بعد ختام الدورة الثانية عشرة، وبعد 17 عامًا على انطلاقته الأولى، لا يزال «مهرجان أفلام السعودية» يحتفظ بمكانة خاصة في تاريخ السينما السعودية. فهو أقدم مهرجان سينمائي في المملكة، والمنصة التي شهدت انطلاقة أسماء كثيرة أصبحت اليوم من أبرز صنّاع الأفلام محلّيًا وإقليميًا.
هذا التاريخ لا ينبغي أن يمنعنا من طرح أسئلة قد تبدو صعبة. فالمهرجانات السينمائية تُقاس بقدرتها على تجديد دورها وتعزيز تأثيرها في الصناعة. ولا شك أنّ استمرارية المهرجان رغم كل التحديات التي تنال المشاريع الثقافية والسينمائية معيار مهم، لكنها قطعًا ليست المعيار الوحيد للنجاح.

لذلك، يبدو مشروعًا أن نسأل اليوم: هل لا يزال مهرجان أفلام السعودية يُمثّل الوجهة الأولى لصنّاع الأفلام السعوديين؟ وهل ما زال المخرج السعودي يضع المشاركة فيه ضمن أولوياته؟ أم أنّ اتّساع خريطة المهرجانات المحلّية والإقليمية والدولية أعاد ترتيب هذه الأولويات؟
قبل عشرة أعوام، وتحديدًا قبل افتتاح صالات السينما في السعودية، بدت الإجابة واضحة، إذ كان المهرجان البوابة الطبيعية لأي مخرج سعودي يبحث عن أول عرض محلّي، أو عن اعتراف داخل المشهد السينمائي.
أما اليوم، فقد تغيَّر المشهد. فهناك مهرجانات وأسواق إنتاج وصناديق دعم ومنصات عرض وفرص للمشاركة الدولية، إلى جانب اتّساع سوق التوزيع التجاري داخل المملكة.
هذه التحوّلات لا تعني تراجع أهمية «مهرجان أفلام السعودية»، لكنها تعني أنّ دوره لم يعد كما كان، وأنّ عليه إعادة تعريف موقعه داخل المنظومة السينمائية الجديدة.

ولو تأمّلنا مسابقات الأفلام الروائية الطويلة تحديدًا في الدورات الأخيرة، فسنجد مؤشّرًا يستحقّ التوقّف عنده. فكثير من الأفلام السعودية البارزة لم تعد تختار المهرجان محطّة أولى، وإنما تأتي إليه غالبًا بعد مشاركات دولية أو مهرجانات أخرى، ليصبح أحيانًا الخيار الثالث أو الرابع ضمن خطة توزيع الفيلم. بل إنّ بعض الأفلام المشاركة في المسابقة تكون قد عُرضت بالفعل في صالات السينما أو على منصات المشاهدة كفيلم «هجرة» هذا العام مثلًا.
ولا أرى في ذلك خطأ من صنّاع الأفلام، كما لا أُحمّل المهرجان المسؤولية كاملة في عدم حرص بعض صناع الأفلام الطويلة على العرض في مهرجان أفلام السعودية. فالمخرج اليوم يفكر في الاستراتيجية الأنسب لفيلمه: أين يُحقّق عرضه العالمي؟ وأين يحصل على فرص البيع؟ وأيّ مهرجان يمنحه قيمة تسويقية أكبر؟ وهي أسئلة مشروعة في صناعة أصبحت أكثر احترافًا من أي وقت مضى.

