في درسها على هامش مهرجان برلين السينمائي الأخير، قدّمت المخرجة الصينية كلوي تشاو، الحائزة «أوسكار» أفضل إخراج عن «نومادلاند»، تأملًا صريحًا في مسيرتها الفنية، من بداياتها المستقلّة مع «أغاني علّمني أياها أخي» (2015)، وصولًا إلى أحدث أفلامها «هامنت»، المرشَّح لثماني جوائز «أوسكار». الدرس الذي قدّمته في صالة مكتظة بالشباب والعديد منهم كانوا آسيويين، لم يأتِ بنظريات تقنية بقدر ما انطلق من الروحاني. المخرجة الأربعينية التي تحدّثت عن الفوضى كمادة خام للإبداع، بدت لي سيدة كلام بقدر ما هي صانعة صور بارعة، ذلك انها ردّت الاعتبار إلى الحدس باعتباره أحد عناصر إنجاز الفيلم، مذكرةً بضرورة ترك مساحة للغموض كي يولد شيء غير متوقّع.

1 – «المخرج يخلق منظومة، يجمع أفرادًا ويتحرّك بينهم كمَن يرقص»
«لم يخطر لي يومًا أن أخرج فيلمًا. كان الأمر يبدو لي أبعد من الواقع. فالسينما، كما تصوّرتها، عالم تحكمه العلاقات والطاقات غير الظاهرة، وكلّها كانت خارج متناولي. في طفولتي، كنت أحلم أن أكون رسّامة مانغا. وجدتني مفتتنة بسرد الحكايات عبر الصورة، لكنني أدركتُ لاحقًا أن موهبتي في الرسم لم تبلغ الحدّ الذي يحتاجه ذلك الفنّ. كنت جيدة، غير أن هذا العالم لا يرضى إلا بالمتفوّقين. في منتصف عشريناتي، وربما أواخرها، شهدت حياتي ما أحبّ أن أسمّيه «أزمة ربع العمر»؛ تلك اللحظة المربكة التي يدهمك فيها السؤال الكبير: ماذا سأفعل بحياتي؟ علمتُ لاحقًا أن كثيرين يقصدون مدارس السينما في تلك المرحلة تحديدًا، وكأنها ملاذ الحائرين. أكثر من نصف زملائي جاؤوا من الحلم نفسه.
أشعر أحيانًا بأن كثيرين منّا، ممّن عرفوا الفوضى أو التيه، انجذبوا إلى الإخراج لأن جوهره يتعلّق بترويض تلك الفوضى. إنه فعل احتواء للطاقة الإبداعية وصبّها في شكل محسوس. دراسة السينما توفّر هذا الوعاء: أساتذة وزملاء يساندونك في توجيه ما يغلي في داخلك لتحويله فعلًا فنّيًا متكاملًا.
أدركتُ آنذاك أن ما أريده حقًّا هو أن أتّخذ من الحكاية مهنة. بدا لي الإخراج الطريقة الفضلى، لأنك، مع كامل احترامي للمخرجين، لستَ مطالبًا بأن تكون الأبرع في حرفة واحدة في عينها. ما تحتاجه هو بصيرة بالوجهة التي تقصدها، ثم القدرة على جمع متعاونين ممتازين، كلٌ سيّدٌ في مجاله. المخرج يخلق منظومة. يجمع أفرادًا استثنائيين ويبني فضاءً تتجاور فيه مواهبهم وتتفاعل. يتحرّك بينهم كمَن يرقص، يلتقط الإيقاع ويعيد تشكيل الطاقة.
أثمن ما تحصّله خلال دراستك السينما هو العلاقات: أن يراك الآخرون قبل الألقاب، قبل الجوائز، قبل أن تُختزَل في «مخرج هذا الفيلم أو ذاك». تلك روابط أعتزّ بها وأصونها. ومدرسة السينما تشبه حديقة تتيح لجذورك أن تشتد قبل أن تعصف بها الأحوال الجوية الرديئة. لكنها قد تكون فقاعة أيضاً: في داخلها يُقال لك إن رؤيتك هي الأهم، وحين تخرج تكتشف أن العالم لا يمنحها الامتياز ذاته.
