فاصلة

مراجعات

«ضياء شمسي»… دفاعًا عن جوهر الفيلم القصير

Reading Time: 4 minutes

عندما تقاد الأحاديث، وحتى التحليلات والأفكار حول السينما القصيرة، فإنها غالبًا ما تعود بنا إلى سؤال التلقي ذاته، وهو: ما الذي يجعل هذا الشكل السينمائي قادرًا على إنتاج أثره الخاص؟ وتحديدًا، ما الذي يمنح الفيلم القصير نجاعة تُقاس بمعاييره الخاصة؟ فالفيلم القصير بطبيعته لا يمكن تناوله من خلال الحبكة الممتدة، ولا من خلال الحجم الإنتاجي الذي يلاحق عادةً أفلام الروائي الطويل. ومع ذلك، فإن هذا الهوس بالحجم بات في السنوات الأخيرة أحد الملامح اللافتة في عدد من التجارب السعودية القصيرة.

حيث يمكن أن نصادف اليوم أفلامًا قصيرة بميزانيات تتجاوز 400 ألف ريال (قرابة 100 ألف دولار)، بطواقم إنتاج تتخطى 30 شخصًا، وبكاميرات من طراز آري أليكسا، إلى جانب مديري تصوير يملكون تجارب عربية أو دولية طويلة، وقد يبدو هذا التطور ظاهريًا مؤشرًا إيجابيًا على نمو الصناعة، غير أن هذه المقاربة في جوهرها تكاد تعاكس القيم التي نشأت منها السينما القصيرة؛ فحين يصبح البناء والطموح الجمالي، وحتى سقف التوقعات، موجهًا نحو تقليد الفيلم الطويل، فإن الفيلم القصير يفقد وظيفته الأساسية، أي أن يكون مساحة حرة تُختبر فيها اللغة السينمائية، وأن يكون مكانًا تتقدم فيه الموهبة قبل الإمكانات، ومن هنا تتحول عناصر الإنتاج نفسها إلى أن تكون ستارًا يحجب تلك الموهبة.

ضياء شمسي (2024)
ضياء شمسي (2024)

ولهذا، فإن فيلم «ضياء شمسي» للمخرجة لمى جركس يقف على الطرف المقابل تمامًا من هذه المعادلة. فيلم صُنع بتعاون طلابي لا تتجاوز ميزانيته 5 آلاف ريال (أقل من ألفي دولار)، لكنه يقوم على شيء أكثر جوهرية من أي وفرة إنتاجية؛ الشغف الخالص والانشغال الحقيقي بالسينما نفسها، مما يجعل الموهبة مركزًا للمشروع كله. وهنا تنطلق الصورة مباشرة من أبسط سؤال يمكن أن تطرحه السينما القصيرة: ماذا يمكن أن تفعل الصورة عندما تُترك للمخرج وحده، دون ستار العناصر الإنتاجية؟

ضياء شمسي (2024)
ضياء شمسي (2024)

يفتتح الفيلم مشاهده الأولى بلقطات للفتاة ضياء بين الفساتين وغرف القياس؛ عدسة واسعة ستصبح لاحقًا تعريفًا بصريًا له. وفي الخلفية، يتردد صوت كعب الأم وهي تتحرك بين غرفة القياس والمحل. صوت يأتي كأنه الحد الإيقاعي للمشهد، يقترب حين تقترب، ويبتعد حين تذهب لإحضار فستان آخر. ينتقل الفيلم بعد ذلك إلى المنزل، إلى جلسة مسائية هادئة، فتظهر الأم في لقطة واسعة تخيط أمام التلفزيون، إلى جانب أخت شمسي، نوري. تدخل شمسي لتسأل عن رغبتها في وظيفة. صوت التلفزيون مرتفع، بينما يأتي الحوار منخفضًا على نحو لافت. ورغم أن السؤال يبدو واضحًا منذ لحظة النطق به بأن مصيره يكاد يكون محسومًا بالرفض، إلا أن الإحساس العام للمشهد ليس صداميًا، فعلى العكس، هناك نوع من التمدد النفسي الذي يبدأ منذ اللقطة الأولى ويستمر هنا. تمدد يشرح أفق المكان قبل أن يشرح الحدث نفسه. فالصوت الخلفي، بما يحمله من حضور يومي عابر، يعمل كعنصر واقعي وكركيزة تبني الجو العام للمشهد، وكل عنصر دخيل عليه يبدو كأنه تعكير لصفو قائم، لا حدثًا يُراد له أن يقود المشهد.

