ها أنا مرةً أخرى في ميدان «بوتسدامر بلاتز»، أهرول نحو قاعة السينما لألحق بعرض أحد أفلام مهرجان برلين السينمائي. ينتهي العرض، فأعود إلى الساحة نفسها، أنظر حولي متأمِّلة، وكما يحدث كلّ عام، أمتلئ دهشةً وأسئلة.
أعيش في برلين منذ ثلاث سنوات، وأقطع الميدان جيئةً وإيابًا في غير أوقات المهرجان. لكن حينها، يكون المكان غير المكان. كأنّ مراسم البرلينالي تُلوّح بعصا فتحيل الشوارع والأزقة إلى تعريف آخر.
الأحمر هذا الأسبوع هو سيّد المشهد. إنه لون السجادة المنبسطة عند مدخل قصر المهرجان، حيث يسير نجوم الأفلام، وتلاحقهم ومضات الكاميرات، طقطقةً وراء طقطقة، مثل ظلال خاطفة. وهو أيضًا لون الدبّ الذي اختاره المهرجان رمزًا له. الزينة المعلَّقة في الأزقة المؤدّية إلى القصر حمراء، والأكشاك المؤقتة التي يعمل فيها فريق المهرجان حمراء، وحتى أوشحتهم المنسابة فوق ملابس سوداء بالكامل حمراء.
ليس اللون وحده ما يتبدّل هنا زمن المهرجان؛ الصوت أيضًا. تنساب موسيقى البرلينالي في الخلفية، وتتداخل فوقها الأحاديث، تتدفَّق بلا انقطاع. ولو توقفتَ لتُصغي، فالأغلب أنك ستلتقط نقاشًا عن فيلم. في زمن المهرجان، تترك لك الأحاديث باب الدخول مواربًا، تسترخي الحدود قليلًا، ويغدو الغرباء أقلّ غربة. ولهذا لن ينظر إليك أحد شزرًا إن دخلت في طيات الحديث وأبديت رأيك في الفيلم محلّ النقاش.
هكذا تُصادف أناسًا يأتون من أماكن بعيدة، لن تجتمع بهم مجددًا سوى في هذا الموعد السنوي. وهكذا أيضًا تكوّنت بعض صداقاتي من وجوه تعبر سمائي مثل شهب موسمية، تُضيئها أسبوعًا ثم تمضي.

في الجوّ حماسة خفيفة، كأن شيئًا ما على وشك أن يحدث، والجميع يترقَّب. تبدأ الإثارة الحقيقية بعد انتهاء العروض. ففي الليالي تُقام الحفلات، وتسهر مع الأصدقاء الذين لا تراهم إلا مرةً كل عام. تنبسط بينكم الأحاديث محاولةً اختصار ما حدث منذ آخر لقاء. وفي صباح اليوم التالي، تعود الأفلام مجددًا محور النقاش، وسط تخمينات عن جودة ما سيحمله اليوم من عروض.
أعلّق شارة الصحافة في عنقي. تجعلني أشعر بشيء من الامتياز. أرفعها لمَن أشاء، فأعبُر إلى أماكن لا يدخلها إلا أهل الصحافة. للحظة، يخطر لي أنني كاهنة في طَقْس سرّي خاص بالمهرجان، واحدة من المختارين المسموح لهم بدخول عروض صحافية لأفلام يتزاحم الجمهور عادةً على تذاكرها. تتيح لي الشارة أيضًا الدخول إلى قاعة المؤتمرات الصحافية، فيتسنّى لي أن أجلس في قاعة واحدة مع صنّاع الأفلام التي شاهدتها منذ بُرهة في السينما. كان شعورًا مُدوّخًا يوم رأيتُ ماريون كوتيار، من نجومي المفضّلين، بشحمها ولحمها في مؤتمر العام الماضي. أخذت أتأمّل وجهها وأقارن بين شكلها «في الحقيقة» وما تبدو عليه «في الصور». والحقيقة أنّ الصورة بالكاد تلتقط هالتها، التي يمتزج فيها الجمال بالغموض فيترك في النفس أثرًا مزدوجًا.

