رائحة أكل كانت تسبح فوق مياه الكروازيت في ربيع 1973، كأن مهرجان كان نفسه يشعر بالتخمة من فيلم واحد. في 17 أيار/مايو، يدخل المخرج الإيطالي ماركو فيريري المسابقة الرسمية بفيلمه «الوليمة الكبرى» («La Grande Bouffe»)، فتنفجر الصالة بين صافرات استهجان وابتسامات مبهورة. فيلم فاحش؟ مبتذل؟ إباحة؟ أم تحفة وقحة تعرف تمامًا أين تضرب؟ فيريري، الذي لا يخجل من استفزاز مشاهديه، قدّم عملًا لا يترك أحدًا في المنطقة الرمادية، إمّا انبهار كامل أو نفور يشبه الغثيان. النتيجة؟ انسحابات من الصالة، دعاوى قضائية في بريطانيا من جماعات أخلاقية أرادت منعه، وحكاية صغيرة تقول إن كاترين دينوف، شريكة مارسيلو ماستروياني آنذاك، لم تحدثه لأسبوع بعد أن شاهدت الفيلم. ورغم كل هذا الجدل، أو ربما بسببه، خرج الفيلم من كان بجائزة فيبريسي من الاتحاد الدولي للنقّاد السينمائيين.

يدخلنا «الوليمة الكبرى» في دوّامة تتصاعد من التخمة إلى الاختناق، ثم إلى الانفجار. الحكاية، بكل لاواقعيتها، تجرّنا إلى زمن منزوع المشاعر، مغطّى بطبقات من الزيف والنفاق. يمكن قراءتها كهجوم شرس على البرجوازية، كمرآة سوداء لمجتمع الرفاهية والاستهلاك، بل كاستشراف قاتم لمستقبل بشرية تمضي بثبات نحو نهايتها إن بقيت على هذا المسار. ويمكن أيضًا أن تُفهم على النقيض تمامًا. محض تخيّلات بلا عبرة، سيناريو منفصل عن الواقع، أو تجربة بصرية لا تختبر سوى قدرة معدة المشاهد على الاحتمال. فيريري نفسه رفض أن يُختزل عمله في خطاب جاهز. لم يشأ أن يُقرأ الفيلم كرسالة مناهضة للاستهلاكية، إلى درجة أنه قاطع صحافيًا سأله عن ذلك في مؤتمر صحافي عقب العرض الأول في كان. بالنسبة إليه، الفيلم ذو طابع «بيئي»، عصيّ على التبسيط، ولا يقبل أي تفسير سهل أو مباشر.

القصة ببساطة هي، أربعة أصدقاء، مارسيلو (مارسيلو ماستورياني)، ميشيل (ميشيل بيكولي)، فيليب (فيليب نواري)، أوغو (أوغو تاغنازي) قرروا وضع حد للسأم الذي يشعرون به، هم يريدون الموت. طيار، شيف، نجم تلفزيوني وقاض. هم ليسوا بمجهولين إذًا. القصة حتى الآن تبدو عادية حتى نكتشف كيفية انتحار الرجال. سيعزلون أنفسهم في فيلا، ليأكلوا حتى الموت. المفارقة أن الطعام، الحاجة البيولوجية الأساسية للبقاء على قيد الحياة تصبح أداة للموت. موائد لا تنتهي، ننتظر أن يجبن أحد الرجال الأربعة أن يشك بغاية ما ينوون القيام به، لكن هذا لا يحصل. يستمرون في عزلتهم، ارتباطهم بالعالم الخارجي هو عبر واسطتين فقط: بائعات الهوى الذين يأتين والرجل الذي يوصل لهم الأطعمة.
الكوميديا العدائية هذه تطمرنا بالطعام. هم يأكلون بشراهة لا تعقل، تندمج حواسهم الخمسة بعملية أشبه بالاجترار. يغمسون أصابعهم العشرة في الأطباق، صوت ارتشاف المشروبات وقضم اللحوم ومضغ الدجاج يطغى على موسيقى الفيلم. تغيب الهوية الفرنسية الايطالية المنمقة للطعام عن هذا الفيلم: لا شم أو تذوق، فقط نهم مفرط يحدو بنا إلى التقيؤ. الأربعة أتموا انتحارهم الرمزي الجماعي. البوفيه عظيم فعلًا، هو مهرجان أطعمة لا ينتهي إلا بعد أن نرى الأربعة يأكلون حتى تمتلئ بطوننا. حتى نتجاوز التخمة إلى الغثيان. أما الدافع وراء هذا الانتحار الجماعي الباذخ، وكيف اتُّخذ القرار، فالفيلم لا يقدّم أي تفسير. وأي تفسير سيكون فائضًا عن الحاجة.

