«لا يهمّ إلى أين تذهب. عندما تصل، ستجد كلّ شيء كما هو»، هكذا قال أحد الشخصيات الأكبر سنًّا للمراهقين اللذين يرافقانه في مغامرته في نهاية الليلة. هم على وشك ركوب حافلة ستأخذهم بعيدًا، إلى مدينة أخرى. كلّ منهم يهرب من ماضيه، الشاب من المسؤولية التي يتحمّلها لتسبّبه في وفاة عرضية، والفتاة من عار التشهير، والرجل العجوز من كلّ ما يترتّب على الشيخوخة. كلّ منهم، بطريقته الخاصة، يحاول جاهدًا تجنّب زمَن وواقع لا ينتمي إليهم ولا يريدهم.
نحن في مقدّمة الفصل الأخير من رحلة طويلة لا مفرّ منها، رحلة تدوم قرابة أربع ساعات. بعيون منهكة وقلوب مرهقة، نستعد لمواجهة أحد أجمل المشاهد الختامية في السينما الحديثة، مشهد مؤلم وربما مفعم بالأمل، وإن كان يصعب تصديقه. عندما ينتهي فيلم «فيلٌ يجلس ساكنًا» (2018، An Elephant Sitting Still)، لن يعود شيء كما كان.

يُكمل المخرج الصيني هو بو واحدًا من أكثر الملاحم مأساوية وروعة ويأسًا في عصرنا، ملحمة سمحت لها الصدفة أو الجرأة أو المنطق البسيط بالامتداد إلى ما وراء الشاشة. بعد اللقطة الأخيرة من الفيلم، تظهر لقطة أخرى، صورة لكاتب السيناريو والمحرّر والمخرج. تُعلن ملاحظة قصيرة عن تاريخ انتحاره (12 أكتوبر 2017)، بعد أيام قليلة من إتمام الفيلم. في مهرجان برلين السينمائي، بعد العرض، قالت والدة المخرج إنها تشعر بالحزن والامتنان معاً. ثم رثت ابنها الذي فقد حياته بسبب فيل، وأضافت: «لكن الفيل ما زال حيًّا». كان هو بو في التاسعة والعشرين من عمره، وله مسيرة أدبية قصيرة لكنها حافلة (الفيلم مقتبس من إحدى رواياته، صدع ضخم Huge Crack)، وهذا أول فيلم روائي طويل له، وآخره.

يركّز الفيلم على حياة أربعة أفراد تائهين. فبالإضافة إلى الثلاثة المذكورين سابقًا، هناك حياة رجل عصابات مُفلس يعيش في ظروف صعبة. تتقاطع حياة هؤلاء الأرواح التائهة، بشكل غير مقصود ولكن حتمي، في مبنى ضيّق خلال يوم واحد فوضوي، في منطقة صناعية كئيبة في شمال الصين البائس.
هناك الجو بارد والجميع يرتدي سترات. أعتقد أن الابتسامة الأولى (الساخرة نوعًا ما، والفاترة) تأتي بعد ساعتين ونصف من الفيلم. أينما نظرت، يبدو الناس عابسين ويتصرّفون بأنانية. تفوح رائحة قمامة. وهناك تنمّر. الشخصيات الأربعة، التي تتميّز تحديدًا بحساسيتها وتعاطفها، ورغم مشاركتها التشاؤم السائد، إلا أنها لا تتخلّى أبدًا عن تطلّعها إلى ما هو أفضل. إنهم يتمتّعون بكرامة لافتة، ونظراتهم مشحونة بحزن يختلف عن مجرّد الاستسلام لصراع البقاء الذي يسيطر على معظم الناس. في «فيلٌ يجلس ساكنًا»، يتركنا هو بو ببساطة في حالة من الشلل والوضوح المرعب، على بُعد ملليمتر واحد من العدم تقريبًا، باعتباره المفتاح الوحيد لفهم معنى كلّ شيء.

«فيلٌ يجلس ساكنًا» دراما حميمية تتكشّف أحداثها على مدار الأربع ساعات تقريبًا. حتى عندما تقع «الأحداث الجسام» في الفيلم، يبقى التركيز دائمًا على ما تُضيفه إلى شعور خيبة الأمل الذي يسيطر على الشخصيات والفيلم. نتبع تطوّر السرد، وكيف تتشابك الأحداث، ويُعمّق الإيقاع البطيء فهمنا للشخصيات وتفاعلنا معها ومع مواقفها. يتألّف الفيلم أساسًا من لقطات طويلة ومعقّدة، ندخل ونخرج من مكان معيّن، نصعد السلالم، نبدأ بشخصية ثم ننتقل إلى أخرى. تتناسق حركات الشخصيات المتعدّدة، وما يحدث بالقرب من الكاميرا وما يحدث بعيدًا. هذا يخلق تأثيرًا منعشًا، أحيانًا ننسى تقريبًا ما كانت تفعله شخصية غابت لنصف ساعة، لذا فإن العودة إليها يشبه بداية جديدة.
المشاهد قاتمة عمدًا، والتصوير باهت يميل إلى لون أزرق مخضرّ يُطفئ أي أثر للدفء. ما نراه من المدينة مروّع، مبان ضخمة غير واضحة المعالم، وجدران متقشّرة، ومكبات نفايات. المطعم خال تمامًا من أي ديكور، وهناك بعض المؤن مكدّسة بجانب الطاولات. يعتمد الفيلم على مجال رؤية ضيّق، فعندما تمرّ الشخصيات بمنطقة أقل إضاءة، تغرق في الظل. إذا وقفوا أمام نافذة، يبدو ضوء الشمس ساطعًا جدًا، فتتحوّل أشكالهم إلى ظلال.