لكن ما هالني أكثر من إمكانية رؤية نجومي المفضّلين هو قدرتي على الحديث معهم. يُدير جلسات الأسئلة والأجوبة أحد منسّقي المهرجان، يجلس مثل حارس على بوابة الكلام. ترتفع أيادي الصحافيين طلبًا للمايكروفون وفرصة الحديث مع صنّاع الفيلم، لكنه وحده مَن يقرر مَن سيُمنَح الفرصة. ومثل ملك من عصور غابرة، تُحدّد إشارة من أصابعه المصائر، فيشير لمَن يختار. كنت محظوظة بما يكفي لأن أتحدَّث مع صنّاع الأفلام التي أعجبتني في كل عام. لن أنسى حين تحدثت مع سيلين سونغ، مخرجة «حيوات سايقة» ومؤلّفته، عن ألاعيبها السردية في الفيلم، فاسترسلت في حديث طويل انجذب إلى أطرافه أبطال الفيلم.
في قاعات الصحافة، يجلس الصحافيون مثل رهبان متبتّلين في بهو عبادة، صامتين محنيّي الظهور على حواسيبهم الشخصية، ولا يقطع سكوتهم سوى دبيب الأنامل على لوحات المفاتيح. لضغط مواعيد التسليم ثقل تستشعره في الجباه المعقودة بجدّية صارمة. بين عرضٍ وآخر تُكتب النصوص؛ تبرد فناجين القهوة على الطاولات، وتضيء الشاشات الوجوه بلون شاحب. أحدهم يمسح جملة، وآخر يعيد صياغة عنوان. وهكذا، من دون أن نشعر، تنقضي الأيام. ثم فجأة، ينتهي المهرجان.
في غمضة عين، ينقشع السحر عن المكان. تُلفّ السجادة الحمراء، وتُزال أكشاك المهرجان، ومعهما جمهور الأفلام. يعود ميدان «بوتسدامر بلاتز» إلى ما عهدته به: بقعة رمادية في وسط المدينة تمتلكها أربع شركات ضخمة عابرة للجنسيات. يقطع أفق سمائه أبراج زجاجية عملاقة، تصطفُّ على جانبيه محال وجبات سريعة مثل «دانكن دونتس» و«فايف غايز»، وعلى امتداده تقف ثلاثة مراكز تسوّق دفعة واحدة. في حالته العادية، لا يزيد نصيب «بوتسدامر بلاتز» من الهوية عن نصيب قاعة الأسواق الحرّة في أحد المطارات.
تعود الحواجز قوية بين الأشخاص. ففي ألمانيا، يسير كل إنسان وحوله جدران خفيّة منيعة. قال لي صديق مرةً، مازحًا، إنهم بعد وباء كورونا حمدوا الله، أخيرًا لن يضطروا لترك مترين بينهم وبين الناس، وسيعودون إلى مسافاتهم الشخصية المعتادة الممتدّة عشرة أمتار!
يشعرني هذا التبدّل السريع في الكود الاجتماعي بالغرابة. كيف يمكن لمجموعة من الناس أن تجتمع في مكان وزمن محدَّدين، يتواطؤون معًا على شكل آخر للحياة، ثم ما إن ينقضي هذا الزمن حتى يعود كلّ شيء إلى سابق عهده وكأنَّ ما حدث كان سرابًا؟
في لحظة مثل هذه، تذكّرتُ صديقًا حدّثني يومًا عن تجربة لا تقلّ غرابة. شعر بالإحساس نفسه بعد انتهاء مهرجان «الرجل المحترق» الذي حضره قبل أعوام في الولايات المتحدة. هناك، يقيم الحضور تسعة أيام في مدينة تُشيَّد خصيصًا للمهرجان، تنهض من العدم في صحراء نيفادا ثم تتلاشى بانقضائه. وللحياة في تلك المدينة قوانينها الخاصة: لا نشاط تجاريًا، لا عملات، لا بيع ولا شراء. التفاعل الوحيد المسموح به هو الإهداء؛ كل شيء يُمنَح، ولا شيء يُشترى.
