فاصلة

مقالات

جواو سيزار مونتيرو… السينما من جهة الظل

Reading Time: 4 minutes

يصعب اختصار سينما جواو سيزار مونتيرو في فكرة واحدة. فمنذ أفلامه الأولى، تنقل المخرج البرتغالي بين التاريخ والأسطورة والكوميديا والتجريب، مغيّرًا أساليبه أكثر من مرة، من دون أن يتخلى عن اهتمامه بالوحدة والزمن وبأولئك الذين يعيشون على هامش الحياة اليومية.

في «ماذا أفعل بهذا السيف؟» (1975) و«دروب» (1978) و«سيلفستر» (1981)، يعود مونتيرو إلى التاريخ البرتغالي والحكايات الشعبية، لا بوصفها مادة للحنين، وإنما باعتبارها جزءًا من الحاضر. تتحرك شخصياته داخل عالم هادئ ومفتوح على الأسئلة، حيث تتجاور الأسطورة مع الخوف والحب، ويبدو الماضي حاضرًا في أدق التفاصيل.

À Flor do Mar (1986)
À Flor do Mar (1986)

ومع «فوق البحر» (1986)، يزداد حضوره التأملي وضوحًا. تتراجع الأحداث إلى الخلف، ويصبح الصمت عنصرًا أساسيًا في بناء الفيلم، بينما تنشغل الكاميرا بما يتركه الفقد في الإنسان أكثر من انشغالها بالحدث نفسه. وتمنح اللقطات الهادئة للبحر والفضاءات المفتوحة إحساسًا دائمًا بالفراغ، كأن الشخصيات تعيش على هامش العالم لا في مركزه.

لكن «الغطسة الأخيرة» (1992) يحتل مكانة خاصة داخل هذه المسيرة. يصل بطله إلى لشبونة وهو يحمل رغبة في إنهاء حياته، غير أن المدينة لا تواجهه بخلاص مفاجئ أو بحكمة كبرى؛ ثمة وجوه عابرة، وأحاديث قصيرة، وأمسيات طويلة تتسلل ببطء إلى أيامه. يفسح مونتيرو المجال للشوارع والمقاهي كي تستحوذ على المشهد، حتى تبدو لشبونة شريكًا في عزلة البطل، لا مجرد خلفية لأزمته.

O Último Mergulho (1992)
O Último Mergulho (1992)

يبدو الفيلم أقل ميلًا إلى الاستفزاز من أعمال مونتيرو الأخرى، وأكثر اهتمامًا بالمصادفات الصغيرة التي تغيّر مصير الإنسان من دون ضجيج. وحتى في لحظاته الأكثر قتامة، يحتفظ بنوع من الحنان النادر في سينماه. وربما لهذا السبب يظل «الغطسة الأخيرة» أحد أكثر أفلامه قربًا من الحياة اليومية؛ إذ يتابع رجلًا يقف على حافة اليأس، ثم يجد نفسه، من حيث لا يتوقع، متعلقًا بالعالم مرة أخرى.

قد لا يكون «الغطسة الأخيرة» أشهر أفلام مونتيرو أو أكثرها تأثيرًا، لكنه ربما الفيلم الذي تبدو فيه نظرته إلى الإنسان أكثر هدوءًا وشفقة. تكمن فرادته في أنه لا يبحث عن الخلاص بقدر ما يراقب إمكانية حدوثه. لا شيء استثنائيًا يقع أمامنا؛ أشخاص يلتقون ثم يفترقون، وأحاديث تبدأ من أمور عابرة قبل أن تنتهي إلى اعترافات صغيرة. كان مونتيرو يدرك أن التحولات الكبرى لا تأتي دائمًا عبر الأحداث الصاخبة، وإنما قد تبدأ من أمسية عادية أو من شخص مجهول يعبر حياتنا مصادفة.

O Último Mergulho (1992)
O Último Mergulho (1992)

لهذا يبدو «الغطسة الأخيرة» مختلفًا عن كثير من أفلامه الأخرى. فبينما تميل أعماله اللاحقة إلى السخرية والاستفزاز، يترك هنا مساحة واسعة للهشاشة الإنسانية. ثمة شعور دائم بأن البطل لا يبحث عن معنى جديد للحياة، بقدر ما يحاول استعادة قدرته على الاستمرار يومًا آخر.

قبل ذلك بثلاث سنوات، كان مونتيرو قد قدم «ذكريات البيت الأصفر» (1989)، الفيلم الذي ظهر فيه جواو دي ديوس للمرة الأولى. يعيش الرجل في غرفة متواضعة، ويتنقل بين المقاهي والأحياء القديمة، مراقبًا المدينة بعين ساخرة ومتعبة في آن واحد. لم يكن جواو دي ديوس بطلًا تقليديًا؛ كان مثقفًا ووحيدًا ومستفزًا أحيانًا، لكنه حمل كثيرًا من هواجس مونتيرو وأسئلته.

God's Comedy (1995) | MUBI‏
God’s Comedy (1995) ‏

ومع «كوميديا الرب» (1995)، تتسع هذه الشخصية أكثر. يصبح جواو دي ديوس مديرًا لمحل مثلجات، محاطًا بالكتب والموسيقى وطقوسه الغريبة. تتجاور الثقافة الرفيعة مع أبسط تفاصيل الحياة، فيما يتحول محل المثلجات إلى مسرح صغير للعزلة والرغبة والخيبات.

وفي أعماله الأخيرة، من «بياض الثلج» (2000) إلى «ذهاب وإياب» (2003)، يذهب مونتيرو بعيدًا في التجريب والتأمل في الزمن. لم تعد الأحداث هي ما يشغله بقدر ما يشغله الإيقاع البطيء للأيام، وتلك اللحظات الصغيرة التي تمر من دون أن يلاحظها أحد.

Vai~E~Vem (2003)
Vai~E~Vem (2003)

في «ذهاب وإياب»، آخر أفلامه، يؤدي مونتيرو دور رجل مسن يقضي أيامه بين الحدائق والحافلات، مكررًا عاداته اليومية بصبر غريب. لا يبحث الفيلم عن ذروة درامية أو خاتمة حاسمة؛ إنه يكتفي بمراقبة إنسان يتقدم في العمر، بينما يواصل العالم حركته من حوله.

تغيرت سينما جواو سيزار مونتيرو كثيرًا على امتداد ثلاثة عقود، لكنها احتفظت بشيء واحد: اهتمامها بالحياة في أكثر صورها هدوءًا وهشاشة. كان يبحث عن السينما في الأماكن التي تبدو عادية للآخرين؛ في غرفة صغيرة، أو حافلة مزدحمة، أو أمسية تمر من دون أن ينتبه إليها أحد.

لهذا يصعب اختزال أفلامه في فكرة واحدة. فمن التاريخ والأسطورة إلى الشيخوخة والعزلة، ظل يعود إلى السؤال نفسه: ماذا يبقى من الإنسان حين تمر السنوات وتختفي الأشياء من حوله؟

اقرأ أيضا: سبيلبرغ… من الدهشة إلى الخوف

شارك هذا المنشور

أضف تعليق