ومن هنا يمكن لمس إحدى النقاط التي يفهم من خلالها الفيلم طبيعة اللقطة الاجتماعية العامة؛ ثمة رتم يومي هادئ ونظام بسيط من العادات الصغيرة، بينما لا يأتي الحدث، أيًا كان، إلا بوصفه خدشًا في هذا النظام. هنا تكتسب اللقطات قوتها الواقعية؛ حينما يصبح المشهد كاشفًا للحظة اختلال صغيرة في صفاء الحياة اليومية. لذلك لا نتقدَّم إلى اللقطة التالية منتظرين ردة فعل حادة، بقدر ما نتعامل معها على أنها أثر ممتد لذلك الاختلال. لتتجه شمسي إلى غرفتها، وتبدأ تسجيل اعتراف صوتي عن خيبتها، فتدخل الأم الغرفة بحثًا عن مشبك شعر. دخول عابر ويومي، لكنه يحمل إيحاءً ببرود العلاقة، أو بقدر من اللامبالاة في حضور الأم في حياة ابنتها.

ضياء شمسي (2024)
ضياء شمسي (2024)

غير أن اللقطة التي يمكن اعتبارها مركز الثقل الجمالي والسينمائي في مشروع لمى جركس في «ضياء شمسي» هي تلك التي تعود فيها الأم لاحقًا إلى غرفة شمسي لتستمع إلى التسجيلات التي تركتها. هنا تجلس الأم أمام صوت ابنتها؛ حضور جسدي يقابله حضور آخر بطبقة أخرى لا وجود له إلا في الصوت. اعترافات الابنة تتدفق عبر وسيط (المسجل)، من خلال انكشاف يتميز بطبيعته المتخفية؛ وهو اعتراف غير مباشر يصل عبر جهاز بسيط، يتحول إلى مركز نفسي تختبئ فيه المشاعر.

يتشكل في هذه اللحظة مشهد مشغول بالسينما في أنقى صورها؛ إذ تتقاطع طبقات العاطفة في مكونات مختلفة للسينما، حيث يكون المسجل فيه نقطة التقاء بين حضورين مختلفين: جسد الأم الجالس في الغرفة، ومشاعر الابنة التي لا وجود لها إلا في الذبذبات الصوتية التي تركتها خلفها، كاعتراف يجد طريقه أخيرًا، لكن دون أن يمر عبر لحظة مواجهة مباشرة.

ومن هنا يبوح «ضياء شمسي» بشيء غالبًا ما تنساه التجارب المنشغلة باستعراض الإمكانات أو بمهارة إدارة الإنتاج. فالفيلم القصير في جوهره شكل يقوم على الاقتصاد في الوسائل، وعلى القدرة على التقاط الموهبة في لحظتها الأولى من دون أن تثقلها البلاغة أو الزخرفة. وما تفعله لمى جركس هنا هو إعادة هذه الفكرة إلى مركزها البسيط، وهو أن الموهبة، حين تُترك دون ضجيج، قادرة وحدها على خلق لحظتها السينمائية الخاصة. وربما يكون هذا هو المعنى الأصدق الذي يمكن أن يمنحه فيلم قصير لنفسه.

اقرأ أيضا: الفيلم القصير… دهشة السينما المكثّفة

شارك هذا المنشور

أضف تعليق