كانت مغادرة المدرسة درسًا في التخلّي. التخلّي عن صلابة الرؤية حين تتحوّل إلى عناد، والتسليم لإيقاع الحياة والظروف وروح التعاون. فالرؤية تتجمد إن لم تتحرّك. العالم لا ينحني لها. هي التي تتعلّم كيف تنحني من دون أن تفقد جوهرها.
بدأت رحلتي الفعلية في معهد سندانس. كان تمويل فيلمي الأول مهمّة شاقة. لم يكن أحد ينتظر ليضع المال بين يديّ. لكن الضيق يدفعك نحو الآخرين. عليك أن تطرق الأبواب، وأن تقول ببساطة: «أحتاج إلى مساعدتكم». كنت غير محظوظة ومحظوظة في آنٍ واحد: غير محظوظة لأن الطريق كانت وعرة، ومحظوظة لأنني تعلّمتُ باكرًا كيف أطلب العون، والأهم كيف أتقبّله. ومن تلك البدايات المتقشّفة في السينما المستقلّة، امتدّ المسار لاحقًا إلى أعمال أوسع إنتاجًا و«نومادلاند» أحدها».

2 – «هناك شيء ينتقل بين الجمهور والشاشة»
«عرض «نومادلاند» في ملعب روز بول (باسادينا) كان تجربة تحمل شعورًا أبوكاليبتيًا. يومها، بدأت الحرائق تلتهم المكان بالقرب منّا، والرماد يتساقط من السماء. الناس في سياراتهم، أضواء المصابيح تتوهّج، والهواء مشبّع بالدخان والريبة. شعرتُ وكأننا نعيش داخل الفيلم نفسه. ثم ظهرتْ تفاصيل عبثية: أصحاب سيارات «تسلا» كانوا غير قادرين على إطفاء أضوائهم، بعضهم يفتح نوافذ سياراته ليحصل على صوت من مكبّر صوت سيارة أخرى. كانت لحظة فوضوية، لكن مليئة بالعاطفة في الوقت ذاته – من أقوى العروض في حياتي – وغيّرت فهمي للسينما. نتحدّث كثيرًا عن حجم الشاشة وأنظمة الصوت والكمال التقني في ما يتعلّق بالصالات، لكن الجوهر الحقيقي يكمن في التبادل، في الطاقة التي تنبعث من القاعة. حتى في السينما، حيث لا يوجد أداء حيّ، هناك شيء ينتقل بين الجمهور والشاشة. الجمهور ليس مجرد متفرّج، انه جزء من الطقس السينمائي، وغالبًا ما ننسى ذلك».
3 – «القصص موجودة خارجنا، نحن مجرد أوعية لها»
«لا أعرف فعلاً لماذا أختار المشاريع التي أختارها. بعد إنجاز الفيلم، يقدّم النقّاد تفسيرات ذكية جدًا، إلى درجة أني أتبنّاها أحيانًا (ضحك). لكني لا أزال أبحث عن السبب الحقيقي. ما أدركته مع الوقت هو أن القصص موجودة خارجنا، عبر الماضي والحاضر والمستقبل. نحن مجرد أوعية لها. عندما يحين الوقت المناسب، عندما تُشكّلنا حياتنا على نحو معين، نصبح صوتاً لقصّة محدّدة. عندما تختارك قصّة فلا بد أن تشعر بذلك، ويحدث ما يمكن تسميته «تزامنات»: يأتي الأشخاص المناسبون، يُفتح كتاب عند السطر الذي تحتاجه، تهبط بذرة في التربة الصحيحة وفي اللحظة المناسبة، الخ. المجتمعات الحديثة تشجّع التخطيط العقلاني، لكن الحدس شيء غالبًا ما نهمله. اختيار المشروع، بالنسبة لي، يحتاج إلى صبر وثقة: الانتظار حتى تسقط البذرة. ولهذا السبب يصعب أحيانًا شرح المسألة بالكلمات».

