فاصلة

مراجعات

«وين ياخدنا الريح»… هل الوجهة مهمة فعلًا؟

Reading Time: 3 minutes

بمجرَّد مُشاهدة فيلم «وين ياخدنا الريح» للمخرجة أمال القلاتي، يتسلَّل إحساس داخلي بالرغبة في الانطلاق نحو رحلة جديدة، لكنّ هذا الشعور سرعان ما يتبدَّل، أو بالأحرى يتعمَّق، حين ندرك أنّ الرحلة هنا ليست فقط بحثًا عن مكان آخر، بل هي مسافة مُعلّقة بين اكتشاف الذات والهروب من واقع لا يُحتمل.

في قلب الفيلم تقف شخصيتان، عليسة ومهدي، شابان في مقتبل العمر يربطهما تاريخ طويل من الصداقة. هذه العلاقة، التي تبدو للوهلة الأولى بسيطة ومألوفة، تكشف تدريجيًا عن طبقات أكثر تعقيدًا، خصوصًا مع انخراطهما في رحلة مشتركة إلى مدينة أخرى، مدفوعة برغبة مهدي في استثمار موهبته الفنية وسيلةً للهجرة، وبحلم عليسة في إعادة تعريف نفسها خارج حدود المكان الأول.

ضدَّ النهايات المتوقَّعة

لطالما كانت أفلام الطريق أو الرحلات مساحة خصبة لإعادة اكتشاف الشخصيات عبر المسار نفسه. وهنا يلتقط الفيلم هذه الفكرة بوعي، فالطريق لا يقود فقط إلى وجهة جغرافية، بل إلى مناطق غير مُكتشفة في الداخل.

فيلم «وين ياخدنا الريح»
وين ياخدنا الريح (2025)

نرى كيف يُعيد عليسة ومهدي التعرُّف إلى بعضهما البعض في سياقات جديدة، خارج دائرة الراحة التي اعتادا عليها، وكأنّ الرحلة تُعيد كتابة العلاقة من جديد في نواحٍ مختلفة، من دون أن تنكر تاريخها.

شخصيًا، لديَّ حساسية تجاه الطريقة التي يعالج بها كتّاب السيناريو والمخرجون علاقة الصداقة بين شاب وفتاة، إذ غالبًا ما تنزلق نحو نهاية رومانسية متوقَّعة أو مُفتعلة، وكأنّ الصداقة لا يمكن أن تستمر دون أن تتحوَّل إلى شيء آخر أو تنهار.

لكن في «وين ياخدنا الريح»، تقدّم المخرجة أمال القلاتي طرحًا مختلفًا، علاقة تتّسم بالبساطة والتعقيد في آن واحد، حيث تتداخل المشاعر وتتشابك، من دون أن تفرض نفسها على هيئة حتمية درامية. قد نظنّ منذ البداية أن هناك ما يتجاوز الصداقة، لكن الفيلم يُبقي هذه المنطقة مُعلّقة، ويمنح العلاقة مساحة لأن تكون صداقة متينة تتراكم عليها مشاعر إنسانية غير مُعرّفة بالكامل، من دون أن تتحوَّل إلى كليشيه.

فيلم «وين ياخدنا الريح»
وين ياخدنا الريح (2025)

من جانب آخر، لا تكتفي المخرجة بمرافقة شخصياتها في رحلة مكانية، بل تغوص معها في إشكالات اجتماعية ونفسية أعمق، مرتبطة بجيل يبحث عن فرصة لحياة مختلفة خارج وطنه. خلال مَشاهد الرحلة، تتكشَّف دوافع الهجرة، ليس فقط على شكل خيار اقتصادي، بل حالة وجودية، كأن الشخصيات تحاول إعادة كتابة مصيرها من الصفر.

طرحتُ «فاصلة» سؤالًا على المخرجة أمال القلاتي: «ماذا تحاولين أن تسألي من خلال فيلمك أكثر مما تحاولين طرح إجابات عنه؟»، فأجابت: «لماذا يريد الشباب في بلدي الهجرة والسفر إلى الخارج؟ وفيلمي يطرح جانبًا واحدًا من إجابات كثيرة».

هذه الإجابة تختصر جوهر الفيلم. فـ«وين ياخدنا الريح» لا يسعى إلى تقديم حلول، بل لفتح مساحة للتساؤل والتفكير. وربما هنا تكمن قوته.

يُذكر أنّ نهاية الفيلم هي نهاية شبه مفتوحة؛ خاتمة لا تحمل انتصارات للشخصيات ولا هزيمة واضحة، بل تترك سؤالًا: هل انتهت رحلة مهدي وعليسة في الأساس في المشهد الأخير؟ أم أن الرحلة لم تنتهِ مع نهاية الفيلم؟

فيلم «وين ياخدنا الريح»
وين ياخدنا الريح (2025)

على مستوى الصورة، يراهن الفيلم على بساطة جمالية واعية: كادرات هادئة، وألوان تعكس حالة الفيلم، ولغة بصرية تنقل الإحساس من دون الحاجة إلى شرح زائد. هذه البساطة تعكس ثقة في قدرة الصورة على حمل المعنى من دون ضجيج. لا يراهن الفيلم على الإبهار، بل على الصدق: صدق اللحظة، وصدق المسافة بين الشخصيات والعالم من حولها.

في النهاية، «وين ياخدنا الريح» ليس فيلمًا عن الوصول، بل عن التيه الذي نحتاج إليه لنفهم أنفسنا أكثر. لا يخبرنا إلى أين تأخذنا الريح، بل يتركنا أمام سؤال أبسط وأثقل: هل نحن مستعدون فعلًا لأن نُقاد؟

وربما هنا تحديدًا تكمن المفارقة… أننا، رغم كل محاولاتنا للبحث عن اتجاه واضح، قد لا نعرف إلى أين نمضي، ونكتشف أنّ ما نظنه خطة للنجاة ليس سوى محاولة أنيقة لأن نضيع بطريقة أقل فوضوية.

اقرأ أيضا: صندانس 2025: «وين ياخدنا الريح».. صوت جديد في السينما التونسية

شارك هذا المنشور

أضف تعليق