فاصلة

مقالات

عن سينما كريستيان مونجيو الفائز بـ«سعفتين»… القرارات الصغيرة تصنع المصائر الكبرى

Reading Time: 6 minutes

لا يحتاج كريستيان مونجيو إلى تعريف معقَّد أو تمهيد مطوّل، كما هي الحال مع بعض القامات السينمائية التي تكرَّست أسماؤها في المهرجانات الأوروبية الكبرى. فهو المخرج الروماني الخمسيني الذي حصد «سعفتين»، آخرهما عن «فيورد»، قبل أيام، رغم أنه لم ينجز حتى اليوم سوى ستة أفلام طويلة فقط. وهذه الحالة، إلى جانب السويدي روبن أوستلوند، تبدو استثنائية ونادرة في المشهد السينمائي المعاصر، خصوصًا إذا ما قورنت بما «عاشه» بدرو ألمودوفار (أو ثيو أنغلوبولوس)، الذي شارك سبع مرات في المهرجان، وأنجز 24 فيلمًا، ومع ذلك ظلّ طريقه إلى «السعفة» مقطوعًا.

Fjord
Fjord (2026)

شغف الفنّ والسينما قاد هذا الذي درس الأدب الإنكليزي وعمل صحافيًا في بداياته، إلى الإخراج الذي سيصبح لاحقًا هويته الأساس. تخرّج في مدرسة السينما ببوخارست، ثم عمل مساعد مخرج في أكثر من 15 فيلمًا، من بينها «النقيب كونان» لبرتران تافرنييه (صُوِّر جزئيًا في رومانيا)، و«قطار الحياة» لرادو ميهايليانو، وهو مخرج روماني آخر يكبره بعشر سنوات. منذ مرحلة مبكرة من مسيرته، أصبح مونجيو «مخرجًا كانيًّا»، فلم يطأ مهرجانًا آخر من بعدها.

رومانيا في منتصف التسعينات بدت أشبه ببقعة معلّقة بين عالمين: كان النظام الشيوعي قد انهار منذ نحو عقد، وإنما أشباحه ظلّت حاضرة في كلّ مكان: في الكتل الإسمنتية الرمادية، وفي بطء الإجراءات الإدارية، وفي الإرث الثقيل الذي خلَّفه حكم نيكولاي تشاوشيسكو خلال 15 عامًا من السلطة. كان حلم الشباب آنذاك الرحيل.

Occident (2002)
Occident (2002)

في هذا المناخ الاجتماعي، مَوضع مونجيو فيلمه الأول «غرب» (2002)، ضمن قسم «أسبوعا صنّاع السينما»، حيث يتقاطع مصير ثلاثة أشخاص، يحاول كلّ منهم الهروب من الفقر واليأس بحثًا عن فرصة لحياة أفضل، قبل أن تجمعهم الأحداث في مقبرة. تدور القصّة في قالب من الكوميديا السوداء، تُضيء على الهجرة ومعاناة المهمّشين، عبر علاقات إنسانية متشابكة ومواقف عبثية تتأرجح بين السخرية والمرارة. يستند العمل إلى رؤية المخرج المُعلنة، القائمة على رغبة في التقاط «ما يثقل كاهل البشر ويؤثّر في سلوكهم واختياراتهم»، أي ذلك الجانب الخفيّ الذي يصوغ المصائر.

4 Months, 3 Weeks and 2 Days (2007)
4 Months, 3 Weeks and 2 Days (2007)

هذه الأحوال الصعبة في بلاد داركولا نتج منها ما عُرف في التسعينات بـ«الموجة الرومانية الجديدة»، وكان رائدها كريستي بيو، رغم أنه هو نفسه تبرّأ من هذا التعبير، قائلًا ذات يوم: «لا توجد موجة رومانية، وإنما سينمائيون رومانيون محبطون». ومثلما كان فيلمه «موت دانتي لازاريسكو» محطّة في السينما الرومانية الحديثة، جاء «أربعة أشهر، ثلاثة أسابيع ويومان» (استحق عنه أول «سعفة» عام 2007) ليضع رومانيا على الخريطة السينمائية، محوّلًا مخرجه إلى أول روماني ينال هذه الجائزة، وكان آنذاك في التاسعة والثلاثين.

