هيمنت أفلام الويسترن على السينما الأميركية في أربعينيات القرن الماضي وخمسينياته، بأبطالها الوسيمين والمثاليين، قبل أن يبدأ هذا النوع السينمائي بفقدان بريقه خلال الستينيات، ما أفسح المجال أمام جيل جديد من المخرجين لتقديم رؤى أكثر تعقيداً. وفي طليعة هذا التحوّل برزت أفلام السباغيتي الوسترن الذي قادها سيرجيو ليوني بأبطاله الغامضين الذين لا تفصل بينهم حدود واضحة بين الخير والشر. في انعكاس للتحولات التي شهدها المجتمع الأميركي آنذاك تحت وطأة حرب فيتنام وتداعياتها، والتي دفعت السينما إلى مزيد من النضج والابتعاد عن المثاليات التقليدية.
قدّم مخرجون مثل ليوني وسام بيكنباه، صورةً للغرب الأمريكي العنيف والقذر والمغبّر (أو الموحل) المليء بالشخصيات الدنيئة والجبانة. وفسحت الشخصيات المثالية، التي جسّدها جون واين وغاري كوبر وجيمس ستيوارت، المجال لنوع آخر من الأبطال (أو الأشرار؟)، أكثر غموضاً، والذي جسدها كلينت إيستوود بشكل فريد.

بدأ إيستوود مسيرته تحت إدارة المخرج دون سيغل، وكانت أفلامهما معاً مرجعاً لنوع السينما التي سيطورها إيستوود لاحقاً. في أفلامه كمخرج، قدّم إيستوود النوع السينمائي الذي أتقنه مع ليوني وسيغل: الغرب الأميركي، لكن من منظوره الفريد. كان فيلمه الخامس كمخرج هو «جوزي ويلز الخارج عن القانون» (1976، «The Outlaw Josey Wales»)، المحوري في مسيرته الاخراجية. بالإضافة إلى كونه مسلياً للغاية، ومذهلاً من الناحية الفنّية، وملحمياً تقريباً، يُعتبر أيضاً ذا طابع خلاصي، مضيفاً إليه طابعاً عدمياً.
اشترى إيستوود حقوق رواية «المتمرد الخارج عن القانون: جوزي زيلز» (1972) لآسا إيرل كارتل، التي عُرفت لاحقاً باسم «الذهاب إلى تكساس»، وعهد بالسيناريو والإخراج إلى فيليب كوفمان، الذي سعى إلى مزيد من الأصالة وتخفيف الدلالات السياسية الإشكالية في المادة الأصلية. لكن خلافات نشأت خلال الأسبوع الأول من التصوير، فلم يتردد إيستوود في استخدام نفوذه كمنتج لطرد كوفمان وتولي الإخراج بنفسه. ما أفضى إلى ما بات يُعرف بـ«قاعدة إيستوود»: سياسة وضعتها نقابة المخرجين الأمريكيين لمنع أي ممثل أو منتج من طرد مخرج ثم توليه الإخراج. نجا الفيلم من اضطراباته، وتجاوز فكرة الرجل المجهول في أمريكا ما بعد الحرب الأهلية ليقول شيئاً أعمق: جوزي ويلز (كلينت إيستوود) لا يجد خلاصه في القتل، بل في قبوله المتردد للانتماء، رجل مطارد يُنقذ على طريقه منهزمين آخرين، من سكان أصليين وكبار سن وناجين، ليشكّلوا معاً عائلة مضطربة في أرض مدمرة.

أمضت أفلام الغرب الكلاسيكية عقوداً في ترسيخ البطل الوحيد الذي يحمي مجتمعه ثم يختفي، إيستوود يأخذ هذه الأسطورة ويعيد صياغتها، في عالم ينهار وتغيب عنه القيم، ليختار جوزي ويلز أن يعيش وفق شروطه الخاصة. ويلز ليس من الأخيار. رجل طبعته المأساة وصنعته الكراهية، انضمّ إلى الحرب بحثاً عن اليانكيين الذين قتلوا عائلته، ولم يجدهم. انتهت الحرب وكان في الجانب الخاسر، لكن المنتصرين لم يكونوا بالضرورة على صواب. حين حاول رفاقه الاستسلام، كانت الخيانة بانتظارهم. قُتل معظمهم، ونجا ويلز وحيداً تقريباً، ووُضعت جائزة على رأسه. ومع ذلك لم يستسلم، ودون أن يتبقى له شيء يخسره، انطلق في رحلة متهورة خلّفت أثراً من الدماء. يُبدع إيستوود هنا إحدى أروع شخصياته: الندبة على وجهه، وقبعته، وصوت مهاميزه مع كل خطوة، ومضغه المستمر للتبغ وبصقه. كل ذلك حوّل ويلز إلى أيقونة حقيقية. لكن ما يمنح الشخصية عمقها الحقيقي هو تناقضها الداخلي: خارج عن القانون لا يقتل إلا حين يُضطر، ويمنح خصومه فرصة للهرب، لكنه لا يشعر بأي ندم حين يفعل.