تعمل العدسة واسعة الزاوية على تشويه الأشكال، لكنها لا توفّر أبدًا الرؤية البانورامية. على العكس من ذلك، يكون التركيز دائمًا قصيرًا للغاية. حتى عندما يدور حوار بين شخصين، يكون أحدهما فقط في بؤرة التركيز، وعلينا أن نتحمّل قلق قصر النظر الناتج عن صعوبة تمييز ملامح الآخر. يحصرنا الفيلم في العالم الروحي والنفسي لكل شخصية، تاركًا البيئة المحيطة خارج الشاشة أو غير واضحة إلى حدّ كبير. تحدث أحداث مصيرية خارج حدود الإطار، لا يُشار إليها إلا بالصوت أو نظرات الآخرين، أو تحدث داخل الإطار ولكن دون أن تحظى بالتركيز الكافي.
بمرارته الوجودية، يستلهم الفيلم جذوره من الواقعية الجديدة القاسية لفيتوريو دي سيكا، ومن الضيق المتنقّل الذي ساد شباب غاس فان سانت بعد جيل بيت وكورت كوبين، ومن جرعة كبيرة من لحظات النشوة التي تبدو خالية من الحياة في أفلام بيلا تار. يُعتبر «فيلٌ يجلس ساكنًا» أحد أكثر الأعمال الميلودرامية حزنًا ويأسًا وإثارة للدهشة، حيث يتجلّى الضيق العميق من خلال عبارات موجزة بليغة، ولحظات تأمّل لا تنتهي من حركات مضطربة أو تجوال بالكاميرا.
تنبع قوة الفيلم من تلك البساطة الشكلية وذلك الفيضان العاطفي الذي لا يسقط في فخّ الشفقة. هناك عاطفة جياشة من المخرج تجاه شخصياته، لكنها عاطفة متماسكة، خالية من أي ابتذال. فالمسألة ليست إثارة الحزن، بل تجربة الحزن كما هو، خامًا، بلا زخارف. تتبع الكاميرا كل شخصية وهي تتجوّل في عالم يبدو غريبًا بالضرورة، كأنها تراقب خطواتهم من مسافة مقدّسة. الهدف ليس السرد، بل خلق ألفة شبه طقسية بين الشاشة ونظراتهم، علاقة تشبه رقصة بطيئة تقترب من الشعائر الدينية، حيث يصبح المهمّ هو حركة الأرواح، تلك الأرواح شبه النائمة، العالقة في نوع من نهاية العالم اليومية، نهاية صغيرة، متكرّرة.

يبقى من غير المؤكّد ما إذا كنّا أمام أسطورة حقيقية أم مجرّد شائعة متضخّمة عن فيل سيرك لا يملك من الفضائل سوى قدرته على البقاء جالسًا. لا بهلوانيات، ولا عروض، ولا حتى محاولة لإبهار أحد. يعيش كائنًا غافلًا عن كلّ ما حوله، متشبّثًا فقط بجموده. تلك الغرابة التي لا تُفسّر ولا تُصدّق، تتحوّل تدريجيًا إلى هاجس يتسرّب إلى حياة شخصيات هو بو ويعيد تشكيلها. ومثل قوة لا يمكن ردعها، ننجذب نحن أيضًا إلى هذا الفيل الساكن، مدفوعين برغبة نعرف مسبقًا أنها لن تجد طريقها إلى الإشباع. هو اندفاع غريزي، تأمّلي، وربما غير صحّي في جذره، لكنه يظل ضروريًا كي نلامس شيئًا من السكينة، ومن الجرأة، ومن ذلك النبذ الذي فُرض علينا.
ربما كان «فيلٌ يجلس ساكنًا» بمثابة رسالة انتحار مفصّلة. على أي حال، إنها رسالة ملتبسة، تحمل في طياتها كل الأسباب الوجيهة للموت، ولكنها تتضمّن أيضًا بعض الأسباب للاستمرار في الحياة. في النهاية، الإنسان الوحيد وراء كلّ هذا هو إنسان واع، واع لخوفه، وللمعنى العميق للزمن، ولحريته المطلقة. واع لدرجة تدفعه للانتحار.
اقرأ أيضا: «القبطان» بعد ثلاثين عامًا… سؤال بلا إجابة