يستعيد مونجيو ملامح البدايات الأولى لـ«الموجة الرومانية الجديدة»، قائلًا: «في مطلع الألفية الثالثة، كان هناك فيلمان رومانيان فقط في «كانّ». عام 2001 شارك كريستي بيو في «أسبوعا صنّاع السينما»، وفي العام التالي شاركتُ أنا. يومها، أعادت أفلامنا السينما الرومانية إلى «كانّ» بعد غياب طويل، وشرّعت باب التواصل مع جيل سينمائي جديد. كانت تلك المرة الأولى التي نحمل فيها إلى الشاشة أفلامًا تتناول سقوط الشيوعية، وهو ما أثار فضولًا متزايدًا ولفت الأنظار إلينا. وقد ساعدنا هذا الاهتمام على تحسين الظروف التي كنّا ننجز فيها أفلامنا داخل رومانيا. تلك المنافسة التي نشأت بين المخرجين كانت نزيهة ودفعت الجميع إلى تطوير أدواتهم. وإنما الذهاب إلى «كانّ» لم يعد، بعد سنوات قليلة، كافيًا وحده لإثارة الانتباه، خصوصًا مع ارتفاع سقف التوقّعات لدى الجمهور والنقّاد. صحيح أننا بدأنا نحصد الجوائز، لكن عناوين الصحف راحت تضيق شيئًا فشيئًا، ومع الوقت، صار هاجسنا الأساسي أن نقدّم عملًا يتجاوز ما سبق، إدراكًا منّا أننا نأتي من بيئة لا تتيح لنا إنجاز فيلم كلّ عام».

4 Months, 3 Weeks and 2 Days (2007)
4 Months, 3 Weeks and 2 Days (2007)

يتناول «أربعة أشهر، ثلاثة أسابيع ويومان» مرحلة ما قبل سقوط الشيوعية في رومانيا عام 1987، حيث تحاول فتاة (أناماريا مارينكا) حامل إجراء إجهاض غير قانوني بمساعدة صديقتها (لورا فاسيليو)، فتواجهان سلسلة من المواقف داخل مجتمع بيروقراطي خانق. يتميّز العمل بنمط اشتغال واقعي يعتمد على اللقطات الطويلة وغياب الموسيقى، وحوارات كثيفة. يرسم مونجيو، من خلال تفاصيل يومية بسيطة، صورة مجتمع مضغوط تتجلّى فيه قسوة النظام على الأفراد.

في ماستركلاس أقامه في «قمرة» (الدوحة) قبل أكثر من 10 سنوات، روى مونجيو تفاصيل حول الفيلم: «ودّدتُ أن أخبر قصّة ضمن مدّة زمنية قصيرة جدًا ومن دون أن أفوِّت أي تفصيل. علمتُ منذ البدء أنني أريد لقطات طويلة لا تنطوي على أي مونتاج أو موسيقى، في غياب أي عنصر يشير إلى وجودي هناك مخرجًا. كان في نيّتي إظهار كلّ شيء بأبسط طريقة ممكنة. امتنعتُ عن الموسيقى كي لا أشير إلى أنّ هناك لحظة تصاعدية معيّنة، ولكن كان لا بدّ من لحظات تصاعدية. حاولتُ أن أضع المُشاهد في عقل الفتاة الحامل، ولكن فجأةً فهمتُ أنّ للسينما محدودية. قبل التصوير، قررتُ أن الكاميرا يجب أن تتناسب مع حرارة الحركة. لم نحرّكها إلا في حالات معينة، تفاديًا لأي شيء مصطنع».

Beyond the Hills (2012)
Beyond the Hills (2012)

في «خلف التلال»، الفائز بجائزتَي السيناريو والتمثيل النسائي في «كانّ» 2012، حصر مونجيو الأحداث داخل دير معزول وما يجاوره، ليصوغ حكاية تحدث فصولها بين فتاة (كريستينا فلوتور) وراهبة (كوسمينا ستراتان). تصل ألينا إلى الدير محاولةً إقناع فويتشيتا بالتخلّي عن الرهبنة والعودة معها إلى ألمانيا، وإنما الأمور سرعان ما تتعقَّد تحت وطأة السلطة الدينية الصارمة، إذ تتحوَّل المشاعر إلى اختبار قاسٍ للإيمان والطاعة والرغبة. مرة جديدة، استعاد مونجيو أدواته الإخراجية التي بات يتقنها بمهارة. إنه من القادرين على تشييد تراجيديات معاصرة يصعب ابتلاع مرارتها بسهولة. أما نظرته فتبدو باردة ومحايدة، لا تسعى إلى فضح المؤسّسة الإكليريكية.

«باكالوريا» (2016)، فيلم آخر ذو خيارات مونجيوية، أعاده إلى «كانّ»، فأُسندت إليه جائزة الإخراج. بدقّة تُشبه العمل المختبري، يتابع الفيلم بتمهّل شديد «مغامرات» أب (أدريان تيتياني) يريد لابنته (ماري فيكتوريا دراغوس) النجاح في الباكالوريا كي تلتحق بجامعة بريطانية وتخرج من بلاد بلا مستقبل. الحكاية بهذه البساطة، وإنما مونجيو لا ينتصر للخيارات المعتدلة عندما يطرح أزمة الفرد الأخلاقية في رومانيا الحديثة.

