ليس من المبالغة القول إن «الأصدقاء الطيبون» (1990) يقف في صدارة أعمال مارتن سكوسيزي. ليس فقط كأحد أكثر أفلامه اكتمالًا، بل كركيزة أساسية في أفلام العصابات في السينما الأمريكية والعالمية. تحفة لا تزال، بعد أكثر من ثلاثة عقود، تحتفظ بطاقة سردية وبصرية تجعل عودتها إلى الشاشة الكبيرة حدثًا يستحق التوقف عنده.
إنها فرصة نادرة لمن لم يشاهدوه في السينما، أن يختبروا للمرة الأولى ذلك الإيقاع المحموم، وتلك الشخصيات التي تتحرّك بثقة مدهشة بين العنف والفتنة، على شاشة كبيرة، حيث ينتمي الفيلم أصلًا. الفيلم تجربة حسّية كاملة، تتنفس من خلال الشخصيات والضوء والصوت والمونتاج. والنسخة المُرمّمة تضيف طبقة جديدة من الدهشة. باختصار، عودته إلى السينما ليست مجرّد استعادة لعمل كلاسيكي، بل تذكير بقدرة السينما على أن تُدهشنا من جديد، حتى عندنا نعرف القصة عن ظهر قلب.

لا شكّ أن أفلام العصابات هي المساحة التي يتحرّك بها سكورسيزي بثقة مطلقة. وإذا كانت جائزة الأوسكار التي نالها سنة 2006 عن فيلم «The Departed»، قد بدت، تكريمًا متأخرًا لمسيرته بأكملها أكثر مما هي اعتراف بعمل واحد. فإن المفارقة تكمن في أن هذا التكريم جاء تحديدًا عن فيلم ينتمي إلى النوع الذي يتقنه سكورسيزي أكثر من أي مخرج أميركي معاصر. فسينما العصابات، التي رسّخها كوبولا بثلاثية «العرّاب»، لم تتوقف عن إنتاج أعمال عظيمة، من «Scarface» (1983) لدي بالما، إلى «Once Upon a Time in America» (1984) لسيرجيو ليوني، وصولًا إلى «Miller’s Crossing» (1990) للأخوين كوين، ذلك الفيلم الذي يلتف حول قواعد النوع بدل أن يكررها. ومع ذلك، يبقى أعظم إضافة إلى هذا الإرث، بعد كوبولا، جاءت مع «GoodFellas».

لفهم ما فعله «GoodFellas» بهذا النوع، لا بد من النظر إلى التحوّل الذي أحدثه في رؤيتنا لهؤلاء الشخصيات. فبينما تعاملت أفلام العصابات السابقة مع رجال المافيا كرموز للقوة أو كأبطال تراجيديين، نقل سكورسيزي التركيز إلى الداخل، إلى المطابخ، غرف المعيشة، حفلات العشاء، والطقوس اليومية التي تُبنى فيها العلاقات وتتشكل الولاءات. لقد عرف هذه البيئة من الداخل، نشأ في أحيائها، ورأى رجالها عن قرب. لذلك، لا يكتفي الفيلم بتتبّع الجرائم أو العنف، بل يلتقط التفاصيل الصغيرة التي تجعل هؤلاء الرجال أقرب إلى أشخاص نعرفهم، أو يمكن أن نعرفهم.
هذا القرب لا يعني تبريرًا أو تلطيفًا، على العكس، سكورسيزي لا يقدّم أي رومانسية زائفة. العنف في الفيلم مباشر، قاس، ومصوّر بطريقة تجعل المشاهد غير قادر على النظر بعيدًا. لكن الجديد هو أن الفيلم يرفض الإجابات الأحادية. لا يقدّم العصابات كوحوش مطلقة، ولا كضحايا نظام اجتماعي، بل كرجال يعيشون على تناقضاتهم، يبرّرون أفعالهم لأنفسهم، ويغرقون تدريجياً في عالم لا يستطيعون الخروج منه ولو أرادوا.

يبدأ الفيلم ببطلنا هنري هيل (الذي يؤدي دوره في سنواته الاولى كريستوفر سيرون). خلال نصف ساعة تقريبًا، يرسم سكوريزي مسار صعوده في نيويورك الخمسينيات، كفتى مهمّات صغيرة لدى باولي (بول سورفينو)، يتعلّم قواعد اللعبة، ثم شابًا يزداد جوعًا للسلطة والمال، إلى أن يصبح راي ليوتا الوجه الذي نعرفه، لا يستطيع تخيّل نفسه خارج هذا العالم. ومع انتقال الفيلم إلى الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، تتسع الدائرة حول هنري، نراه يقترب من تومي الانفعالي (جو بيشي)، ومن جيمي الأكثر اتزاناً (روبرت دي نيرو) وفي الخلفية، تتشكّل علاقته المعقّدة مع كارين (لورين براكو).
الفيلم، المستند إلى كتاب «Wiseguy» (1985) للكاتب نيكولاس بيليجي، وقصة هنري هيل الحقيقية، لا يقدّم سيرة ذاتية بقدر ما يقدّم دراسة عن الإدمان. إدمان الجريمة، إدمان الإيقاع السريع، إدمان الشعور بأنك جزء من شيء أكبر من القانون. هنري لا يختار هذا العالم بقدر ما ينزلق إليه، ثم يجد نفسه عاجزاً عن الخروج منه، كأن كل محاولة للهرب تعيده إلى نقطة البداية. بهذا البناء، لا يروي الفيلم قصة رجل واحد فقط، بل يروي كيف يمكن لحياة كاملة أن تُعاد صياغتها وفق منطق الجريمة، وكيف يصبح المستحيل هو العيش بطريقة أخرى.

