فاصلة

مراجعات

«الكرة السوداء»: هل يقع الفاشيون في الحب؟

Reading Time: 4 minutes

وسط قائمة مليئة بالأسماء الكبيرة لمخرجي المسابقة الرسمية في مهرجان «كانّ» في النسخة التاسعة والسبعين، لم يتوقَّع كثيرون أنّ جائزة أفضل مخرج ستذهب في النهاية إلى خافيير أمبروسي وخافيير كالفو؛ مخرجَي فيلم «الكرة السوداء» أو «La bola Negra».

الشابان الإسبانيان لم يُنجزا من قبل سوى فيلم واحد هو «Holy Camp» عام 2017، بالإضافة إلى عدد من المسلسلات التلفزيونية الإسبانية. صحيح أنهما تقاسما الجائزة في «كانّ» مع البولندي الخبير بافل بافليكوفيسكي، وإنما السؤال يبقى: ماذا صنع أمبروسي وكالفو ليس فقط لانتزاع هذه الجائزة، ولكن أيضًا لكي يصبح فيلمهما ثاني أكثر الأفلام التي حظيت بالتصفيق وقوفًا «Standing Ovation» في تاريخ مهرجان «كانّ»؟

وإن ابتعدنا عن الجوائز والتصفيق، كيف يمكن للفاشيين أن يقعوا في الحب؟ وكيف يمكننا التأمّل في السؤال الأبدي عن تقييم الأعمال السينمائية بين الشكل والمضمون؟

ثلاثة خطوط سردية

تدور الأحداث في ثلاثة خطوط سردية: الأول يقع في الثلاثينات خلال الحرب الأهلية الإسبانية، والثاني في الخيال في مسرحية تدور في التوقيت نفسه، والثالث في الوقت الحاضر.

The Black Ball (2026)
The Black Ball (2026)

في الخط السردي الأول نتعرَّف إلى شاب يعيش في قرية إسبانية صغيرة. تساند القرية الجانب القومي في مواجهة الجمهوريين، والجانب القومي تسانده إيطاليا الفاشية، وهكذا تُنظّم القرية استعراضًا موسيقيًا صغيرًا للترحيب بطائرات إيطاليا. تلك الطائرات تمطرهم بالقنابل بعد ذلك، وتدمّر القرية وتقتل غالبيتهم، ومن بينهم أمُّ هذا الشاب.

يهرب الشاب وسط الجثث والحطام، ثم يقع في أسر القوميين، فيخبرهم أنه واحد منهم، وهكذا يصبح جنديًا في الجيش الذي قتل أمه ودمَّر قريته.

يعثر الجندي عقب ذلك على أوراق مسرحية كتبها الأديب الإسباني الأشهر غارسيا لوركا خلال مرحلة بداية الحرب في الثلاثينات قبل مقتله، ثم تنتقل الأوراق بعد عشرات السنوات إلى حفيده في العصر الحالي

The Black Ball (2026)
The Black Ball (2026)

.

وعلى هيئة إشارة تاريخية، فالحرب الأهلية الإسبانية وقعت بين طرفين: على جانب القوميين، وتُساندهم القوى الملكية وألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية، وفي مواجهتهم الجمهوريون، ومنهم اليساريون والشيوعيون والأناركيون، ويُساندهم الاتحاد السوفياتي.

حكاية متشعّبة وتعد بالكثير، لكن الأهم دائمًا ليس ما تخبرني به، ولكن كيف تخبرني به.

الحرب تتابُع كوريوغرافي

يبدأ الفيلم بتتابع سينمائي مذهل، نتعرَّف من خلاله على القرية الإسبانية وأهلها، ثم يبدأ الغناء، ثم يبدأ القصف والقتل، وهروب بطل الحكاية وسط الانفجارات والحطام. يبدو التتابُع بصريًا وكأنه رقصة مصمَّمة بعناية، ويبدو الأمر على حزنه وقسوته جميلًا وخلّابًا. يتكرّر هذا الأسلوب في تتابعين آخرين خلال حكاية «الكرة السوداء» في الخط السردي الخيالي، أحدهما رقصة طويلة تعتمد على أصوات نقر الأقدام على الأرض في حانة إسبانية تجمع اليساريين في الثلاثينات، ثم في تتابُع أخير يدور بشكل مكتمل على سفح جبل ثلجي.

