فاصلة

مراجعات

«توت الأرض» لليلى المراكشي: هل تكفي قضية عادلة لصنع فيلم جيّد؟

Reading Time: 3 minutes

قدَّمت ليلى المراكشي فيلمها الطويل الأول «ماروك» في قسم «نظرة ما» بمهرجان «كانّ» عام 2005، قبل أن تعرضه لاحقًا في المسابقة الرسمية للمهرجان الوطني للفيلم بطنجة في نهاية السنة نفسها. وهناك، اندلعت ضجة كبيرة حين انتقد المخرج محمد العسلي، في خطوة غريبة ومفاجئة، فيلم زميلته، معتبرًا أنه «ليس مغربيًا!».

والطريف أنّ ظروف وسياقات انتقاء النساء المترشّحات للعمل في حقول التوت بإسبانيا كانت من المواضيع التي تناولها العسلي في فيلمه الثاني «أيادٍ خشنة» (2011). وها هي ليلى المراكشي تعود إلى قسم «نظرة ما»، بعد عقدين من «ماروك»، بفيلمها الثالث «توت الأرض»، المتمحور حول الموضوع عينه.

لكن المخرجة الكازاوية لا تُخصِّص لموضوع الانتقاء سوى دقائق في بداية الفيلم، إذ توضح، عبر لقطات مقرَّبة وقصيرة تُركز على الأيادي والوثائق الإدارية، الشروط الخمسة المطلوبة في المترشحات: أن يكنَّ متزوجات، درءًا لامتهان الدعارة وضمانًا لعودتهن إلى المغرب بعد انتهاء موسم الجني، وموافقة الزوج، وسجل عدلي خالٍ من السوابق، وتحاليل دم، وأيادٍ خشنة بوصفها دليلًا على الخبرة في العمل الفلاحي والقدرة على تحمل مشقاته.

توت الأرض
توت الأرض (2026)

وفي الطريق إلى حقول قرب وِلبة، جنوب غربي إسبانيا، تتعرَّف حسناء (نسرين الراضي) إلى مريم (هاجر غريغع)، وتتقاربان رغم اختلاف شخصيتيهما. فحسناء، بطلة تيكواندو سابقة، جسورة وحادة الطباع، ولا يُحرّكها سوى هاجس جمع المال، حتى إنها تمضي وقتها على الهاتف في ألعاب تقوم على جمع النقود، من أجل شراء شقة في المغرب، بينما تبدو مريم ودودة وخجولة.

وما إن تصل المرأتان حتى تتعرّفا إلى شريكتيهما في الغرفة: زينب (هند بريك)، المهووسة بتعلم الإسبانية والزواج من رجل أجنبي، وخديجة (فاطمة عاطف)، التي راكمت أربع سنوات من الخبرة في الجني قبل أن تُرقّى إلى وظيفة فرز التوت، الأقل قسوة.

كتبت المخرجة السيناريو بالاشتراك مع الفرنسية ديلفين أغيت، التي اشتغلت على نصوص «إن شاء الله ولد» لأمجد الرشيد و«قصة سليمان» لبوريس لوجكين.

وفي الفصل الأول، يتناوب السرد بين مَشاهد نهاريّة تلامس شروط العمل اللاإنسانية تحت الخيمات البلاستيكية، وضغط أوامر المُراقب ناتشو، الذي ينهر العاملات كلّما تلفَّظت إحداهن بكلمة أو حاولت أخذ استراحة، ومَشاهد ليلية تسعى خلالها النساء إلى التكيُّف مع الوضع، عبر تدبير الطعام والتواصل مع أسرهن في المغرب. وبينهما، تمرّ لحظات اغتسال بلا أيّ خصوصية، إذ يُمكن الرجال اقتحام عزلتهن في أيّ وقت.

ويميل إخراج المراكشي إلى المباشرة والبرهانية، بصريًا وحواريًا، بدل التلميح والارتقاء بما ترويه أو تختار إظهاره على الشاشة. لذلك تبدو المَشاهد التي تحاول الاقتراب من شروط عيش نساء حقول التوت مفتقرة إلى الأصالة، فيما تأتي الحوارات مُصطنعة وملتصقة أكثر من اللازم بنوايا الحبكة.

ومن جهة أخرى، لا نشعر فعليًا بالأجواء الخانقة تحت الخيام أو بقسوة ظروف العمل، لأنّ اقتصار حركة الكاميرا على «ترافلينغ» يتتبّع أيادي العاملات على امتداد خطوط التوت، مع بضع لقطات لسقف الخيام، لا يفي بالغرض، وينتهي إلى ترسيخ شعور بالتكرار واللاجدوى.

وبعد مرور أسبوعين، تُفاجأ العاملات الجديدات بأنّ أجورهن اليومية أقل مما اتفقن عليه في المغرب، وحين يطالبن بحقوقهن يواجهن بالتهديد بالطرد، فيقبلن صاغرات.

توت الأرض (2026)
توت الأرض (2026)

وتتعرَّض زينب للاغتصاب من طرف رئيسها في العمل، إيفان، من دون أن تتدخَّل حسناء لمنعه، ممّا يعطي انطباعًا خاطئًا بأنّ هذه الحادثة هي النقطة التي فاض عندها صبر النساء وقرّرْن التمرُّد على أوضاعهن المهينة.

وإنما حسناء وزميلاتها لا يثرن فعليًا إلا حين يمنعهن المراقب من العمل بحجة قلة النشاط. وعندما يُطردن، يلجأن إلى جمعية تُعنى بالدفاع عن حقوق العاملات، ويوكلن محامية إسبانية للدفاع عنهن، لتبدأ سلسلة من الشدّ والجذب بين الطرفين.

ويوظّف ممثلو إيفان تكتيكًا يجمع بين الضغط والترغيب ووصم العاملات بالدعارة، وصولًا إلى جلسة محاكمة مبسطة تبدو مجرياتها متوقَّعة إلى حد كبير.

ومع ذلك، تبقى من بين نقاط الضوء القليلة في الفيلم طريقة التقاط سلوك الشرطة الإسبانية المتواطئة، التي تسعى إلى إغلاق الملف عبر استغلال هشاشة النساء وجهلهن باللغة الإسبانية.

اقرأ أيضا: مستعمرة ليون سانغ ـ هو: الزومبي كاستعارة عن مخاطر الذكاء الاصطناعي

شارك هذا المنشور

أضف تعليق