبي الرفيع.

Blue Velvet (1986)
Blue Velvet (1986)

يصعب وضعها في قالب واحد. مسيرتها لا تخضع للتصنيف السهل، وأدوارها تكشف عن تنوّع لافت لا يجمعه سوى فضولها الدائم تجاه العالم. تتحدّث لغات عدة، وتتوزّع اهتماماتها بين السينما والغناء والدفاع عن القضايا البيئية، لتبقى أكثر من مجرد ابنة لشخصين أسطوريين: هي وارثة، لكنها صنيعة نفسها.من سخرية القدر أن يُعرض «سائق التاكسي» أيضًا في المهرجان، في مناسبة مرور خمسين عامًا على عرضه الأول. لكن لماذا سخرية القدر؟ السبب بسيط: لأن علاقة عاصفة جمعت روسيلليني بمارتن سكورسيزي في أواخر السبعينات، ولم تكن مجرد فصل عابر في حياتهما الشخصية. تقاطعت العلاقة مع مرحلة مفصلية في المسارين الفنيين لكليهما. مارتن وإيزابيللا تزوّجا قبل أن ينفصلا بعد نحو أربع سنوات، وهي الفترة التي كان خلالها سكورسيزي وقّع أحد أبرز أفلامه، «الثور الهائج»، فيما كانت روسيلليني تنتقل تدريجًا من عالم الأزياء إلى السينما، قبل أن يكرّسها دورها في «مخمل أزرق» (1986) واحدة من أكثر ممثلات جيلها تميزًا.

إيزابيللا روسيلليني ومارتن سكورسيزي
إيزابيللا روسيلليني ومارتن سكورسيزي

بعد سنوات، عاد الاثنان إلى تلك العلاقة بنبرة يغلب عليها الاحترام والصراحة. وصفت روسيلليني سكورسيزي بأنه مخرج استثنائي، لكنها تحدّثت أيضًا عن صعوبة العلاقة معه كشريك عاطفي. ومن هنا تعود إلى الواجهة نظرية سينيفيلية لطالما أثارت الفضول: إذ روت روسيلليني أن سكورسيزي، بعد انفصالهما، أخبرها بأن ارتباطه بابنة المخرج الإيطالي الكبير كان «بالغ الأهمية بالنسبة إليه». ربما

كان يرى فيها، بطريقة ما، امتدادًا لإرث روبرتو روسيلليني؛ أبًا سينمائيًا رمزيًا، أو جسرًا إلى عالمه الفنّي، هو الذي لم يخفِ يومًا هوسه بالسينما الإيطالية التي شاهدها وهو طفل. هذه ظاهرة غير نادرة في تاريخ السينما، حيث وجد بعض المبدعين في قربهم من أساتذتهم أو من أبناء هؤلاء الأساتذة نوعًا من الأبوة الفنية، بحثًا عن اعتراف أو انتماء إلى سلالة.

سكورسيزي ليس الرجل السينمائي الوحيد المرتبط بسيرة روسيلليني الذي يحضر في لوكارنو. فديفيد لينتش، وفيلمه «جامح القلب» الذي فاز بـ«السعفة الذهبية» في كانّ مطلع التسعينات، يعود أيضًا إلى الشاشة، وهو عمل تمتزج فيه المخدّرات والجنس وموسيقى الروك، لصنع كوكتيل بصري مشبّع بالقلق والاضطراب الوجودي.

ديفيد لينش وإيزابيلا روسيليني أثناء عرض بلو فيلفيت (1986)
ديفيد لينش وإيزابيلا روسيليني من كواليس Blue Velvet (1986)

أما الرابط مع إيزابيللا، فيعود إلى العلاقة التي جمعتها بلينتش والتي استمرت نحو خمس سنوات، بعدما التقيا خلال تصوير «مخمل أزرق»، الفيلم الذي أدّت فيه دور دوروثي فالنس، إحدى أكثر الشخصيات خلودًا في ذاكرتنا. تحوّلت علاقتهما آنذاك إلى واحدة من أشهر الشراكات بين مخرج وممثّلة.

