فاصلة

مراجعات

«مسألة حياة أو موت»… سباق مع النهاية

Reading Time: 3 minutes

لا يستطيع الإنسان العيش من دون خصم يُناكفه. فإن لم يجد في الخارج من ينازله، صنع خصمه من داخله. يحارب الوقت، ويصارع الشيخوخة، ويتحدّى المرض، وقد يجعل من نفسه عدوًا لدودًا يخوض معه معارك لا تنتهي. وربما تفسّر هذه الحاجة إلى وجود خصم جانبًا من شغف الإنسان بالحياة؛ إذ لا معنى للانتصار من دون مقاومة، ولا قيمة للطريق إذا خلا من العوائق. وإنما الموت يظلّ الخصم الوحيد الذي لا يخطئ موعده، ولذلك يتكرّر السؤال القديم بأشكال مختلفة: كيف يتصرّف الإنسان عندما يعلم أن النهاية أصبحت قريبة أو محدّدة؟

مسألة حياة أو موت
مسألة حياة أو موت (2025)

في فيلم «مسألة حياة أو موت»، من تأليف سارة طيبة وبطولها مع يعقوب الفرحان، يضعنا المخرج أنس باطهف أمام إجابة غير مألوفة. تؤمن حياة بأنّ لعنة عائلية مُتوارثة ستقتلها في ليلة عيد ميلادها الثلاثين، كما حدث لوالدتها وجدّتها، فتتعامل مع النهاية على أنها حقيقة لا تقبل النقاش. لكنها، بدلًا من أن تستثمر ما تبقى من أيامها أو تتشبّث بلحظاتها الأخيرة، تقرّر أن تناكف الموت نفسه، وتنتصر عليه بطريقة عبثية، بأن تصل إليه قبل أن يصل إليها. تبدأ بمحاولات متكرّرة لإنهاء حياتها، وكأنها تريد أن تنتزع من الموت امتياز اختيار اللحظة، فلا تمنحه شرف الانتصار عليها. إنها لا تهرب من الموت، بل تنافسه على مَن يصل أولًا.

تُعيد هذه الفرضية السينمائية طرح سؤال: ماذا يفعل الإنسان عندما يعلم أنّ حياته أصبحت محدّدة بموعد نهائي؟ وقد قدَّمت السينما إجابات متعدّدة، تكاد تختصر أنماط البشر أنفسهم. فهناك مَن يرى أن ضيق الوقت يزيد قيمة الحياة، كما في فيلم «The Bucket List» (قائمة الأمنيات)، حيث يحوّل بطلا الفيلم أشهرهما الأخيرة إلى قائمة طويلة من الأحلام المؤجّلة، فيسافران، ويُغامران، ويصلحان ما أفسدته السنوات. وهناك مَن يرفض الاستسلام أصلًا، كما في «50/50» (خمسون بخمسين)، فيجعل ما تبقى من عمره معركة علاج ومقاومة وإعادة اكتشاف للعلاقات والمعنى. وعلى النقيض، نجد مَن يقرر أن يعيش الزمن المتبقّي بكثافة عاطفية، كما في «Now Is Good» (الآن وقت جميل)، حيث تصبح كلّ لحظة جديرة بأن تُعاش مرة واحدة كاملة.

ikiru (1952)
ikiru (1952)

وفي زاوية أخرى، تقف شخصيات اختارت طريقًا أكثر ظلمة. فبعضها يستسلم لسطوة النهاية، ويعيش أسير انتظارها، وكأنّ الموت يبدأ قبل أن يحضر. وبعضها، كما في فيلم «The End» (النهاية)، يرى أنّ الموت البطيء أقسى من الموت نفسه، فيحاول إنهاء حياته بيده، معتقدًا أنه بذلك استعاد السيطرة. وهناك مَن يحول أيامه الأخيرة إلى فرصة لترك أثر يبقى بعد رحيله، كما فعل بطل «Ikiru» (أن تحيا)، الذي لم يبحث عن إطالة عمره، بل عن إطالة أثره. بينما اختارت أفلام أخرى، مثل «Final Destination» (الوجهة الأخيرة) و«The Ring» (الخاتم)، تحويل الموت إلى خصم مباشر، فتدور الحكاية كلها حول محاولة خداع القدر أو كسر اللعنة، لا حول كيفية عيش الحياة.

مسألة حياة أو موت (2025)
مسألة حياة أو موت (2025)

وسط هذه الخيارات، تقف بطلة «مسألة حياة أو موت» في منطقة مختلفة. فهي لا تحاول الاستمتاع بالحياة، ولا مقاومة اللعنة، ولا البحث عن علاج، ولا ترك إرث. تختار حياة أن تجعل الموت خصمًا شخصيًا، وأن تدخل معه سباقًا حول أسبقية الوصول. ويبدو هذا القرار امتدادًا لحياة مُثقَلة بالوحدة، ونشأة قاسية، وتشوّهات اجتماعية جعلتها تكبُر وهي تؤمن بأنّ الحياة لا تُقدّم لها ما يستحق التمسُّك به. وحين يغيب الأصدقاء، ويبهت الأمل، ويتحوّل المستقبل إلى تاريخ وفاة مُنتَظر، يصبح الانتصار على الموت في نظرها مرادفًا للموت قبل أن يفرض هو شروطه.

لكن المفارقة التي ينجح الفيلم في بنائها هي أنّ الموت لا يُهزم بهذه الطريقة. فالإنسان لا ينتصر على الموت إذا سبقه إليه، وإنما إذا منعه من أن يسرق حياته قبل أوانها. فكم من أحياء ماتوا منذ سنوات لأنهم عاشوا أسرى خوف لم يقع بعد، وكم من أناس عرفوا أنّ أيامهم معدودة، لكنهم جعلوا كل يوم منها حياة كاملة. ليست المأساة أن يموت الإنسان في موعده، بل أن يبدأ بالموت منذ اللحظة التي يُصدّق فيها أنّ النهاية أقوى من أن تُقاوَم. والانتصار الحقيقي على الموت ليس أن نؤخّره أو نسبقه، وإنما أن نُحول حضوره المحتوم إلى سبب يجعل الحياة، لا الموت، صاحبة الكلمة الأخيرة.

اقرأ أيضا: «مسألة حياة أو موت»… رومانسية سعودية على طريقة ديزني

شارك هذا المنشور

أضف تعليق