تُشكّل تلك القواعد كودًا اجتماعيًا وأخلاقيًا مختلفًا عمّا اعتادوه. فعندما تُهدَم القواعد التي تؤسِّس للمنفعة الشخصية والمصلحة والفردانية، يُخلَق بالضرورة نسيج اجتماعي جديد يحلّ محلّها.
ثم يأتي اليوم التاسع. يجتمع سكّان المدينة عند تمثال ضخم لرجل ويُضرمون فيه النيران. باحتراقه، ينتهي المهرجان. يفكّك الناس المدينة قطعةً قطعة ولا يتركون خلفهم أثرًا. يُفتّت انصرافهم النسيج الاجتماعي للأيام السابقة. وكأن شيئًا لم يكن، يعودون إلى حياتهم المعتادة، إلى أدوارهم اليومية، إلى عجلة الإنتاج حيث يدورون مثل فئران هامستر متنافسة.
وهذا بالضبط ما حدث لي أنا أيضًا. أنزع عني شارة الصحافة، وأخلع معها بيرسونا الناقدة السينمائية. أعود إلى حياتي اليومية مهاجرةً في ألمانيا تعمل مهندسة برمجيات، تقضي يومها أمام شاشة وامضة في مهنة لا تعترف بالمجاز.
يغرب عني ذلك العالم كما تغرب مدينة مؤقتة بعد أن تُفكَّك خيامها. يعود كلّ شيء إلى مكانه: الشوارع إلى صمتها، والوجوه إلى تحفظها، وأنا إلى حياتي التي أعرفها. لكن شيئًا ما يبقى عالقًا. أثرٌ خافت لا يُرى، مثل غبار خفيف على الذاكرة.

ربما لهذا أعود كلّ عام. لا لأشاهد الأفلام فقط، بل لأشهد تلك اللحظة النادرة التي يلين فيها العالم، حين يتّفق الغرباء، ولو لأيام، على أن يعيشوا معًا بطريقة أخرى. ثم ينتهي المهرجان، وينصرف الجميع، ويُطوى المشهد كما لو كان حلمًا.
ظللتُ زمنًا طويلًا عالقةً في الحنين إلى تلك اللحظة الخارجة عن الزمن، إلى فسحة تبدو معلَّقة خارج إيقاع العالم، قبل أن أفهم، ببطء، أن لا شيء يوجد خارج الزمن حقًا. فالأفلام التي نشاهدها هناك لا تأتي من فراغ: أفلام الحصار، وحروب غزة، وسجون بشار الأسد، وصور الموتى والمحتضرين، وآثار ما بعد الحروب… كلّها تصل إلى الشاشة مُحمّلةً بزمنها ومُثقلةً بأيام لم تنتهِ بعد.
عندها أدركت أنّ تلك اللحظة المُعلّقة لم تعد تبدو بريئة كما كانت. فالعالم الذي أخرج منه إلى قاعة السينما لا يبقى خارجها تمامًا. يكفي سؤال واحد في مؤتمر صحافي، وصمتٌ يتبعه، كي أتذكر أنّ الشاشات لا تحجب العالم بل تعكسه. وأنّ البلاد التي تحتضن المهرجان ليست بريئة من الدماء، وأن غربتي هنا ليست إلا امتيازًا خفيًا؛ امتياز مَن يستطيع أن يتأمّل الحياة، بينما آخرون لا يزالون مشغولين بالنجاة منها.
اقرأ أيضا: برليناله 76: ملف «فاصلة» للتغطية الكاملة