بعد انفصالهما، حافظ الاثنان على علاقة ودّية، وظلّت روسيلليني تتحدّث عن لينتش بالكثير من الإعجاب والدفء، معتبرةً أنه من المخرجين الذين منحوا الممثّلين حرية اكتشاف طبقات جديدة في شخصياتهم، لا مجرد تنفيذ رؤية.

روبرتو، ديفيد ومارتن: ثلاثة أسماء كبرى، ثلاثة عوالم سينمائية مختلفة، التقت جميعها عند إيزابيللا. لكنها لم تأتِ إلى لوكارنو وحدها. فقد جمعها المهرجان بآسيا أرجنتو التي تُعطَى جائزة عن مجمل مسيرتها. انها الممثّلة والمخرجة المتمردة، ابنة المخرج داريو أرجنتو. لا نعرف إن كان هذا اللقاء مقصودًا أم مجرد مصادفة برمجية، لكن لوكارنو، من خلال هذا التقاطع بين مسارين متناقضين في الشكل ومتقاربين في العمق، نبش في طبقات سينما تنتقل من جيل إلى آخر، ومن إرث هائل إلى رغبة في التجاوز.

آسيا أرجنتو
آسيا أرجنتو

هاتان الممثّلتان هما ابنتا سلالتين سينمائيتين مختلفتين، لكنهما تلتقيان في الشغف. تحمل روسيلليني ذاكرة العصر الذهبي للسينما، إرثاً عابراً للحدود تتقاطع فيه الواقعية الجديدة مع هوليوود الجديدة، وأوروبا مع أميركا. أما آسيا أرجنتو، فتنتمي إلى الوجه الآخر من هذه السلالة: الوجه الأكثر تمردًا، ابنة مخرج وسّع حدود الجماليات في سينما الرعب.

وهكذا، يضعنا لوكارنو أمام لقاء بين أضداد، لكنه أيضًا أمام سؤال ماذا يفعل الأبناء بالإرث الذي يرثونه؟

من النادر أن نجد مهرجانًا ثقافيًا يحتفي بأسماء فنية تخفي وراءها كلّ هذه السير المتقاطعة، وهذه العلاقات غير المرئية التي لا تظهر إلا عندما تلتقي الأسماء في مكان واحد. صحيح أن علاقة إيزابيللا بوالدها لم تكن دائمًا مثالية أو خالية من التعقيدات، خصوصًا بعد انفصال والديها، إلا أن ذلك لم يمنعها من الاحتفاظ بمشاعر عميقة تجاهه. لطالما تحدّثت عنه بإعجاب وحنان، لكنها لم تنكر أيضًا المسافة التي طبعت جزءًا من طفولتها، اذ انه كان رجلًا غارقًا في مشاريعه السينمائية وفي حياته العاطفية المضطربة.

هنا يكمن الفارق الأبرز بينها وبين أرجنتو. فالتعقيد في علاقتها بالأب لم يتحوّل إلى قطيعة مع إرثه، ولا إلى رغبة في التحرر منه عبر هدمه رمزيًا. فهي اختارت أن تتحاور مع هذا الإرث بغية تحويله إلى حيز للحرية. أما آسيا، فقد وجدت نفسها منذ البداية في مواجهة اسم سبقها وحاصرها: اسم داريو أرجنتو، الذي كان يمكن أن يحبسها في صورة «ابنة المخرج الشهير». لذلك اتخذ مسارها طابعًا صداميًا، ولطالما تحدّثت عن صعوبات علاقتها بوالدها وعن حاجتها إلى بناء هوية مستقلة بعيدًا من ظلّه، وأحيانًا في مواجهته.

