فاصلة

أخبار وتقارير

ليا سيدو: السينما الأوروبية تمنحني حرّية لا أجدها في أميركا

Reading Time: 5 minutes

شهد مهرجان «كانّ» السينمائي الدولي المؤتمر الصحافي الحافل لفيلم الإثارة «The Unknown ـ المجهول»، المُشارك في المسابقة الرسمية، بحضور مخرجه آرثر هاراري، وبطلة العمل النجمة ليا سيدو، والنجم نيلز شنايدر. وتناول المؤتمر نقاشات حول الهوية، والجسد، والزمن، وصولًا إلى مواجهات سياسية أثارها الصحافيون بشأن مستقبل تمويل السينما الفرنسية وحرّية التعبير.

يدور الفيلم حول «ديفيد زيمرمان»، وهو مصوّر فوتوغرافي في أواخر الثلاثينات من عمره، يعيش في الظلّ ويمارس شغفه بالتقاط الصور من دون أن يدرك أحد موهبته أو يلاحظ وجوده الفنّي.

وتتّخذ حياته مسارًا غامضًا وغير متوقَّع عندما ينجح أصدقاؤه في إقناعه بحضور حفلة صاخبة. وهناك، تقع عيناه على امرأة غامضة بين الحضور، فيأسره حضورها إلى درجة تمنعه من صرف نظره عنها، لينتهي به الأمر إلى تعقُّب خطواتها.

لكن الإثارة تتحوَّل إلى صدمة وجودية مرعبة، حين يستيقظ ديفيد ليجد نفسه داخل جسد تلك المرأة المجهولة، لتبدأ رحلة البحث عن الهوية والروح وسط دوار مرعب من فقدان الذات والجسد.

فقدان الجسد والاحتفاظ بالروح

في بداية المؤتمر، استعرض آرثر هاراري الرؤية الفلسفية خلف الفيلم، موضحًا أنّ نقطة الانطلاق جاءت من فكرة استوحاها من شقيقه، إذ يتراكم هذا الفقد مع تطوّر القصة.

آرثر هاراري
آرثر هاراري

وأشار إلى أنّ الهدف كان فتح جميع الاحتمالات الممكنة داخل لحظة من الدوار والذهول التام، لافتًا إلى وجود شعور يسيطر على مساحة الفيلم بأكملها، يُشبه ما يلاحظه الآباء يوميًا خلال تربية أطفالهم؛ إذ يرونهم يكبرون وتختفي طبقات من طفولتهم، لكنها تبقى محفوظة في الذاكرة. وأضاف أنّ الوجود نفسه يمثل، بطريقة ما، بداية للاختفاء.

وتناول النقاش تحول ثيمة «تبادل الأجساد» في الفيلم إلى تراجيديا مثيرة للاهتمام، بدل استغلالها المعتاد سينمائيًا في الكوميديا والمفارقات، وهو ما يظهر بوضوح في مَشاهد تصوير الضواحي، ومقارنة الصور القديمة بالحديثة للبشر الذين يتحوَّلون تدريجيًا إلى أثر.

وفي هذا السياق، استذكر هاراري كتابًا في منزل والديه بعنوان «قرن يمر»، يضم صور بطاقات بريدية من عشرينات القرن الماضي وثلاثيناته لضاحية باريسية، ويكشف مفهوم التآكل والاختفاء عبر قرن كامل.

وأضاف المخرج أنه نشأ في ضاحية قريبة من باريس، ولا يزال والداه يعيشان هناك، مشيرًا إلى أنّ مناظر طفولته التي احتفظت بها الصور بدأت تختفي تدريجيًا، معتبرًا أنّ هذا الأمر طبيعي في الحياة الواقعية، لكنه أراد إبراز جانبه المأساوي داخل الفيلم.

