عشرون عامًا ظلّت سينما جنين مغلقة، صامتة، تجمع الغبار على مقاعد فارغة. حين تصل أخيرًا منظمة ألمانية لترميمها، لا يكتفي حسين دربي، مشغّل جهاز العرض القديم، بالفرح كمتفرّج على العودة. هو يصرّ، بعناد هادئ، على استعادة مكانه هو، خلف الجهاز، كما لو أن المكان بلا يديه على البكرة لا يكتمل. هذا المشهد، من فيلم أليكس بكري «حبيبي حسين»، يصلح مدخلاً لكل مسابقة الأفلام الوثائقية العربية الطويلة في الدورة السابعة لمهرجان عمّان السينمائي الدولي – أول فيلم. لأن ما يجمع الأفلام الثمانية المتنافسة، رغم اختلاف جغرافيتها من الرياض إلى بيروت وبغداد وطرابلس الغرب ودمشق، هو هذا الفعل نفسه: أناس يصرّون على استعادة مكانهم في حكاية حاولت الحرب، أو الاستبداد، أو النسيان المنظّم، أن تمحوهم منها.

في «ضد السينما» لعلي سعيد، الاستعادة جماعية قبل أن تكون فردية. الفيلم يعيد بناء تاريخ سينمائي سعودي مخفي، عبر جيل كامل من أطفال الثمانينات نشأ على عشق الأفلام في بلد بلا صالات عرض. خمس سنوات من البحث الوثائقي تكشف ما قبل عام ١٩٧٩، بأصوات الرواد أنفسهم، في محاولة لإثبات أن الشغف لا يحتاج بالضرورة إلى بنية تحتية ليبقى حيًا، بل يجد له مسارات موازية، سرّية أحيانًا، ليستمر.

هذا المنطق نفسه، منطق الأرشيف الشخصي كوسيلة مقاومة، يبلغ ذروته في فيلمين لبنانيين متجاورين. «عصافير الحرب» لعبد القادر حبق وجناي بولس يروي قصة حب امتدت ثلاثة عشر عامًا بين صحفية لبنانية وناشط سوري، عبر أرشيف شخصي جُمع من حلب المحاصرة إلى غرف أخبار لندن. السؤال الذي يطرحه الفيلم ليس سياسياً بالمعنى المباشر، بل عاطفي وجودي: هل يصمد حبّ وُلد في زمن الثورة والحرب حين تنتهي الحرب لكن الجراح تبقى؟ أما «دو يو لوف مي» للانا ضاهر، فيوسّع الفكرة إلى مقياس بلد بأكمله. سبعون عامًا من صور لبنان وأصواته، منسوجة بالكامل من مواد أرشيفية، في بلد بلا أرشيف وطني رسمي. ضاهر تحوّل غياب المؤسسة إلى فرصة: الأرشيف هنا ليس ملكاً للدولة، بل للناس أنفسهم، لأشرطة بيوتهم وصورهم الفوتوغرافية، في احتفاء بالذاكرة الفردية بوصفها الشكل الوحيد الممكن للذاكرة الجماعية حين تتخلى عنها المؤسسات.

من بغداد، تأتي زهراء غندور بفيلم «فلانة»، وهو من أكثر أفلام المسابقة إيلاماً في هدوئه. العنوان مأخوذ من المصطلح العراقي الذي يُطلق على النساء المجهولات، اللواتي لا تُروى قصصهن. غندور تعود إلى بيت طفولتها بحثًا عن صديقتها نور التي اختفت منذ أكثر من عشرين عامًا، فتكتشف عبر أرشيف عمتها القابلة نمطًا أوسع بكثير من قصة صديقة واحدة: عائلات تتخلى عن بناتها في صمت، ونساء بلا اسم يُعاد رسم مصائرهن بعيداً عن أي سجل. البصيص الوحيد من الأمل يأتي من لقاء عابر بناجيات أخريات، يفتح احتمالًا بأن نور، ككثيرات غيرها، ربما لا تزال حية، في مكان ما، بلا اسم أيضًا.

الاختفاء يتخذ بعدًا سياسيًا مباشرًا في «بابا والقذافي» لجيهان ك. هنا لا نتحدث عن نسيان مؤسساتي غامض، بل عن اختفاء قسري واضح المعالم: منصور رشيد الكيخيا، الدبلوماسي والحقوقي الليبي، اختفى عام ١٩٩٣ بعدما كان من أبرز أصوات المعارضة السلمية لنظام القذافي. تسعة عشر عاماً بحثت زوجته عنه قبل أن تتولى ابنتهما جيهان مهمة إعادة تجميع الصورة. الفيلم لا يبحث فقط عن مصير أب غائب، بل عن هوية ليبية كاملة، مؤجلة، لم تكتمل صياغتها لأن من كان يفترض أن يرويها اختفى في اللحظة الحاسمة.

وفي دمشق، يقدّم توفيق صابوني في «الجانب الآخر من الشمس» أكثر الأفلام جرأة على مستوى الشكل. صابوني، الناجي من سجن صيدنايا، يعود إلى المكان نفسه برفقة ناجين آخرين، ليس للتوثيق التقليدي، بل لإعادة تمثيل الطقوس اليومية للاعتقال، بأجسادهم، في الفضاء ذاته الذي حاول محوهم منه. القرار الجمالي هنا شجاع: حين تعجز اللغة عن قول ما جرى، يصبح الجسد، بحركاته المعادة، هو الشاهد. إعادة التمثيل ليست استعادة للألم من أجل الألم، بل فعل استرداد: استرداد المكان، والصوت، والإنسانية التي حاول العنف الممنهج انتزاعها.
ثمانية أفلام إذًا، لا تلتقي عند أسلوب واحد، بل عند حاجة واحدة: أن يعيد كل صانع فيلم بناء ما مُحي، بيديه، من الأرشيف الشخصي أو الجماعي، من الذاكرة الشفوية، من الجسد نفسه حين يعاد إلى مكان أراد له أحدهم أن يُنسى. مثل حسين دربي، خلف جهاز العرض في جنين، يصرّ كل مخرج من هؤلاء على استعادة مكانه، لا كضحية تُروى قصتها نيابة عنه، بل كصاحب صوت يقرر بنفسه كيف تُقال الحكاية.