في صباح يوم العرض الأول لفيلم «سائق التاكسي» (1976، «Taxi Driver») في أميركا، استيقظ بول شريدر متأخرًا، وفاتته عروض الصباح. وعندما وصل أخيرًا إلى سينما «1» في الجادة الثالثة بنيويورك، بعد ربع ساعة من بدء عرض الظهيرة، وجد صفًا طويلًا من شباب يشبهون ترافيس بيكل (روبرت دي نيرو)، بالقَصّة نفسها (الموهوك)، وسترات عسكرية، ووجوه متحفّزة. للحظة ظنّ أن هناك مشكلة، وأن أحدًا منعهم من الدخول. لكن الحقيقة كانت أبسط وأكثر دلالة: كانوا ينتظرون العرض التالي.

«صرخ الجميع وعوى خلال مشهد إطلاق النار الأخير»، كما سيتذكر مارتن سكورسيزي لاحقًا. «عندما صوّرت المشهد، لم أكن أنوي أن يتفاعل الناس بالصراخ: «نعم، اقتلوهم جميعًا!» ما كنت أهدف إليه هو تطهير عنيف، أن ينتقل الجمهور من: «نعم، إنهم يستحقون ذلك!» إلى إدراك ما كان يحدث». لكن الفيلم ذهب أبعد مما تخيّل. ورغم كلّ هذا العنف الداخلي والخارجي، حقق الفيلم نجاحًا تجاريًا كبيرًا، وأصبح وثيقة تاريخية غير رسمية، جزءًا من الذاكرة الحضرية لمدينة نيويورك والمجتمع الأميركي في سبعينيات القرن الماضي. المفارقة أن فيلمًا كهذا كان يقف على أرضية من الفشل: فشل الجيش في فيتنام، وفشل ثقافة الستينيات المضادة، وفشل نموذج كامل من الرجولة الأميركية، وطبعًا فضيحة ووترغيت.
وتقول الحكاية، أو الأسطورة التي يحبّ شريدر نفسه أن يلمّعها، إن قصة ترافيس بيكل خرجت منه في صيف 1973 كأنها نوبة حمى. استغرقت الكتابة أسبوعين، عشرة أيام، عطلة نهاية أسبوع… لا أحد يعرف بالضبط، ولا حتى هو. ما نعرفه أن الآلة الكاتبة كانت أمامه، ومسدس عيار 38 إلى جانبها، وأنه كان يضغط على زناد فارغ كلّما خانته الكلمات.

«انتهى زواجي، وفقدت وظيفتي كناقد. لم يكن لديّ مال، وانتهى بي المطاف أعيش في سيارتي تقريبًا، وأشرب بكثرة، وأذهب إلى مسرح “بوسيكات”، وهو مسرح لا يغلق أبدًا، لأحاول الحصول على قسط من النوم». هكذا يتذكر شريدر كيف ولدت الفكرة. «انتهى بي المطاف في المستشفى مصابًا بقرحة نازفة، وأدركت حينها أنني لم أتحدث إلى أحد منذ شهر تقريبًا. كنت في السابعة والعشرين من عمري. عندها خطرت لي استعارة سيارة الأجرة: تابوت معدني يجوب الشوارع، وبداخله شخص يبدو منسجمًا مع المجتمع، ولكنه في الحقيقة وحيد تمامًا. كنت أعلم أنني إن لم أكتب عن هذه الشخصية، فسأصبح هو… إن لم أكن قد أصبحتُه بالفعل».
كان براين دي بالما هو من سلّم السيناريو إلى سكورسيزي، الذي شعر عند قراءته «بردّ فعل قوي، يكاد يكون صوفيًا، تجاه أسلوبه ومعاناة الشخصية»، كما يقول. «لكن في ذلك الوقت، كنت لا أزال أسعى لأن أُؤخذ على محمل الجد كمخرج. كنت قد أخرجت فيلمًا منخفض الميزانية («من يطرق بابي؟» 1967، «Who’s That Knocking on My Door»)، وفيلمًا للمنتج روجر كورمان («قطار بيرثا» 1972، «Boxcar Bertha») وقالوا لي: عد عندما تُنجز شيئًا ذا قيمة». كان ذلك الشيء ذو القيمة هو فيلم «شوارع قاسية» (1973، «Mean Streets») الذي أقنع الجميع بأن سكورسيزي وروبرت دي نيرو هما الخيار الأمثل. وهذا ما قيل: «إما كلاهما أو لا أحد منهما».