R.M.N. (2022)
R.M.N. (2022)

مع «رنين مغناطيسي نووي» (2022)، عاد مونجيو إلى نطاق أوسع، إذ تدور الأحداث في ترانسيلفانيا قبل عيد الميلاد. جماعات رومانية وغجرية وهنغارية وألمانية تعيش معًا، وسط توتّرات وانقسامات واضحة. وصول عمّال أجانب يُثير خوف السكّان من فقدان العمل وتبدُّل الهوية، فتظهر نزعات عنصرية وخطابات عدائية داخل المجتمع الصغير. تتصاعد هذه التوتّرات في مشهد جماعي يكشف تناقضات السكّان ومخاوفهم من «الآخر»، من دون أن يتدخَّل الفيلم في إدانة مباشرة، كما الحال في معظم الأحيان عند مونجيو. ولكن، من خلال هذا الفضاء الضيّق، يرصد تعقيد العلاقات الإنسانية في أوروبا المعاصرة، إذ يمتزج القلق الاقتصادي بالفوبيا، لتتحوَّل القرية إلى نموذج لصراعات أوسع على مستوى القارة.

والحقّ أن الحياد في التقاط الحالات والظروف يحمل بصمة مونجيو. أسلوبه يقوم على ما يمكن تسميته بـ«الزمن المتروك». اللقطات الطويلة خيار جمالي يراهن على التراكم كي يتولّد منها شيء ما. في أحد أكثر مَشاهد «أربعة أشهر…» دلالةً، يتحوَّل فندق صغير إلى مختبر اجتماعي كامل: حوار بسيط يكشف طبقات من القسوة اليومية، من الإهانة الصامتة إلى التواطؤ غير المقصود. لمونجيو دائمًا تلك القدرة على حصر الأماكن في كفّ الفيلم.

الخيار القائم على الامتناع عن الموسيقى والتلاعب العاطفي، يضع المُشاهد في حالة مواجهة مع الواقع، إذ ليس ثمة «توجيه شعوري». الزمن الخام يفرض على المتلقّي أن يرى ويستنتج بنفسه. بهذا المعنى، يقترب مونجيو من تقليد سينما الأخوين داردن، لكن مع حساسية رومانية خاصة تميل إلى البرودة التحليلية منها إلى العاطفة.

في مقابلاته، يشرح أنّ نقطة انطلاق أي فيلم ليست القصّة وإنما «البورتريه». فهو لا يبدأ من حدث درامي معين، ولكن من تصوّر لنوع الفيلم الذي يريد إنجازه. من هذا البورتريه تولد الحكاية. لذلك تبدو أفلامه كأنها مبنية من الداخل إلى الخارج: الفكرة أولًا، ثم العالم، ثم الشخصيات.

لكن قوة مونجيو لا تكمن فقط في الشكل، إذ إنها تتجسّد في الطريقة التي يطرح فيها فكرة الأخلاق اليومية. في عالمه السينمائي، لا يوجد خير واضح أو شرّ يسهل تشخيصه، بل شبكة معقَّدة من القرارات الصغيرة التي تتراكم لتصنع نتائج كارثية. أما الشعور بالذنب، فحالة مستمرّة لا إقلاع عنها. لعله نتيجة طبيعية للعيش داخل نظام لا يسمح بالاختيار الحرّ.

Graduation (2016)
Graduation (2016)

في أفلامه الطويلة الثلاثة التي أنجزها بين «السعفتين»، واصل مونجيو النظر بدقّة داخل البنى الاجتماعية من زوايا مختلفة: الدين، التعليم، الفساد، لكن دائمًا عبر المنهج نفسه: الاقتراب البطيء من لحظة الانفجار الأخلاقي، ولكن من دون أن ينفجر الفيلم فعليًا.

وهكذا، أصبح أحد أبرز الأصوات الأوروبية التي تشتغل على ما يمكن تسميته بـ«سينما القرارات الصغيرة»، وفيها لا يحدث أي تحوّل كبير فجأةً. على الشخصيات انتظار سلسلة من التنازلات اليومية، وصولًا إلى السؤال الآتي: كيف يتحوّل الإنسان إلى جزء من آلة أكبر منه من دون أن يعي ذلك؟

على المستوى الإنساني، يربط مونجيو دائمًا بين الفنّ والمسؤولية، من دون أن يكون واعظًا أو مُعلّمًا تنويريًا. وهذا كلّه يتأتى عنده من الوعي الكامل بأن كلّ قرار جمالي هو في النهاية قرار أخلاقي. ماذا نُظهِر؟ ماذا نخفي؟ أين نقطع؟ وأين نترك الزمن يمضي؟ هذه الهواجس في صلب عمله، حتى عندما تبدو بسيطة.

اقرأ أيضا: «فيورد»… مجرّد صفعة بسيطة

شارك هذا المنشور

أضف تعليق