فاصلة

مراجعات

«أوديسة» نولان… سحر أمهات القصص

Reading Time: 4 minutes

فيلم «الأوديسة» هو آخر أعمال المخرج كريستوفر نولان، الذي ارتبط اسمه بقاعات السينما الممتلئة، وكلّ فيلم جديد له بمثابة حدث سينمائي منتظر دائمًا. له فضل كبير في انتعاش قاعات السينما والشاشة الكبيرة حول العالم، وارتيادها على أنها طقس مشاهداتي جماعي له تجربته الخاصة، في زمن التسيُّد لمنصات البث الرقمي، وسيول الأفلام المتاحة عبر شاشات التلفزيون، والاشتراكات الشهرية، وسهولة الوصول إليها من دون داعٍ للخروج من البيت، أو حتى النهوض من كنبة الصالة أو سرير النوم.

و«الأوديسة» معالجة درامية خاصة للملحمة الإغريقية الشهيرة التي تحمل الاسم نفسه، وهي إحدى أشهر ملحمتين في التاريخ للشاعر الإغريقي هوميروس؛ «الإلياذة» و«الأوديسة».

The Odyssey (2026)
The Odyssey (2026)

«الأوديسة» ملحمة تأتي أحداثها بعد انتهاء حرب طروادة وانتصار الجيش الإغريقي، وتحكي قصة رجوع الشخصية العظيمة أوديسيوس إلى مملكة إيثاكا خلال عشر سنوات، وما واجهه وجيشه من أهوال وعقبات.

لا شك بأن الفيلم يكتسب كثيرًا من جودته الكتابية بما يتكئ عليه ويعوّل على الأدب الإغريقي العظيم، وعلى قصة الملحمة وما تحمله من رمزيات وأساطير وثقل معرفي وحضاري واسع! بل نحن أمام عالم عظيم وقديم جدًا، له تأثير ضخم، وأصبح مرجعًا لكثير من القصص اللاحقة عبر تاريخ الكتابة البشرية، وبالتالي لكثير من الإنتاجات الدرامية، بما فيها من جوانب الفانتازيا والخيال، وأيضًا الجوانب الإنسانية والدرامية البحتة.

The Odyssey (2026)
The Odyssey (2026)

في النقد الفنّي وكتب التنظير وتشريح الدراما، ولا سيما النصوص القديمة ونصوص المسرح الإغريقي على سبيل المثال، كان ثمة دائمًا توصيف خاص لنوع الصراع الدرامي في كتابات تلك الحقبة، وهو الصراع العمودي؛ ويعني صراع البطل مع قوى عليا، إذ تقوم الدراما وتتبلور من خلال المجابهة والمجاذبة بين البطل وبين شيء يفوقه بمراحل، مثل القدر والآلهة وأنصاف الآلهة عند الإغريق. ويحدث ذلك بأن يكون هناك قدر مكتوب، أو نبوءة ما، أو لعنة ما، يحاول البطل أن يكسرها أو يحققها، ونسير معه حول مبدأ (الحتمية أو الاحتمالية)، حتمية أو احتمالية وقوع المتوقَّع، وغير المتوقَّع.

هذا في مقابل الصراع الأفقي، الذي أتى في أشكال الكتابة لاحقًا، وهو الأكثر شيوعًا الآن، والذي يتناول صراعات البشر الإنسانية والاعتيادية.

مادة مثل هذه ستكون جاذبة حقًا لأيّ مخرج، ولا سيما عند حديثنا عن نولان، الذي يشكل السرد غير الخطّي إحدى بصماته الخاصة، وهو ما كان الأسلوب المعتمد من هوميروس في النصّ الأصلي، مع تعديلات ومعالجات خاصة ضمن المعالجة في سيناريو الفيلم، بتدفُّق حواري خلّاق ينقل مقولات العمل في التوقيت المناسب بشكل شاعري وعاطفي وعبقري.

بالطبع، الإلمام بالملاحم والأدب الإغريقي يعطي المُشاهد متعة مغايرة لجهة وضع معالجة نولان تحت المجهر وتفحصها بعين تختبر القدرة والمنتج في مقابل نصّ أصلي وحكاية معروفة. ولكن أيضًا نولان صنع فيلمه ليستطيع غير المطلّع على كلّ ذلك التواصل واستشفاف مقولات العمل الإنسانية جدًا، وهذا ما تجب الإشارة إليه عند الحديث عن العمل.

The Odyssey (2026)
The Odyssey (2026)

نولان يستحق التقدير والمحبّة حقًا؛ ليس لأنه مخرج عظيم ويتّسم بأسلوبية خاصة وحسب، وليس لأنه يُعيد جمهور السينما الوفي إلى الشاشة الكبيرة بشوق ولا يُخيّبه، وليس لأنه يُحقق التوازن الأمثل بين الجماهيرية والنخبوية بقدرة فائقة، وإنما لأنه إنسان وأصيل قبل كلّ شيء. لا أكاد أبالغ إن قلت إن فيلمه «الأوديسة» وفيلمه الذي سبقه «أوبنهايمر» يحملان المقولة العظيمة نفسها.