المشهد الافتتاحي، مع ظهور شارة البداية ببطء، وصفيّ للغاية. ويلز عاجز عن منع مقتل عائلته. بعد دفنهم، يتدرّب على استخدام المسدس (مشهد سيكرره لاحقاً في فيلم «غير مغفور» (1992،«Unforgiven»)). ثم، من خلال حذف زمني (لا نعرف كم من الوقت مرّ)، يصوّر إيستوود واحدة من أروع لقطات مسيرته. تلك التي يجلس فيها، على قمة تلو صغيرة، أمام قبور عائلته، بينما تظهر خلفه مجموعة صغيرة من الخارجين عن القانون الذي سينضم إليهم، كالأشباح. لم يعد وجه ويلز وجه رب أسرة، نظرته غريبة من عالم آخر. حرب عبثية سلبت منه كلّ شيء.
يعكس الفيلم بدقة مزاج الشعب الأمريكي في أعقاب هزيمة فيتنام. إيستوود من الجنوب وكذلك شخصيته، لكن رؤيته لا تستهدف العدو بقدر ما تعكس خيبة أمل شعب مهزوم. في لحظة من الفيلم، يُعلن ويلز أن البشر قادرون على العيش بسلام دون قتال. يوتوبيا حزينة تتجسد فعلياً حين يجمع على طول رحلته أناساً مختلفين من أماكن متفرقة، ليستقروا معاً في مكان شبه معزول، يسعون فيه ببساطة إلى العيش.

تتشكّل شخصية ويلز وتتطور نفسياً عبر الشخصيات التي تتقاطع معه في رحلته، وهو ما يُدمجه إيستوود في براعة سردية داخل نسيج واحد متماسك. جيمي (سام بوتونز) رفيق ويلز الشاب: المتمرد المثالي، الضحية التي تُزهق في كل حرب، وشجاعته تدفعه حتى في لحظاته الأخيرة لإنقاذ ويلز. الزعيم دان جورج يؤدي دور لون وولف، مصدر الفكاهة الرئيسي في الفيلم بفضل أداء استثنائي.
في أفلام إيستوود الغربية، إما تغيب شخصية الأمريكي الأصلي أو تُعامَل باحترام تام، كما في حضور ويل سيمبسون بدور الزعيم الذي يعقد مع ويلز عهد شرف فوق كل قانون وحكومة. سوندرا لوك، في أولى تجاربها مع إيستوود، تجسّد الشخصية التي تُعيد ويلز إلى ذكرى عائلته. وجون فيرنون في دور فليتشر، الشريك الذي يُجبَر على الخيانة ثم المطاردة، يحمل موضوعاً بيكينباهياً بامتياز عن الصداقة المتصدعة، يبلغ ذروته في اعتذاره الصامت في نهاية الفيلم.
تبدو شخصية إيستوود امتداداً للشخصيات التي أداها مع ليوني، لكن مع تغييرات جوهرية: هذه المرة اسمه بارز ونعرف ماضيه. ويلز، تماشياً مع تقاليد إيستوود، بطلٌ مضاد، إحساسه بالعدالة يُشبه هاري كالاهان («هاري القذر» 1971، «Dirty Harry»)، شخص يتجاوز الأيديولوجيا ويُجبر على استخدام العنف لإنفاذها. فقد ثقته في معظم البشرية، وينعكس ذلك في سلوكه الكئيب تجاه كل من حوله: يبصق تبغه باستمرار على ضحاياه، وعلى سترة من يحاول خداعة، حتى على كلبه الوفي الذي يرد على بصقه بالنباح.
اقرأ أيضا: كلينت إيستوود… كلّ شيء فيه سينمائي