4 – «إذا حاولتَ السيطرة على المشهد لتجنّب فقدانه، فأنتَ تقتل الرومنطيقية»
«مشروع «هامنت» عُرض على ستيفن سبيلبرغ، وبعد أسبوع قال: «هذا ليس لي. لستُ الشخص المناسب لإخراجه»، ثم أضاف: «لكني أعتقد أنه يناسب كلوي». منذ البداية، أراد نسختي من القصّة. وبما أنه فنّان عظيم، فهم أن لكلّ مخرج لغة وعملية فريدة. كان متساهلًا، سمح لي بالعمل على سجيتي، متدخّلًا فقط عند اللحظات الحاسمة صونًا للعمل. هذا النوع من الحماية نادر: شخص بأهميته يمكنه حمايتك من الضوضاء، من الأسئلة الحتمية مثل «ماذا تفعلين بالضبط؟»، وفي الوقت نفسه يقدّم ملاحظات قليلة لكنها ضرورية. طوال عملية إنجاز الفيلم، من الكتابة حتى المونتاج النهائي، لم يعطني سوى خمس ملاحظات. لم أتبعها جميعها، لكن ثلاثًا منها كانت حاسمة. تلقيتُ إحداها في مرحلة الكتابة، كانت بسيطة لكنها مؤثّرة: قال: «أحبّ النصّ كما هو، فقط أفتقد لحظة واحدة بين الأب والابن». في الفيلم، هناك مشهد يسأل فيه ويل هامنت: «هل ستكون شجاعًا؟». لم يكن هذا في النصّ الأصلي، لكن عندما قال ذلك، نظرتُ أنا وماغي [أوفاريل – شاركتْ في كتابة السيناريو] أحدنا إلى الآخر، وعرفنا فورًا أنه محقّ. في الرواية، حضور ويل أقل، وعلاقتهما تُصوَّر داخليًا، لكن هذا المشهد فتح أبوابًا وعمّق البنية العاطفية للفيلم. ملاحظة أخرى أعطانا إياها أثناء المونتاج: صوّرنا الكثير من حزن أغنيس، مشاهد طويلة وصامتة لها وحدها في المنزل تبحث عن حضور ابنها. في الرواية، يشغل حزنها مساحة شاسعة، وكنّا نمتلك من 15 إلى 20 دقيقة له في الفيلم. اضطراري لقطعها كان مؤلمًا، لكنه ضروري. قال ستيفن: «أعرف ما تمرّين به، لكن عليك أن تثقي بي. الجمهور لا يستطيع تحمّل ذلك». استسلمتُ ببطء… كلّ يوم إثنين كنتُ أصل إلى غرفة المونتاج وأقول: «أعتقد أنني مستعدّة للتنازل عن هذا الجزء». زميلتي في المونتاج كانت تتنفّس بصوت يمكن رؤيته. استغرق الأمر أسابيع، لكني في النهاية حذفتُ نحو 15 دقيقة، وهذا ما جعل الفيلم أكثر تركيزًا وعمقًا. كلّ صباح كنت أستيقظ وأنا أسأل: «ما الذي سيكشفه المجهول اليوم؟». كلمة «مخرجة» توحي بالسلطة والسيطرة، لكن غالبًا ما أصل إلى موقع التصوير من دون معرفة خمسين في المئة ممّا سيحدث. هذا مرهق بالنسبة للجميع، ومع ذلك، إن خططتَ بشكل كافٍ، يتبدّد الغموض. عندما أترك مساحة، يمكن لشيء آخر الدخول. هذا ما يثيرني. الأمر أشبه بالعلاقة. تستيقظ وتلتقي بالمَشهد كما لو أنك تواعده. إذا حاولتَ السيطرة عليه لتجنّب فقدانه، فأنتَ تقتل الرومنطيقية. أما إذا سمحتَ بالغموض، فتخاطر بخيبة أمل، وأحيانًا بالخيانة. ومع ذلك، هذه الهشاشة هي ما يحافظ على الحيوية.
عندما أقابل رؤساء الأقسام (تصميم الإنتاج، الملابس، الشعر والماكياج) لا أبدأ بسيرتهم الذاتية. أطلب منهم اعداد عرض بصري يستجيب للنصّ. لا أبحث عن دقّة بحثية، بقدر ما أهتم بالشجاعة العاطفية: هل هم قادرون على الاستجابة عبر الحدس، بدلًا من المعلومة، حتى في فيلم تاريخي؟ هذا ما أحتاجه: أشخاص يمكنهم بناء وعاء قوي. في موقع التصوير، غالباً ما يكون مساعدو المخرج هم الحراس الحقيقيون للهيكل. قابلتُ ستّة أو سبعة منهم قبل اختيار واحد. لم يكن السؤال عن الكفاءة التقنية، بل عن القدرة العصبية: هل تستطيع الاحتفاظ بكلّ هذا الغموض؟ هل تستطيع الحفاظ على الهيكل من دون سحق العفوية؟ تحتاج إلى أشخاص متأصّلين بما يكفي لامتصاص الاضطرابات. حينها تصبح الحرية ممكنة، وتستطيع العملية الإبداعية أن تتنفّس».

