فاصلة

مقالات

هيفاء المنصور… المخرجة التي راهنت على السينما قبل أن تولد

Reading Time: 5 minutes

بكاميرا صغيرة، ومن دون أي تخطيط مُسبَق، صوَّرت هيفاء المنصور لقطات عائلية لتوثيق لحظات أُسرية. نتج عن ذلك فيديو عائلي بامتياز، لكنه وجد بالمصادفة طريقه إلى العالمية، وشارك في مهرجان هونغ كونغ السينمائي. هناك اكتشفت أنها وجدت صوتها وتريد أن تصبح صانعة أفلام.

هكذا كانت البداية عام 2003. يومها لم تكن ثمة صالات سينما في السعودية، ولا صناعة يمكن الاعتماد عليها، لكنها قرَّرت أن تمضي وراء شغفها، لتصبح لاحقًا واحدة من رواد السينما السعودية.

وُلدت المنصور في منزل منفتح على الفنون. فوالدها هو الشاعر والكاتب المعروف عبد الرحمن المنصور، ووالدتها بهية حمد الصويغ، التي كانت تحبّ الغناء وتحلم بأن تكون أمَّ الأطباء. كانت هيفاء الابنة الثامنة، تحمل بذرة اختلاف وتمرُّد. لم تجد نفسها في الطبّ أو الهندسة، فدرست الأدب المقارن في القاهرة، حيث دخلت للمرة الأولى إلى عوالم الفلاسفة والمسرح. ثم عادت إلى المملكة لتعمل موظفةً في شركة بترول، لكنها لم تجد في تلك الوظيفة ما يُعبّر عنها، كما فعل ذلك الفيلم العفوي الذي صوَّرته مع شقيقها وفتح أمامها عالم صناعة الأفلام.

نساء بلا ظلّ
نساء بلا ظلّ (2005)

كان فيلم «من؟» القصير البداية، ثم تبعته بأفلام «الرحلة المريرة» و«المخرج الوحيد». وإنما فيلمها القصير الرابع «نساء بلا ظلّ» شكّل البداية الحقيقية لتبلور حدسها الإخراجي.

أرادت المنصور أن تصنع فيلمًا عن التحدّيات التي تواجهها بكونها امرأةً في المجتمع. واتُّهمت آنذاك بأنها تقف ضدّ تيار المجتمع وعاداته، بعدما استعرضت عددًا من الفتاوى الشائكة، وفي مقدّمتها قضية الحجاب. وطرحت على الداعية الإسلامي عائض القرني سؤالًا: «هل وجه المرأة وكفّاها عورة؟». فأكد وجود آراء مختلفة حول المسألة، موضحًا أنه يرى شخصيًا أنهما ليسا عورة، وأنّ غطاء الوجه ليس فريضة.

ضمَّت المنصور هذا الرأي إلى الفيلم الذي صدر عام 2005، إلى جانب آراء سابقة للقرني تُخالفه. وقالت إنها حاولت توضيح أنّ مثل هذه الفتاوى تتغيَّر وتتطوَّر مع الزمن، لكن الشيخ رأى أنها أحرجته وأظهرت تناقضه أمام العالم، حتى إنه قرَّر الاعتزال.

كانت موجة الغضب ضدَّ هيفاء آنذاك قوية. ظهرت في برامج تلفزيونية وهي شابة صغيرة بصوت منخفض تحاول الدفاع عن نفسها، وتؤكد أنها لا تُعادي المجتمع ولا تخرج على أصوله، بل تسعى فقط إلى أن يكون لها صوت. تمامًا مثل النساء اللواتي ظهرن في فيلمها التسجيلي، إذ رفض بعضهن التصوير واكتفين بالمشاركة بأصواتهن خوفًا من اللوم.

عام 2012، بدت المنصور أكثر جرأةً وثقةً وشجاعةً. لم توقفها تلك الانتقادات، بل زادتها إصرارًا على أن يكون للمرأة السعودية حضور على الشاشة الكبيرة. نساء لا تبدو أيٌّ منهن غريبة عن المجتمع، بل جزءًا أصيلًا منه.

فيلم وجدة
وجدة (2012)

هكذا جاءت بطلة «وجدة»، أول أفلامها الروائية الطويلة، المستوحاة من ابنة شقيقها في الملامح والشخصية. وصوَّرته بالكامل في الرياض، ليصبح أول فيلم يُصوَّر بالكامل داخل المملكة.

كانت ظروف العمل قاسية، واضطرت المنصور إلى الاختباء داخل سيارة خلال التصوير مع طاقمها، رغم حصولها على جميع الموافقات المطلوبة. وكانت الشرطة تساعدهم في تأمين مواقع التصوير عند الحاجة.

خرج «وجدة» ليصبح أول فيلم سعودي يُمثّل المملكة في أحد أبرز مهرجانات الصفّ الأول، «فينيسيا». وحظيت المنصور باحتفاء كبير، إذ شعرت أنها نجحت في منح المرأة السعودية صوتًا، وكشفت للجمهور العالمي حقيقتها: امرأة عادية لها صوت وقصة تستحق أن تُروى، ولها أحلام وحياة، وليست مجرّد إنسان ينظر إلى العالم من وراء غطاء أسود.

المخرجة هيفاء المنصور- مهرجان فينيسيا (2012)
المخرجة هيفاء المنصور- مهرجان فينيسيا (2012)

ليصبح «وجدة» العلامة السينمائية الأبرز في السعودية. فبعد وصوله إلى «فينيسيا» وترشّحه لجوائز «البافتا»، كان على موعد مع إنجاز آخر تمثَّل في «الأوسكار». ذلك الترشيح الذي لم ينله أي مخرج سعودي من قبل، كان من نصيب هيفاء المنصور، التي آمنت بضرورة تقديم الإنسان السعودي بلحم ودم، على أنه إنسان وحضارة وثقافة، لا مجرّد ابن لبلاد الذهب الأسود كما يعرفه العالم.

