فاصلة

مراجعات

كوريدا يعود إلى «كانّ» بأطفال يُعاد شحنُهم

Reading Time: 3 minutes

في هذه المرحلة من مهرجان كانّ، يفرض موضوع واحد نفسه بإلحاح، الأبوة والأمومة. ليس كموضوع عرضي يظهر هنا وهناك، بل كخيط سردي يجمع أفلامًا متباعدة في الأسلوب واللغة والجغرافيا. والمخرج الياباني هيروكازو كوريدا ليس بعيدًا عن هذه المواضيع. إنه ضيف شبه دائم على كان. يعرف موقعه في الخريطة السينمائية، ويعرف أن المهرجان يعرفه، السعفة الذهبية عام 2018 عن «لصوص المتاجر» (Shoplifters) ليست تفصيلاً في سيرته بل علامة فارقة. لكن حضوره هنا ليس عادة أو تقليدًا، بل امتداد لمسار فني يواصل فيه منذ سنوات تفكيك مفهوم العائلة وإعادة تركيبه بطرق لا تتوقعها.

يستعيد كوريدا في فيلمه الجديد شيئاً من الحساسية العاطفية التي ميّزت «الذكاء الاصطناعي» (A.I Artificial intelligent) لسبيلبرغ عام 2001، لكنه يعيد توجيهها نحو حكاية رمزية عن طفل آلي لا يبحث عن والديه، بل يبحث عن رؤيته الخاصة للمستقبل. ومن يتابع كوريدا يعرف أن هذا امتداد طبيعي لعالمه، أطفال يعيشون مع آباء ليسوا آباءهم، عائلات تُبنى من الصدفة أو الضرورة أكثر مما تُبنى من الدم، روابط تشكّلها الظروف لا الأنساب. «خروف في الصندوق» (Sheep in The Box) المشارك في المسابقة الرسمية يضيف طبقة جديدة، يربط بين الذاكرة والتكنولوجيا، بين ما نحتفظ به وما نسمح للأجهزة بأن تتذكره نيابةً عنا.

Sheep in The Box
Sheep in The Box (2026)

«خروف في الصندوق» يبدأ بلافتة افتتاحية: «المستقبل القريب». في هذا المستقبل تعرض شركات تكنولوجية خدمة غريبة، روبوتات بشرية لا يمكن تمييزها عن الأطفال الحقيقيين، مصممة لمن فقدوا أطفالهم. الفكرة تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها تحمل شحنة عاطفية هائلة: ماذا يعني أن تستعيد طفلك في نسخة مُستنسخة ومُبرمجة وقابلة للشحن؟

أوتوني (هاياسي هاروكا) وزوجها كينسوكي (دياغو) لم يتجاوزا بعد صدمة فقدان ابنهما قبل عامين. يقرران الحصول على النسخة الآلية. ليس بدافع الأمل، بل بدافع الألم. كائن يمتلك كل خصائص الإنسان، اللغة وردود الفعل والحضور، لكنه يحتاج في نهاية اليوم إلى إعادة شحن بطاريته. هذا التناقض بين الحميمي والاصطناعي، بين الحداد والتكنولوجيا، هو ما يمنح الفيلم قوته الحقيقية. كوريدا لا يقدم قصة عن روبوت طفل، بل عن هشاشة الرغبة البشرية في استعادة ما لا يمكن استعادته.

Sheep in The Box (2026)
Sheep in The Box (2026)

ومثل كثير من أعماله، يسير الفيلم على خيط رفيع بين الأسئلة الأخلاقية والحنين، بين الذاكرة والأجهزة التي نحملها في جيوبنا، وبين العائلة بوصفها علاقة دم أو اختيار أو شيء يُصنع من الخسارة نفسها. كوريدا لا ينتظر هنا ذلك التدفق الطبيعي لبناء المشاعر الذي ميّز أعماله السابقة. هذه المرة يجد نفسه داخل موقف سردي محكم ومحدد مسبقًا، يفرض عليه التعامل مع عاطفة جاهزة أكثر مما يتيح له بناءها تدريجيًا. فيوجّه تركيزه نحو ردود الفعل، نحو الطريقة التي يختل بها توازن حياة زوجين حين يدخل كائن «مستعاد» إلى منزلهما.

Sheep in The Box (2026)
Sheep in The Box (2026)

الفيلم يتكشف في منطقة غريبة، معلّقة بين دراما عائلية وتجربة لا تشبه ما قدّمه كوريدا من قبل. يثير الفضول بقدر ما يربك، ويدخل المشاهد في مساحة تتقاطع فيها خيوط التصوف والفلسفة الارتجالية والتساؤل الأخلاقي حول معنى الفقد. يبذل كوريدا جهدًا واضحًا للتوازن بين الكابوس والحكاية الخيالية. أحياناً تتسلل الشعرية في تفاصيل صغيرة. نظرة، حركة يد، لحظة صمت. وأحياناً يطفو أثر الخيال الهوليوودي على السطح، خصوصًا في الذروة التي تدور في الغابة، حيث يختبر المخرج حدود قدرته على خلق توتر بصري وعاطفي في آن.

الفيلم في محاولته استكشاف ما بعد الموت يجد نفسه يعود، ربما بلا قصد، إلى رؤى المانغا، إلى ذلك الخيال الياباني الذي يمزج البراءة بالظلام. المشروع هذه المرة شخصي جدًا، قريب جدًا من عالمه، حتى إنه يكشف هشاشته. «خروف في الصندوق» فيلم طموح، لكنه يضع كوريدا في مواجهة حدوده، ويجعل تراجعه الطفيف أكثر وضوحًا لأنه يأتي من داخل المنطقة التي يظن أنه يسيطر عليها بالكامل: العائلة، الذاكرة، والفقد.

اقرأ أيضا: «أرض الأجداد»… توماس مان يعود إلى الركام

شارك هذا المنشور

أضف تعليق