آرثر هاراري
آرثر هاراري

ومع تطوّر الكتابة، أدرك هاراري، الحائز على جائزة الأوسكار لأفضل سيناريو أصلي عن فيلم «Anatomy of a Fall ـ تشريح سقوط»، أنّ هذا الخط التراجيدي يمكن تجاوزه نحو مساحة أكثر سكينة، إذ توجد قدرية مخيفة في الحياة، لكن السرد القصصي يسمح بتجاوزها.

وأكد أن الفيلم يتعامل في جوهره مع فكرة القبول؛ فبعد الاضطراب العنيف، ينتهي الأمر بالإيمان بأنّ هناك شيئًا ما لا يزال يستحق العيش من أجله.

العيش داخل جسد الآخر

بدورها، تحدَّثت النجمة ليا سيدو عن تجربتها المعقدة في تقمُّص دور رجل، «ديفيد»، يستيقظ داخل جسد امرأة، مؤكدة أنّ المفارقة في التمثيل تكمن في محاولة عدم الفصل بين الممثل والشخصية، وإنما جذب الشخصية إلى ذات الممثل.

ليا سيدو
ليا سيدو

وأشارت إلى أن تجسيد امرأة لدور رجل كان تحديًا هائلًا وفانتازيا مطلقة تتيح للممثل اختراع ما يشاء، كاشفة أنها، منذ المشهد الأول في موقع التصوير، تبنت قناعة: «أنا ديفيد، وديفيد هو أنا»، مستشهدةً بعبارة غوستاف فلوبير الشهيرة: «مدام بوفاري هي أنا».

من جانبه، أكد الممثل نيلز شنايدر أنّ التمثيل عمل مثير لأنه يطرح أسئلة لا حصر لها حول الهوية، التي وصفها بأنها غير مستقرة وغير ثابتة.

وأوضح أنه لم ينظر إلى الأمر باعتباره أداءً لدور امرأة أو مراهقة، بل أراد تجسيد شخص فهمه فعلًا إنسانيًا، مشيرًا إلى أنّ العيش داخل جسد واحد وهم، لأنّ الجسد يتغيَّر باستمرار.

وأضاف أنّ التحدّي الأكبر تمثل في كيفية إظهار روح الشخصية، «ماليا»، عبر الجسد والأزياء، وجعلها واضحة وشفّافة، من دون الاكتفاء بفبركة الأداء.

وعقَّب شنايدر على فكرة اختفاء الأجساد في الفيلم، قائلًا إنّ الصعوبة تكمن في أن الجسد يقاوم باستمرار، مشيرًا إلى أنّ ما ساعده في النهاية هو وجود «تحوّل مزدوج»، لأنه في الحقيقة لا يشبه شخصية ديفيد أيضًا، ممّا جعله يشعر بأنه متحوّل بالكامل.

نيلز شنايدر
نيلز شنايدر

وأكد أنّ الفيلم مليء بالقلق والاضطراب النفسي الناتج عن الوجود داخل جسد غريب لا يخصّ الإنسان، واصفًا شخصية ديفيد بأنها جامدة مثل الخرسانة وترفض هذا التغيير.

وفي السياق عينه، أكدت ليا سيدو أنّ الفيلم يحتفي بمفهوم النوع الاجتماعي (Gender)، ويركز على فكرة الكائن البشري ومكوّناته، طارحة تساؤلات حول مدى حاجتنا إلى نظرة الآخرين واعترافهم بنا كما نحن، وما إذا كنا نتكوَّن من ذكرياتنا أم من أجسادنا.

وأوضحت النجمة الفرنسية أنّ الفيلم مشبَّع بالقلق، وهو قلق يجب السيطرة عليه باستمرار للحفاظ على تماسُك العمل والمضي به إلى الأمام.

سرّ التسمية

وفي سياق متصل، كشف المخرج آرثر هاراري عن عملية الإبداع وراء الفيلم وسبب اختيار اسم «المجهول»، موضحًا أن الرواية المصوَّرة الأصلية التي كتبها لوكا بانتاري كانت تحمل عنوان «قضية ديفيد زيمرمان»، لكنه شَعَر سريعًا بضرورة تغييره.