5 – «الاقتباس أشبه بالساعة الرملية»
«في «هامنت»، تنتهي الرواية بكلمة: «تذكّرني». على الصفحة، تتردّد هذه الكلمة في الفراغ، لكنها تحمل معنىً مختلفًا تمامًا في السينما. الكتابة لغة قديمة، بينما لغة السينما، التي عمرها بالكاد 130 سنة، لا تمتلك الوزن الرمزي نفسه. لذلك اضطررنا لخلق خمس وعشرين صفحة من التجربة الحيّة لنستحضر ما يمكن لكلمتين مطبوعتين أن تثيراه في الرواية. هذا يضعك في موقف متواضع، إذ تترجم بين لغات مختلفة تاريخًا ووزنًا رمزيًا، وتحاول نقل الجوهر من دون أن تفقده. الاقتباس أشبه بالساعة الرملية. الكتاب هو الرمل في الحجرة العليا، وعملنا هو استخلاصه، اختزاله إلى جوهره. هذا الجوهر يمر عبر العنق الضيقة، ثم يتوسّع مرة أخرى، بفضل الممثّلين، رؤساء الأقسام، التصوير، ليصبح شيئًا جديدًا. إذا لم يتم الاختزال على نحو كافٍ، لا تُترَك مساحة للتحوّل».
6 – «الفنّ فعل روحاني»
«صناعة الفنّ في طبيعتها روحانية. معلّمتي كيم كيلينغهام، خبيرة الأحلام، التي تتحدّر من التقليد اليونغي، شاركت معي شيئًا سأحمله إلى الأبد. قالت لي إنها حلمت أن كارل يونغ قال لها قبل أن تستيقظ مباشرةً: «لا تكوني مستسهلة، كوني حاضرة بكلّيتكِ». أحيانًا نحمي أنفسنا بالسخرية أو التشاؤم، نقلّل قيمة ما نفعل. أؤمن بأن الإبداع حقّ فطري لكلّ إنسان. نحن مبدعون بالفطرة، جميعنا يملك القدرة على تحويل تجارب حياته عبر الخيال. تلك النار والكأس التي يحملها جسدنا، ملكٌ للجميع. لا تحتاج لشخص آخر ليصادق على معاناتك أو يمنحك قلباً محطمّاً لتبدع. القدرة موجودة داخلك. الجوع الروحي الجماعي الذي نشعر به في أيامنا هذه قد ينبع جزئيًا من نسيان ذلك. يُنظَر إلى الإبداع على أنه ترف أو هواية، لكنه ليس كذلك. بالنسبة لي، ضرورته تبلغ ضرورة الطعام أو المأوى. أبدع الإنسان منذ أول يوم انوجد فيه، رسم على جدران الكهوف قبل أن يمتلك الأمان، اليقين، الراحة…».

7 – «وظيفتي خلق بيئة يشعر فيها كلّ ممثّل بالأمان ليغادر رأسه ويدخل جسده»
«أعتقد أن فرنر هرتزوغ قال ذات مرة: لا يوجد ممثّل محترف وممثّل غير محترف. الفرق الحقيقي بين ممثّل وآخر يكمن في الحضور داخل اللحظة. هناك محترفون حاضرون تمامًا، وغير محترفين حاضرون تمامًا، وهناك من كلا الفئتين غير حاضرين. وظيفتي هي خلق بيئة يشعر فيها كلّ شخص بالأمان الكافي ليغادر رأسه ويدخل جسده. حين يتحقّق ذلك، يصبح كلّ تفاعل مع الآخرين أو مع المكان، حقيقيًا، ويتوقّف عن كونه مجرد فكرة عن شخصية ليصبح تجربة حيّة. أساعد المحترفين في التخلّي عن بعض العادات، عن أداء فكرة مسبقة للشخصية، لكن ما يجلبونه مقابل ذلك هو طبقات استثنائية من العمق: القدرة على حمل المعنى الضمني والبقاء متّصلين به. هذا نادر جدًا. أما الممثّلون غير المحترفين، فغالبًا لا يستطيعون أداء المعنى الضمني، لذا أختار شخصًا هو بالفعل ذلك المعنى. الاختيار والكتابة هنا هما كلّ شيء. الهدف النهائي واحد: مساعدة المحترفين على أن يكونوا عفويين كغير المحترفين، ومساعدة غير المحترفين على الوصول إلى العمق الذي يصل إليه المحترفون. كلّ ممثل فريد، وأحاول فهم عمليته الفردية. إذا أرادوا تحضيرًا خاصًا، لا بأس، إذا أرادوا وقتا للتمرين، نتحدّث. لكن نادرًا ما أتدرّب على المَشاهد بالطريقة التقليدية. أحبّ العمل مع ممثّلين يرتاحون للغموض. في موقع التصوير، غالبًا ما أترك الممثّلين يستكشفون أولًا، لأرى إلى أين يتّجهون بشكل تلقائي. الكاميرا قد تتطلّب تعديلات، لكني أود أن أرى ما يقدّمونه قبل فرض البني».