ولعل المثال الأوضح هو المخرج عبدالعزيز الشلاحي، أحد أبرز أبناء المهرجان وأكثر الفائزين بجائزة النخلة الذهبية في تاريخه. فيلمه الجديد «عكس سير» جاهز للعرض، وسينطلق في صالات السينما خلال أسابيع، ومع ذلك لم تكن محطته الأولى «مهرجان أفلام السعودية». ولا يتعلق الأمر بخيار الشلاحي بقدر ما يعكس تحولًا أوسع في علاقة عدد من المخرجين السعوديين بالمهرجان، وفي ترتيب أولوياتهم عند إطلاق أعمالهم الجديدة.
ومن هنا، أعتقد أن السؤال الحقيقي ليس: كيف ينافس «مهرجان أفلام السعودية» بقية المهرجانات في استقطاب الأفلام الطويلة ؟ وهل هذه هي المنافسة التي ينبغي أن يخوضها أصلًا؟
تكمن القوة التاريخية لمهرجان أفلام السعودية في مكان آخر. فمنذ بداياته، كان الحاضنة الأولى لصنّاع الأفلام السعوديين، والمختبر الذي خرجت منه أسماء تقود اليوم المشهد السينمائي. وهذه الميزة لا تزال قابلة للبناء عليها أكثر من محاولة منافسة مهرجانات تمتلك أدوات وأهدافًا مختلفة.
لذلك، من المهم أن يتّجه الاستثمار الأكبر نحو الأفلام القصيرة وصنّاعها.
فهناك تحديدًا، يستطيع المهرجان أن يصنع الفارق الحقيقي، ويبقى المكان الذي يكتشف المواهب الجديدة، ويمنحها الاعتراف الأول، ويربطها بورشات التطوير والنقاد والمنتجين وبقية صنّاع الأفلام.
ولا يعني ذلك إلغاء حضور الأفلام الطويلة، وإنما استمرار عرضها ضمن برنامج المهرجان كبرنامج موازي على أنها نافذة للجمهور المحلّي، ومساحة للحوار مع صنّاعها، وفرصة للاحتفاء بالإنتاج السعودي السنوي. لكن ربما حان الوقت لإعادة النظر في تخصيص مسابقات وجوائز كاملة لها.
وفي المقابل، يمكن استثمار الجوائز بصورة أكبر في دعم الأفلام القصيرة والوثائقية، إذ تستطيع الجائزة أن تغيّر مستقبل مخرج شاب يصنع فيلمه القصير الأول، وأن تمنحه الثقة والتمويل والفرصة التي يحتاجها للانتقال إلى مشروعه المقبل.

وفي المقابل، تبدو خطوة تعيين المخرج الشغوف بالسينما عبد المحسن الضبعان مديرًا فنيًا للمهرجان من أكثر القرارات التي تبعث على التفاؤل. فالضبعان ينتمي إلى جيل يجمع بين المعرفة السينمائية والوعي بالمشهدين المحلّي والعالمي، وهو ما قد يمنح المهرجان رؤية فنّية أكثر وضوحًا، وبرمجة أكثر جرأة . وإذا مُنح المساحة الكافية، فقد تسهم هذه الخطوة في تعزيز ديناميكية المهرجان، وإعادة تعريف دوره بما يتناسب مع المرحلة الجديدة التي تعيشها السينما السعودية.
ليس مطلوبًا من كلّ مهرجان أن يؤدّي جميع الأدوار. ولديَّ يقين بأنّ «مهرجان أفلام السعودية» هو الأكثر قدرة على البقاء والاستمرار لسنوات طويلة ، مقارنةً ببقيّة المهرجانات المحلّية وحتى الخليجية، بفضل إرثه التاريخي وعلاقته الوثيقة بصنّاع الأفلام .
لذا بعد 17 عامًا، لم يعد السؤال: هل يستطيع «مهرجان أفلام السعودية» أن يستمر؟ لأنه أثبت قدرته على ذلك. لكن السؤال الأهم اليوم هو: ما الدور الذي يريد أن يؤدّيه للسينما السعودية خلال العقد المقبل؟ هل يريد أن ينافس على استقطاب الأفلام الطويلة؟ أم أن يستثمر في اكتشاف الجيل القادم من صنّاع الأفلام، وهي المَهمّة التي صنع بها تاريخه منذ البداية؟
قد تكون الإجابة عن هذا السؤال أهم من أي جائزة تُمنح في الدورة الثالثة عشرة.
اقرأ أيضا: القائمة الكاملة لجوائز «مهرجان أفلام السعودية» 2026