يبرع سكورسيزي في تصوير العنف كصدمة. فالفيلم ليس عملًا دمويًا على امتداد زمنه، لكنه حين يختار لحظة القتل، يقدّمها كصفعة فجائية، قاسية، بلا تمهيد. موتٌ يهبط على الشاشة والشخصيات، بلا إنذار، كأن العالم الذي نتابعه يمكن أن ينقلب في ثانية واحدة. وهناك وفاة بعينها (يعرفها كل من شاهد الفيلم) تظل قادرة على إرباك المشاهدين مهما كرروا مشاهدتها.
لكن العنف ليس سوى طبقة واحدة في براعة سكورسيزي. فالكاميرا لا يهدأ، تتحرك باستمرار. تندفع، تلتف، تتسلل، كأنها تحاول اللحاق بإيقاع حياة لا تتوقف. هذا الحضور البصري مع المونتاج (للعظيمة ثلما سكونميكر) يمنح الفيلم طاقته، عالم سريع، غاضب، يترك خلفه جثثًا وندوبًا، لكنه في الوقت نفسه عالم نابض، لا يسمح لك بالابتعاد عنه. أما الشخصيات، فهي إنجاز آخر. ننغمس في هنري إلى درجة تجعلنا نعيش تقلباته كما لو كانت تخصّنا. نختنق مع إخفاقاته، ونشعر بنشوة انتصاراته الصغيرة، ونراقب كيف يتآكل من الداخل. روبرت دي نيرو، بحضوره الهادئ، يقدّم أداء يعتمد على النظرة أكثر مما يعتمد على الكلام. تلك النظرة التي يمكن أن تمنحك طمأنينة زائفة، أو تُلقي في قلبك رعبًا باردًا. وجو بيشي بشخصيته التي لا يمكن التنبؤ بها، يحوّل كل مشهد يظهر فيه إلى مساحة مفتوحة على الخطر. كلمة واحدة، حركة واحدة، كفيلة بأن تغيّر مسار اللحظة.
يمتلك سكوريزي قدرة نادرة على مزج الموسيقى (خاصة الأغاني المشهورة) بالصورة، كعنصر يضبط إيقاع الفيلم. في «GoodFellas» تتحوّل الأغاني إلى جزء من الإيقاع الداخلي للمَشاهد، كأنها تأتي من داخل الشخصيات نفسها. ينساب توني بينيت، وأريثا فرانكلين، والرولينغ ستونز، وذا هو، وغيرهم من رموز الموسيقى، ليشكّلوا واحدة من أكثر الموسيقى التصويرية رسوخًا في ذاكرة السينما.
بعض الأغاني لم تعد تُسمع اليوم إلا ويستدعي معها المشاهد الفيلم فورًا. اللحن الثقيل لأغنية «Sunshine of Your Love» لفرقة كريم وصوت إريك كلابتون أصبح جزءًا من هوية الفيلم. أما مشهد التستر الشهير بعد عملية «سرقة لوفتهانزا»، الذي يرافقه الجزء الهادئ من أغنية «Layla» لـ«Derek and the Dominos»، فيقدّم مثالًا على تلك المفارقة التي يتقنها سكورسيزي، موسيقى جميلة، شبه حالمة، تُغطي على صور عنيفة، فتخلق طبقة من السخرية السوداء لا تُنسى.
سكوريزي سينيفيلي، دائمًا يعود إلى مفردات السينما البسيطة، اللقطة القريبة، لقطة الدوار التي تزعزع استقرار المشهد، ولقطات التتبع الطويلة التي تتحرك كأنها نبض داخلي للفيلم. ولعه بالسينما ليس حنينًا، بل إعادة ابتكار مستمرة. كل حركة كاميرا، كل قطع، يحمل توترًا، إنها سينما مادية، محسوسة، تُشاهد وتُلمس في آن واحد. سكورسيزي هو شاعر الصور الفجّة والتعبيرات الملطفة الوحشية، يحب الصدمة، يحب الخداع، ويحب أن يربك الجمهور بحرمانه من المشهد الذي يتوقعه. لكنه في هذا الفيلم يفعل شيئًا مختلفًا. يكشف ما كان يُخفى عادةً لصالح التشويق. يزيح التركيز عن الحركة الدموية نفسها، ويضعه على ما يسبقها، تلك النزعة القهرية التي تدفع الشخصيات نحو العنف، ذلك التوتر الذي يعيش على حافة رفيعة بين القسوة واللذة.

في «GoodFellas»، لا يصبح فعل القتل هو مركز المشهد، بل الرغبة التي تسبقه. نرى القتل كفعل مزدوج، قاس في نتائجه، لكنه محمّل بلذة خطيرة أثناء ارتكابه. هذا التناقض هو ما يمنح الفيلم قوته. ليس العنف ذاته، بل ما يكمن تحته، ذلك الدافع الغامض الذي يجعل الشخصيات تتحرك كما لو كانت مدفوعة بقوة لا تستطيع مقاومتها.
في النهاية، يكسر الفيلم الجدار الرابع ليُشرك المشاهد في أسئلته الأخيرة. يأسر الفيلم الجمهور تحديدًا بإثارة شيء كامن في أعماقهم. يُبرز جيمي كونواي وعصابته تعطش الإنسان العادي الخاضع للعديد من القوانين والقواعد والالتزامات الاجتماعية للتمرّد. هذا ليس بأي حال من الأحوال تبريرًا سطحيًا للجريمة، التي تُرتكب بأبشع الطرق طوال الفيلم. لكن هناك أمر واحد مؤكد. عندما يُطلق تومي ديفيتو النار بعنف على الكاميرا، يعرف مارتن سكورسيزي جيداً ما يُريد إيقاظه في جمهوره.
اقرأ أيضا: ينابيع مارتن سكورسيزي