فاصلة

مراجعات

«الجميع يحبّ بيل إيفانز»… فيلم يقترب من عبقرية مكسورة

Reading Time: 3 minutes

في الخامس والعشرين من يونيو 1961، كُتب فصل مفصلي في تاريخ الجاز داخل نادي «فيلدج فانغارد» في نيويورك. خلال فترة بعد الظهر والمساء، قدّم بيل إيفانز وفرقته الثلاثية أداءً حيًا، ومناخًا موسيقيًا يصعب تكراره. كان الحوار بين بيانو إيفانز، وبراعة سكوت لافارو على الكونترباس، وإيقاعات بول موتيان، مثاليًا إلى درجة ما زال صداها يتردّد حتى اليوم. من ذلك الحفل خرجت أسطوانتان لا يزالان إلى اليوم من أهم التسجيلات: «Sunday At The Village Vanguard» و «Waltz For Debby». يمثّل هذا الأداء الأسطوري الذروة والنهاية في آن معًا لفرقة وصلت إلى مستوى من التناغم لا يحتاج إلى أي رابط سوى الموسيقى نفسها.

كانت موسيقى بيل إيفانز، في أكثر من مستوى، امتدادًا مباشرًا لطباعِه. كان رجلًا غارقًا في التأمل، هادئ الملامح، يحمل حزنًا يلامس حدود الاكتئاب. كثيرون وصفوه بأنه مهووس بالكمال، هشّ من الداخل، ميال إلى العزلة، وقاسٍ على نفسه. يحاول فيلم «الجميع يُحبّ ببيل إيفانز» («Everybody Digs Bill Evans») لغرانت غي، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان برلين، أن يلتقط هذه الطبقات الشخصية عبر أسلوب بسيط ومباشر، مسلّطًا الضوء على واحدة من أكثر مراحل حياته اضطرابًا.

بيل إيفانز
بيل إيفانز

تتناول الفترة التي يركّز عليها أول فيلم روائي طويل لغي إحدى أكثر المراحل اضطرابًا في حياة بيل إيفانز (أندش دينلسن لي). فبعد تسجيل الحفلتين اللتين تحوّلتا إلى أسطوانتين، تعرضّ عازف الكونترباس سكوت لافارو لحادث سير مروّع أنهى حياته. ينطلق «الجميع يجبّ بيل إيفانز» من هذه اللحظة المفصلية، متتبعًا إيفانز وهو يحاول لملمة شتاته العاطفي، وسط علاقة متوترة مع حبيبته إيلين (فالين كين)، وصدامات خفية مع شقيقه ومع والديه خلال فترة يقضيها في منزلهما بفلوريدا.

يعتمد الفيلم على أسلوب بصري رقيق، هادئ، يكاد يهمس. الموسيقى أقل حضورًا مما قد يتوقعه المشاهد في فيلم عن موسيقي جاز، بينما تتسلل روح دعابة جافة في لحظات غير متوقعة. النتيجة صورة مؤلمة، حزينة، لكنها صادقة، لفنان استثنائي الموهبة عاش حياته بين لحظات تألق خاطفة وانهيارات داخلية لا تهدأ.

everybody digs bill evans
everybody digs bill evans (2026)

في مشاهد مونتاج مصممة بعناية، تُحوّل صور الأبيض والأسود إلى استعارات بصرية، حتى تتداخل الأزمنة وتتماهى لحظة الحفل الأسطوري مع لحظة الحادث المميت في وحدة سردية واحدة. وتظهر بين اللحظة والأخرى ومضات قصيرة من مستقبل قاتم، كأنها إشارات تحذيرية تُذكر بأن المسار الذي يسير عليه بيل إيفانز ينتهي مبكرًا عام 1980. هذه اللمحات، رغم محدوديتها، تُغلق الدائرة المأساوية التي تحيط بحياته، وتمنح الفيلم ظلًا ثقيلًا لا يفارقه. ورغم جمال هذه المقاطع، فإنها تظل غريبة عن النبرة العامة للفيلم، ليس فقط بسبب ألوانها الزاهية وجماليتها القديمة منخفضة التباين، بل لأنها تُضيف طبقة درامية لا يحتاجها هذا العمل الذي يركّز أساسًا على الحزن الداخلي أكثر من الأحداث الخارجية.

مع ذلك، ينجح غرانت غي في الابتعاد عن معظم الكليشيهات التي أصبحت شبه إلزامية في أفلام السيرة الموسيقية. لا يقدّم حياة إيفانز كقصة صعود وسقوط تقليدية، ولا يحوّل إدمان المخدرات أو المآسي إلى محطات درامية جاهزة. بل يتعامل مع كل ذلك كحالات ذهنية، كصور عابرة، كظلال تحوم حول الشخصية في النهاية، هناك شيء مميز في الطريقة التي ينظر بها غي إلى بطله، كأن الموت يحيط بإيفانز من كل الجهات، وكأن قدرية ثقيلة تسيّر خطواته. لا يضع الفيلم هذه الفكرة في الواجهة، لكنه يتركها تتسرب ببطء، حتى تصبح جزءًا من نسيج العمل

اقرأ أيضا: برليناله تحت النار… أزمات أشعلت عاصفة من الانتقادات

شارك هذا المنشور

أضف تعليق