The Black Ball (2026)
The Black Ball (2026)

هذه التتابعات الجميلة بشكل يحرّك البكاء بصريًا وصوتيًا، تدفع الحكاية أيضًا إلى الأمام. هي ليست مجرّد جمال أسلوبي، ولكن كلّ منها يحمل أيضًا وظيفة داخل سردية الفيلم. الأول هو لحظة التأسيس لتاريخ بطل الحكاية، والثاني هو لحظة ثورة داخل المسرحية التي تدور في الخيال، والثالث حلم… تتابُع يمكن وصفه بأنه تأمّلي فلسفي يترك لنا بابًا كبيرًا مفتوحًا على مصراعيه لتأويله. تمتزج أشعار لوركا كذلك مع هذا الجمال السينمائي في التتابع الثالث، ليصبح من خلاله ربما التتابع الأجمل داخل كلّ أفلام المهرجان.

تصنع هذه التتابعات الثلاثة من الفيلم تحفة سينمائية، لكنها، يا للأسف، تحفة غير مُكتملة، فالخطّ السردي الذي يدور في الحاضر يبقى من البداية للنهاية في مستوى متواضع جدًا على جميع المستويات، وكأنه من فيلم آخر، وكأنّ السحر الذي نراه في الخطين السرديين اللذين يحدثان في الماضي قد نفد هنا.

الدنيا تتابُع كويري

يبني الفيلم حكايته على الهوية الجنسية لبطله؛ هوية يكتشفها هو نفسه خلال الحرب، ثم يشعر بتعاطف مع أحد الأسرى الذي يحمل الميول نفسها، ثم يكتشف من خلال هذا الأسير مسرحية كتبها لوركا تتحدّث عن شاب ممنوع من دخول نادٍ تحكمه مجموعة من النبلاء بسبب شكوكهم في هويته الجنسية، ثم تقع خطوط الحكاية بأكملها في يد حفيد هذا البطل في العصر الحالي، الذي يملك أيضًا الهوية الجنسية نفسها.

The Black Ball (2026)
The Black Ball (2026)

تبدو الحكاية هكذا كأنها تحدث في عالم يضع هويته الجنسية في مركزه، لكن بعيدًا عن ذلك يطرح سؤالًا مهمًا وربما يدفعنا جميعًا إلى التفكير: هل تعفيك هويتك الجنسية المضطهدة من كونك فاشيًا؟ جبانًا؟ أو قاتلًا؟

هل يقع الفاشيون في الحب؟

في أحد مَشاهد الفيلم، تدعو إحدى المؤرّخات مستمعيها إلى التأمّل في تاريخ القوميين الإسبان وما يحيط به من خزيّ وعار. تنصَّل الجميع من معرفتهم، وكأن لم يكتُب أيٌّ منهم خطابَ حبٍّ في يوم ما، ولم يعانق أحدهم أسرته من قبل!

يصبح هذا الحديث دعوة لتأمل الحفيد في تاريخ جدّه؛ الجندي في الجيش الفاشي خلال الحرب، ويصبح بشكل استرجاعي رحلة تطهر حكاية الجدّ من جرائم كثيرة شهدها وجرائم كثيرة شارك فيها، فقط لأنه وُجِد في الزمن الخطأ والمكان الخطأ.

The Black Ball (2026)
The Black Ball (2026)

هل سيحظى الجدّ بهذه الفرصة التطهرية لو امتلك هوية جنسية أخرى؟ أم أنّ الفاشية عادة ما تنجح في تحقيق جرائمها بسبب وجود عدد من الجبناء داخل صفوفها؟ ليسوا أشرارًا بالضرورة، لكنهم أجبن من التضحية بحياتهم ورفض الأوامر. حينما نتأمّل الفيلم هكذا، يصبح سؤاله الرئيسي خطيرًا جدًا، وهو هكذا عن إزاحة الخزيّ عن الفاشيين والمتورّطين في جرائم ضدّ الإنسانية، لأنهم هم أيضًا مضطهدون لأسباب أخرى.

فيلم «الكرة السوداء» يقدّم تحفة سينمائية تتضمَّن لحظات سينمائية سحرية، لكنها غير مُكتملة، في حكاية تستخدم الهوية الجنسية جسرًا غير ممهَّد بين ثلاثة رجال من أجيال مختلفة، ويقدّم كذلك تساؤلًا مهمًا عن أنسنة الفاشيين ومجرمي الحرب، ربما حتى بشكل غير واعٍ.

اقرأ أيضا: «مينوتور»… قربان في عالم بلا حبّ ولا أخلاق

شارك هذا المنشور

أضف تعليق