وأشار إلى أنه لم يقدم اقتباسًا حرفيًا للرواية، وإنما كتب السيناريو بالتعاون مع شقيقه لوكاس، إذ كان الأخير يتولّى الكتابة بينما يقوم هو بالمعالجة، وخلال هذه العملية شَعَر بالحاجة إلى البحث عن الهوية الحقيقية لهذه الأجساد، ما دفعه إلى تغيير العنوان.

واستقر المخرج على اسم «The Unknown»، تيمّنًا بفيلم صامت قديم يُحبّه للمخرج تود براونينغ، مضيفًا حرف (E) في النسخة الفرنسية «L’Inconnue» لتأنيث الاسم، في إشارة إلى أنّ هذا «المجهول» امرأة، ولأنّ القصة تتحرَّك طوال الوقت نحو امرأة مجهولة يظلّ غموضها قائمًا حتى النهاية.

أزمة تمويل السينما الفرنسية وحرّية التعبير

وشهد المؤتمر مواجهة سياسية ساخنة حين سُئل الممثلون عن سبب توقيعهم على عريضة احتجاجية ضد الملياردير فينسينت بولوريه، رغم تهديده بوقف تمويل مشاريع الموقعين عليها، مع طرح تساؤلات عن الجهة التي يمكن أن تسدّ الفراغ إذا توقفت شبكة «Canal+» عن دعم السينما الفرنسية.

وتولّى هاراري الردّ نيابة عن فريق العمل، موضحًا أن التوقيع جرى قبل الأحداث الأخيرة، ومؤكدًا ضرورة تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية، في وقت يُواجه فيه المجتمع الفرنسي شبح صعود اليمين المتطرّف.

آرثر هاراري
آرثر هاراري

وأضاف أنه، رغم إمكانية الاختلاف مع بعض ما ورد في العريضة، كان من الضروري التحدُّث علنًا عن الوضع المرتبط بمجموعة بولوريه، التي تمول جزءًا كبيرًا من السينما الفرنسية والأوروبية.

وحذَّر من أنّ دمج شبكة «Canal+» داخل مجموعة إعلامية أكبر يملكها بولوريه يؤدّي إلى تركيز عدد هائل من الصحف ووسائل الإعلام في يد واحدة، ممّا يفتح الباب أمام استغلالها من اليمين المتطرف، الذي يعلن صراحة رغبته في تفكيك المركز الوطني للسينما «CNC».

مقارنة بين هوليوود والسينما الأوروبية

وفي ختام المؤتمر، قارنت النجمة ليا سيدو بين نظام السينما التجارية الأميركية والسينما الفرنسية والأوروبية، استنادًا إلى تجربتها في الجانبين.

وأعربت عن حبّها للعمل مع مخرجين متنوّعين في الأفلام الأميركية والفرنسية والأوروبية على السواء، موضحةً أنها لا تستطيع التحدُّث بعمق عن هوليوود على أنها نظام إنتاجي أو مالي، لأنها لا تشعر بأنها جزء حقيقي من ذلك النظام.

وأكدت سيدو أنها تشعر بحظّ كبير لكونها ممثلة أوروبية، إذ تمنحها السينما الأوروبية مساحة أوسع من الحرّية وتنوّعًا أكبر في الأدوار التي يمكنها تقديمها، مقارنةً بتجربتها في الولايات المتحدة، التي اقتصرت غالبًا على أدوار أصغر حجمًا.

وختمت حديثها بالإشارة إلى أنها تستمتع كثيرًا بقدرتها على التكيُّف مع أنظمة إنتاجية مختلفة وتطويع أدائها داخلها، معتبرةً أنّ هذا التحدّي يُمثّل شغفها الأكبر في مسيرتها المهنية.

شارك هذا المنشور

أضف تعليق