منذ الإعلان عن كلية الأفلام في جامعة الرياض للفنون، وأنا أفكر في معنى هذه الخطوة أكثر من تفاصيلها. فالكلية تتجاوز فكرة افتتاح برنامج أكاديمي جديد، لتكشف عن العمق الحقيقي للمرحلة التي وصلت إليها السينما السعودية.
قبل سنوات، كان السؤال الذي يشغلنا هو: «كيف نصنع فيلمًا؟» أما اليوم، فيبدو أن السؤال تغيّر وأصبح: «كيف نبني جيلًا يصنع الأفلام؟» وفي ظني، هنا تبدأ الحكاية الحقيقية لكلية الأفلام.
جامعة الرياض للفنون تطلق موقعها الرسمي .. الحلم أصبح واقعاً ✨
سجل اهتمامك:https://t.co/pUIHyDWWEL#جامعة_الرياض_للفنون pic.twitter.com/nrztIXYaVj— د. مصعب العمري (@Mus3bAlamri) April 2, 2026
السينما لا تنمو بعدد الأفلام التي تعرض على الشاشات، نموها الحقيقي يكمن في عقول الأشخاص الذين يعرفون كيف يصنعونها، ويطورونها، ويمنحونها فرصة للاستمرار. ولهذا لا تبدو الكلية مكانًا يقتصر على تدريس التقنيات من إخراج أو تصوير أو مونتاج؛ إنها المساحة التي يتشكل فيها الوعي السينمائي، ويتعلم فيها الطالب أن الفيلم هو صنيع جماعي، يبدأ من نبض الفكرة، ويمر بالكتابة، والإنتاج، والإضاءة، والصوت، ليكون في النهاية شعورًا حيًا يصل إلى المشاهد.
خلال السنوات الماضية، عشنا حراكًا سينمائيًا مهمًا؛ ظهرت تجارب لافتة، وعبرت أفلامنا إلى مهرجانات دولية، وولدت أسماء أثبتت حضورها. كانت مرحلة ضرورية منحتنا الثقة، ووسّعت آفاقها، وفتحت الباب أمام أصوات جديدة تحمل قصصًا تشبهنا.
لكن كل صناعة تصل، في وقت ما، إلى مرحلة لا يكفي فيها الإنتاج وحده؛ تحتاج إلى حضن تتراكم فيه المعرفة، وتنتقل فيه الخبرة من جيل إلى جيل، مكان يتخرج منه صناع يرون السينما مهنة لها أدواتها، وفنًا خالصًا قادرًا على ملامسة الوجدان والتعبير عن الإنسان.
وهذا ما يجعل كلية الأفلام خطوة تستحق التوقف عندها، فهي لا تستجيب لحاجة تعليمية جافة، لكونها تلبي نداء السينما السعودية نفسها. فالصناعة التي تنشد الاستدامة، لا تنتظر الصدفة لتأتي بموهبة، وتفضّل أن تؤسس البيئة الحاضنة التي ترعى هذه المواهب وتمنحها مساحة للنمو.
قد لا يكون أثر الكلية ظاهرًا في عامها الأول، وربما لن يقاس بعدد الأفلام فور التخرج؛ أثرها الحقيقي سنلمسه حين يصبح وجود الكاتب الملهم، والمخرج الواعي، ومدير التصوير الفنان، والمونتير الشغوف، أمرًا طبيعيًا يعيش في تفاصيل المشهد السينمائي السعودي.
وعندها، لن تكون كلية الأفلام مجرد مؤسسة تعليمية؛ ستكون الجسر الذي يعلن أن السينما السعودية غادرت مرحلة البدايات، وبدأت تؤسس صنعتها على المعرفة، وعلى الإنسان، وعلى جيل سيحمل هذه التجربة إلى ما هو أبعد من الفيلم.