في تلك المرحلة، سُئلت المنصور في برنامج تلفزيوني: «هل تتوقّعين أن يشاهد الجمهور السعودي فيلمك؟». فأجابت بثقة: «نعم! فالسعودية تتغيَّر». يومها لم تكن هناك مؤشّرات ملموسة لهذا التغيير على السطح، لكن الأمور كانت تتبدّل فعلًا في العمق.

نظرة بسيطة إلى المجتمع الشاب، الذي يُشكّل أغلب المجتمع السعودي، كانت كافية. فقد التقطت هيفاء المنصور المستقبل بعين فطنة، ورأت حبّ السينما لدى السعوديين الذين كانوا يُسافرون في نهاية كل أسبوع إلى البحرين لمشاهدة أحدث الأفلام. كما كان الآباء المحبّون للسينما يجلبون الأفلام إلى منازلهم ليشاهدوها مع أطفالهم ويصنعوا معهم ذكريات سعيدة، ومن بينهم والدها، الذي جعلها تحبّ أفلام الأكشن والرعب وتبني علاقتها الخاصة بالسينما.

رحلة السينما السعودية نحو الأوسكار
المرشحة المثالية (2019)

بعد سنوات، تحقّقت نبوءة المنصور. وقدَّمت تجربة سينمائية أخرى تمثَّلت في فيلم «المرشحة المثالية» عام 2019، الذي جمعها بإحدى أبرز الفنانات السعوديات اليوم، ميلا الزهراني.

لم تكن علاقتهما خلال التصوير قوية في البداية، إذ أدّى اختلاف الرؤى بين المخرجة والممثلة إلى كثير من الشدّ والجذب، قبل أن يتحوّل ذلك إلى صداقة وتفاهم كبيرَيْن بين موهبتَيْن تسعيان إلى إحداث فارق في صناعة السينما السعودية. وعادت المنصور للتعاون معها مؤخرًا في فيلم «المجهولة».

شارك «المرشحة المثالية» في «فينيسيا» أيضًا، لكن هذه المرة ضمن المسابقة الرسمية. وفيه اتّسعت أحلام المنصور للمرأة السعودية؛ فمن حلم «وجدة» بقيادة الدراجة، إلى حلم «مريم»، الطبيبة الشابة التي يقف التمييز الجندري في طريقها نحو فرصتها للترشح في انتخابات المجلس البلدي، رغم استحقاقها للفوز بمنصب محلّي.

ورُشِّح الفيلم أيضًا لتمثيل السعودية في الأوسكار ضمن فئة أفضل فيلم أجنبي، وإنما إنجازه الأكبر تمثّل في مشاركته في المسابقة الرسمية لمهرجان «فينيسيا»، ليصبح أول فيلم سعودي يُنافس على «الأسد الذهبي»، مضيفًا إنجازًا جديدًا إلى مسيرة المنصور.

في بداياتها، وصفها البعض في الصحف بأنها «زوبعة في فنجان»، وهو وصف لم تنسه المنصور. لكنها تركته خلفها، وواصلت طريقها لتثبت للجميع عدم صحته، وأنها كانت محقّة في إيمانها بأنّ السعودية ستتغيَّر يومًا وتصبح حاضنة لصناعة السينما.

خاضت طريقًا طويلًا، حتى وصلت إلى هوليوود، حيث صنعت أفلامًا تتحدَّث أيضًا عن النساء وأحلامهن وصراعاتهن. نساء يشبهنها، مثل ماري شيلي، الكاتبة التي عانت التهميش من المحيطين بها، قبل أن تصبح إحدى أشهر الكاتبات الإنجليزيات في التاريخ، وتُعرف بأنها مبتكرة شخصية «فرانكشتاين»، التي لا تزال محط اهتمام كبار المخرجين في العالم لتجسيدها على الشاشة.

 

لم تكن التجربة السعودية الأخيرة للمنصور، «المجهولة»، على القدر نفسه من النجاح الذي اعتادت تحقيقه، لكنها شكّلت امتدادًا للمسيرة ذاتها التي بدأتها في تجسيد أصوات النساء على الشاشة. وللأسف، لم يجد الفيلم طريقه إلى الجمهور السعودي في دور السينما، وإنما ذلك لم يؤثّر في مسيرتها الكفاحية، التي تُكرَّم اليوم ضمن الدورة الثانية عشرة من مهرجان أفلام السعودية، في قلب المملكة وبين صنّاع الأفلام الذين مهَّدت لهم الطريق عبر كسر حواجز الخوف والبحث عن الشغف من خلال قصص تنبض من قلب مجتمعهم. احتفاء مستحق باسمها.

عندما قالت هيفاء المنصور يومًا إنّ السعودية ستتغيَّر، لم تكن تتحدّث فقط عن عودة دُور العرض أو ازدهار صناعة السينما، بل عن حقّ القصص المحلية في أن تُروى، وحقّ أصحابها في أن يجدوا أصواتهم. واليوم، وهي تُكرَّم في مهرجان أفلام السعودية، تبدو رحلتها شهادة على قوة الإيمان بفكرة قبل أن تصبح واقعًا. فمن كاميرا منزلية صغيرة إلى منصات التتويج العالمية، لم تكن المنصور شاهدة فحسب على تحوّلات السينما السعودية. كانت واحدة من أبرز صانعيها.

اقرأ أيضا: هيفاء المنصور: السوق السعودي بحاجة إلى أفلام جماهيرية تعبّر عن هويتنا

شارك هذا المنشور

أضف تعليق