كلاهما يوجّه إدانة لأفعال البشر الهوجاء على مرّ العصور!
كلاهما يصرخ صرخة استغاثة شديدة لصحوة الضمائر تجاه البشع البشري الذي يحدث اليوم، وفي كلّ يوم منذ قديم الأزل! كلاهما يضع الخطأ البشري المتجذّر فينا تحت بقعة الضوء، ويُحاكمه نولان بكلّ شجاعة.

ربما توجّه البعض في انتقاد «أوبنهايمر» إلى تهمة تلميع صورة رجل ما في تاريخ حديث نسبيًا، فيقرّر نولان العودة إلى أمهات القصص، وإلى أوديسيوس، حتى يقول إنّ «مقولتي أبعد وأكثر عمقًا من كل ذلك، ومن كلّ هذه الشخصيات، فكلّ الماضي الذي تحدثتُ عنه وعالجته يصبّ في الحاضر والآن».

«الأوديسة» هو فيلم عن الندم، والصفح، والطمع، والسلطة، والغرور، وعن الإيمان والتسليم، وعن التخلّي والاستغناء، وعن الولاء والوفاء.

ثيمات إنسانية عالية، في خضم فانتازيا وخيال مليئين!
وموظَّفة حقًا!

الكاستينغ واختيار الممثلين قد لا يكونان الأفضل، لكنه حقًا قد يكون تحدّيًا خاصًا، واختيارًا جاء في سياق اللعب بـ«الكرت» غير المتوقَّع والنجاح فيه.

The Odyssey (2026)
The Odyssey (2026)

جميع الممثلين اجتهدوا ودخلوا المشروع بجدّية واضحة، وجدير بهم فعل ذلك، فنحن أمام نولان هنا، ونجاح متوقَّع، لكن جاءت بعض الأداءات أقل من المطلوب عند كثيرين، ولا سيما اختيار توم هولاند وأدائه في دور تيليماخوس.

هناك ضياع حقيقي لفرصة توظيف أفضل لأداء (وشخصية) كلّ من زيندايا ولوبيتا نيونغو! كلتاهما ممثلتان تحملان مؤهلات وموهبة أكبر مما قُدّم لهما.

The Odyssey (2026)
The Odyssey (2026)

لكن عندما يأتي الحديث عن الأداء، فلا بد أن يكون مات ديمون في الواجهة. هذا العمل قائم على أكتافه في النهاية، وشئنا أم أبينا، نختلف أو نتّفق في حجم مات ديمون ممثلًا (وليس نجمًا)، فهو هنا يقدم أفضل أداء له في مسيرته.

تشريحيًا وأدائيًا، الجميل أنّ مات ديمون لعب دور السيطرة والتحكُّم في عدم الانجراف مع كلّ الوهج المحيط بثيمة العمل الملحمية، والوهج الناتج عن ضخامة المشروع واسم المخرج الذي يتعامل معه. كلّ تلك عوامل مؤثّرة خارج سياق شغل الممثل، لكنها تنخر في صلب الأداء، وقد تذهب به باتجاه وضع «الرتوش» غير المحبَّذة وغير المستحسنة.

قرارات الأداء في دور أوديسيوس اعتمدت على الطبيعية والبساطة في التمثيل، مع صبغة العاطفة المطلوبة والصدق؛ هي أصعب ما يمكن عمله، وهي مفتاح الأداءات العظيمة.

إخراج نولان ناجح، ولا سيما في منطقة جديدة عليه نسبيًا. قد لا يكون الـ momentum الإيقاعي في أفضل حالاته دومًا، أي قرارات الاستعجال والإبطاء في السرد، وأيضًا تفاوت الخطوط القصصية لجهة الجودة والمتعة.

لكنه يظلّ عملًا ملحميًا قُدّم بواقعية شديدة، قريبة من المتلقّي رغم أسطرة القصة، وفيه توظيف للمونتاج والموسيقى بشكل خارق.

الموسيقى حكاية خاصة، لجهة توظيف الآلات الإغريقية القديمة وصناعة موسيقى تتحكَّم في المشهد وتقوده، والعكس صحيح.

ثنائية أخرى ناجحة بين نولان والسويدي لودفيغ غورانسون، بعد ثنائيته مع العظيم هانز زيمر.

هكذا يجب أن يكون الفنّ من الناحية الوظيفية؛ لا ينفكّ عن تقديم الحالة الإنسانية المعقّدة في أسلوب قصصي غامر، ويستدعينا جميعًا للرجوع إلى أنفسنا، وللنظر حولنا، وللتعاطف مع الآخرين، وفهمهم، بمعنى صنع محاولة لفهم البشر بشكل أقرب.

اقرأ أيضا: «أوديسة» كريستوفر نولان… ملحمة مُثقلة بعيوبها

شارك هذا المنشور

أضف تعليق