فيرجيني إفيرا
فيرجيني إفيرا

ثلاث ممثّلات أخريات يكرَّمن أيضًا في لوكارنو، ثلاث حكايات مختلفة عن الطريق إلى السينما: البلجيكية الفرنسية فيرجيني إفيرا، والأميركية ذات الأصول الدومينيكانية زوي سالدانا، والأميركية لوسي ليو (من أصول تايوانية). هؤلاء لا ينتمين إلى سلالات سينمائية ورثنها عن آباء مشهورين، لذلك هن يجسّدن نموذجًا آخر: فنّانات اضطررن إلى بناء شرعيتهن بأنفسهن، بعيداً من الأسماء الجاهزة ومن الطرق المعبّدة نحو النجومية. فيرجيني إفيرا تجسّد قصة تحوّل. بدأت مسيرتها في التلفزيون كمقدّمة برامج، وهو ماضٍ ظلّ لفترة طويلة يطارد صورتها كممثّلة. كان عليها أن تتجاوز الصورة الخفيفة والترفيهية التي التصقت بها، وأن تثبت تدريجًا قدرتها على حمل أدوار أكثر عمقًا. لم يكن هناك أب سينمائي يتعين عليها التحرر من ظلّه. كان عليها أن تتحرر من صورة سابقة صنعتها بنفسها. من الكوميديا إلى الدراما، ومن الشاشة الصغيرة إلى واحدة من أبرز ممثّلات جيلها، بنت إفيرا مسيرتها على التحوّل المستمر، إلى أن أصبحت اسمًا يثق به مخرجون كبار، من فرهادي إلى هاماغوتشي. لكن تجاوز الصورة الأولى أليس نوعًا من تجاوز «أبوة» رمزية؟ ألا تبدأ كلّ هوية فنية جديدة أحيانًا بقتل الصورة التي سبقتها؟

Avatar (2009)
Avatar (2009)

أما زوي سالدانا فتمثّل نموذجًا مختلفًا. هذه ممثّلة صنعت مكانتها داخل هوليوود من دون أن ترث أي امتياز سينمائي يفتح لها الأبواب. ابنة عائلة مهاجرة، دخلت صناعة لم تكن دائماً تمنح المساحة الكافية للوجوه الخارجة عن تقاليدها القديمة. بدأت من الرقص قبل أن تنتقل إلى السينما، ثم شقت طريقها لتصبح واحدة من أكثر النجمات حضورًا في الأفلام الضخمة، من «أفاتار» إلى «ستار تريك». إذا كانت غيرها من الممثّلات قد خضن معركة التحرر، فإن سالدانا خاضت معركة مختلفة: تجاوز الحدود التي تضعها الصناعة أمام مَن لا ينتمون إلى مركزها التقليدي.

لوسي ليو
لوسي ليو- لوكارنو (2025)

مسار لوسي ليو قريب من مسار سالدانا، لكن مع خصوصية ترتبط بموقع الهوية الآسيوية داخل هوليوود. فقد واجهت صناعة لطالما حاصرت الممثّلات من أصول آسيوية داخل قوالب محدّدة، وكان عليها أن تتحرر من الأدوار النمطية التي ارتبطت في بداياتها بصورة المرأة الآسيوية على الشاشة. من التلفزيون في «آلي ماكبيل» إلى السينما في «ملائكة تشارلي» و«اقتل بيل»، أثبتت ليو أن حضورها يقوم على القدرة على توسيع حدود هذه الهوية.

هكذا يطلّ علينا في لوكارنو هذا العام نموذجًا مختلفًا للنجمة السينمائية. خمس ممثّلات، وخمس طرق مختلفة للوصول إلى الشاشة: إما عبر تجاوز صورة سابقة، أو تحدّي حدود الصناعة، أو التمرّد على القوالب المفروضة. بعضهن ورثن ذاكرة سينمائية، وبعضهن اضطررن إلى انتزاع مكانتهن. لكنهن جميعًا يلتقين عند حقيقة واحدة: السينما يمكن أن تُورث، لكنها أيضًا تُنتزَع بالموهبة والصبر والقدرة المستمرة على إعادة اختراع الذات.

اقرأ أيضا: انطلاق «لوكارنو السينمائي»… تكريم إيزابيلا روسيليني وافتتاح إنساني بـ«العيون الخضراء»

شارك هذا المنشور

أضف تعليق