سنة 1976، فاز «سائق التاكسي» بالسعفة الذهبية في مهرجان كان، مرسخًا مكانة سكورسيزي. رؤية المخرج الجهنمية تُضفي شكلًا وجوهرًا على موسيقى برنارد هيرمان (موسيقاه التصويرية الأخيرة)، وتصوير مايكل تشابمان (الذي لُقّب بـ«شاعر الأرصفة» بعد تصوير الفيلم)، وأداء دي نيرو الخارق.
ثم تأتي المصادفة التي تجعل كل شيء أكثر اكتمالاً: في العام نفسه، انسحبت الولايات المتحدة من سايغون، مُعلنة هزيمتها في فيتنام. ليست مصادفة بريئة. فبطل الفيلم واحد من أولئك العائدين من حرب لم يفهموها، رجل فقد القدرة على الاندماج في مجتمع يبدو معادياً بطبيعته. هذه اللمسة من المعاصرة والواقعية هي ما يجعل سيناريو شريدر أكثر مأساوية. فكل شيء يبدأ من هناك، من نصّ يحاول تحديث أسئلة سارتر وكامو، ذلك «الغثيان» الذي يصيب الإنسان حين يواجه واقعًا غريبًا، أو بالأحرى… العدم.
ظلّ شريدر نفسه، الذي كان قد كتب عن «الأسلوب المتعالي» في السينما (Transcendental Style)، يعيد رسم المراحل التي يمرّ بها ترافيس: الحياة اليومية، ثم الانقسام، ثم الجمود. الهدف ليس تفسير الرجل، بل توثيق الشرخ الذي ينفتح في داخله، الشرخ الذي يدفعه إلى فعل غير متوقع، قبل أن ينغلق مرة أخرى في هدوء يقظة جديدة.

يعيش ترافيس في عزلة، حبيسًا داخل حطام سيارته. كلّ ما تراه عيناه هو الفساد والعنف والكوابيس. حتى محاولاته لتحقيق حياة طبيعية، وبناء علاقة مع بيتسي (سيبل شيبرد)، تُحبط بسبب شعوره بالعجز في هذا العالم. انحدار انفصامي إلى جحيمٍ لا سبيل للخروج منه إلا بالتضحية بالنفس. وهنا تبرز قصة آيريس (جودي فوستر) وقوّادها سبورت (هارفي كيتل). ففي إنقاذ العاهرة الشابة من العالم البائس الذي جُرّت إليه، يرى ترافيس خلاصه. يُحوّل نفسه إلى ملاك منتقم، كحمل يحمل خطايا العالم، يُلطّخ يديه بالدماء ليخرج، بطريقته الخاصة، مُطهّرًا.

لكن الفيلم لا يرفع إصبعًا أخلاقيًا في وجه ترافيس. لا يبرّره ولا يدينه. بل يسحبنا إلى داخله، إلى تلك الدوامة التي تجعلنا نفهم كيف يمكن لرجل هادئ، مطحون من الداخل، أن ينفجر فجأة. ولهذا يبدو المشهد الأخير صادمًا. ترافيس يعود إلى نوع من السلام، سلام مؤقت، هشّ، لكنه يكفي ليعيده إلى عمله. لم يُشفَ. لم يتغيّر. الحقيقة أن المدينة نفسها أكثر جنونًا منه، وهي التي تسمح له بأن يبدو طبيعياً. وفي تعليق شريدر على نسخة الـDVD، يشرح أن تمجيد الإعلام لترافيس لم يكن صدفة. كان انعكاسًا لثقافة أميركية تمجّد العنف حين يأتي في الشكل «الصحيح». الإلهام جاء من غلاف نيوزويك المخصّص لسارة جين مور، المرأة التي حاولت اغتيال الرئيس جيرالد فورد، والتي تحوّلت فجأة إلى مادة للافتتان الجماهيري. شريدر رأى في ذلك مرآة المجتمع الذي يصنع ترافيس هو نفسه الذي يحتفي به.

هنا تبرز ثيمات الذنب والتكفير، والخطيئة والعقاب، التي سبق أن طرحها سكورسيزي في «شوارع قاسية». سائق التاكسي الغامض، غير المرئي، يبدأ بالظهور منذ اللحظة التي يُحاول فيها قتل المرشح الرئاسي. وعندما يرتكب المجزرة الأخيرة، يُستقبل كبطل، يُنظر إليه العالم بعيون جديدة، وكأن العنف وحده هو ما يُبرر وجوده. بطبيعة الحال، إنها لحظة عابرة؛ فالواقع سريع التغيّر، دائمًا ما يبتلع
ويستوعب أبطالًا وأساطير جديدة. يعود سائق التاكسي إلى عزلته في سيارته… وها هي بيتسي مجددًا، تحمل في قلبها شيئًا من الندم، ليس على الرجل بحد ذاته، بل على البطل. يتفهم ترافيس الأمر، ويفضّل البقاء «غريبًا» يراقب ليل نيويورك المتلألئ.
اقرأ أيضا: من «النشَّال» لـ«سائق التاكسي».. روايات دوستويفسكي تعرِّف أبطال السينما