8 – «إذا لم تكن حذرًا، ابتلعك النظام»
«إنجاز الفيلم الثاني أصعب بكثير من إنجاز الأول. عند إنجاز فيلمك الأول، لا يوجد خوف، تتوجّه نحو الأشياء ببساطة، ببراءة وطاقة خالصة. لكن بعد عرضه، يلصقون بك هوية معينة. فجأةً، تصبح تحت وطأة مسؤوليات وأسئلة، وأنت لا تملك بعد نفوذًا كافيًا للوقوف بثقة. هذا الفراغ خطير. الفرص التي قد لا تناسبك ستتوالى، وستدخل غرف اجتماعات كبيرة وواعدة، لكنها لا تؤدّي إلى أي مكان. فيلمي الأول لم يُوزَّع خارج فرنسا، لكن بعد عرضه، دُعيتُ لعرض مشاريع ضخمة. كنت أجلس في تلك الاجتماعات وأسأل لنفسي: ماذا أفعل هنا؟ في مرحلة معينة، أدركتُ أني إذا لم أكن حذرة، ابتلعني النظام. لم يكن لديّ بعد قدرة كافية لتأمين موازنة ضخمة، ولم أرغب في فقدان نفسي في السعي خلفها. بعد الفيلم الأول، يحدث شيء مهم: تبدأ في غرس الجذور، وفي فهم أين قوتك وضعفك. ترى بوضوح ما تجده فعليًا. لذلك، من ناحيتي، اتخذتُ قرارًا: سأنجز فيلمًا آخر بـ80.000 دولار. الهدف كان تصحيح أخطاء الفيلم الأول، من دون إثبات شيء علنيًا. أردتُ ببساطة أن يرى العالم هذين الفيلمين معًا ويفهم: هذا ما أقدّمه.

هذه الطريق أدّت في النهاية إلى «نومادلاند»، الذي كلّف خمسة ملايين دولار، هذا ليس موازنة ضخمة لاستوديو، لكنه خطوة إلى الأمام. وحدث ذلك لأن فرانسز ماكدورماند آمنت بي. آمنت بي بما يكفي لأقاتل من أجل الفيلم. خلاصة الكلام، إذا واصلتَ صقل صوتك الداخلي، وإذا واصلت التحدّث بوضوح من خلال عملك، فستجذب في النهاية متعاونين يؤمنون بك، أشخاصًا يشهدون لك، وربما حتى يخاطرون أو يخسرون المال من أجلك. هناك طريقتان للقيادة: يمكنك أن تقود مثل الجنرال، بالسلطة، أو مثل الكاهن، بالاقتناع والرؤيا. الناس لن يتبعوك، إلا إذا شعروا بشيء أصيل، إذا أحسّوا بأنك تقدّم شيئًا مغايرًا. لذلك، بعد فيلمك الأول، كن واعيًا جدًا، وقرر بعناية خطوتك التالية. إذا كان ذلك يعني أخذ قرض لصنع شيء بسيط مرة أخرى، فلا تتردّد. لا تنتظر الإذن إذا كان الانتظار سيضعف صوتك، لأنكَ إذا كتمتَ هذا الصوت لتناسب النظام، فقد لا تجذب المتعاونين الذين يمكنهم تغيير حياتك».
اقرأ أيضا: «هامنت»… سينما خالدة تشفي آلام القلوب