المشهد كلّه يبدو كأنه مسرح مغلق على ذاته: فيلا باريسية كلاسيكية بحديقتها المتناسقة، ومطبخ ضخم يلمع بالنحاس وغرفة تبريد وطاولات عمل صلبة. في غرفة المعيشة، لوحات وحيوانات محنّطة وحوض أسماك وصور عارية قديمة واقتباسات لاتينية. كل شيء يقطر بروح البرجوازية الكلاسيكية، لكن بروح منهكة، خانقة، متداعية. مع تقدّم الفيلم، تتحوّل الفيلا إلى شريك كامل في الانهيار. شاحنات اللحوم تتوالى إلى الفناء: لحم خنزير بري، غزالان، شجيرات غار، عشرات من الدجاج الحبشي، ديوك آردين، دجاجات، سمك القد، قطعة بقر، خمسة خراف، خنازير بلا عدد، وشاحنة خضار تكمل المشهد إلى جانب ست بطّات وخمس إوزات وأربعة ديوك رومية تسترخي في الفناء.
مشاهد إطلاق الريح تمتد لدقائق، مراحيض تنفجر، وحفلات جنسية يشارك فيها أشخاص شبعانون إلى حدّ يعجزون معه عن بذل أي مجهود. العلاقة بين الطعام والجنس والموت ليست جديدة في السينما، لكن الفيلم يرسم خطًا مباشرًا بينها. الفيلم لا يكتفي بتسجيل هذا الانهيار، بل يعرضه كطقس جماعي، كأن الشخصيات تُجرّد من إنسانيتها عبر الإفراط ذاته الذي يفترض أنه يمنحها المتعة. وفي هذا التناقض، يكمن جوهر السخرية التي يبني عليها فيريري عالمه، عالم يبدو مضحكًا في سطحه، لكنه في العمق مرثية لبشر فقدوا قدرتهم على التمييز بين اللذة والانتحار.

كان عام 1973 عاماً تتقاطع فيه الهزّات الكبرى، بداية وعي عالمي بأن الأرض لم تعد تحتمل، بعد صدمة تقرير «حدود النمو» عام 1972، وبداية إدراك هشاشة الوقود الأحفوري مع أزمة النفط في العام نفسه. سمّي ذلك العام نهاية «الثلاثين المجيدة»، تلك الفترة التي امتدّت من 1945 إلى 1973، وعاشت خلالها العالم رخاءً متصاعدًا، وفرص عمل وفيرة، وارتفاعًا في مستوى التعليم، وتوسّعًا في قطاع الخدمات. لكنها كانت أيضًا سنوات تُراكم الرفاهية بينما تُفرغ المعنى، وتُشيّد مجتمعًا بلا تقاليد راسخة، وبلا بوصلة أخلاقية واضحة. في هذا السياق، يأتي «الوليمة الكبرى» كمرآة لذلك العصر. فيلم يقدّم نقدًا لاذعًا للعواقب غير المتوقعة لـ«الثلاثين المجيدة». رخاء بلا روح، استهلاك بلا حدود، وطبقة برجوازية تلتهم نفسها ببطء. العمل يبدو مبتذلًا وسخيفًا وكئيبًا في آن، لكنه يحمل سخرية حادة، ويشتغل كحكاية رمزية عن هشاشة الإنسان حين يفقد المعنى. وعن شفقة المرأة على نفسها عند حافة اليأس، وعن غرور الرجل الذي يظلّ طفلًا مهما تقدم به العمر.
اقرأ أيضا: «نينا روزا»… هل تشتري المستقبل بالذكريات؟ تساؤلات الهجرة الطوعية في أفضل أفلام برليناله