إذا كانت السينما الكلاسيكية قد بنت نظامها البصري على استحواذ النظرة الذكورية للجسد، فإنّ فيلم «Last Tango in Paris – التانغو الأخير في باريس» (1972) يشكّل لحظةً مفصليةً تكشف كيف يمكن لهذه السيطرة أن تتجاوز حدود الكادر لتصل إلى حدود الجسد ذاته. في هذا العمل، لا يُختزل جسد ماريا شنايدر إلى «موضوع» للنظر فقط، بل يتحوّل إلى مسرح لهيمنة مخرج وممثل يتعاملان معه بوصفه مادةَ اختبار. هنا، يرتفع مستوى السيطرة من تحكّم سردي أو جمالي إلى تحكّم وجودي مباشر، حيث تتداخل حدود الأداء مع حدود العنف النفسي.
لم يكن برناردو برتولوتشي ومارلون براندو، حين نفّذا مشهد الاغتصاب باستخدام الزبدة من دون إبلاغ شنايدر مسبقًا، يبحثان عن «صدق تمثيلي»، بل عن ردّ فعل «حقيقي» لم تُمنح الممثلة حقّ التفاوض عليه. هذه الواقعة ليست استثناءً أخلاقيًا، وإنما نموذج بنيوي لطبيعة السلطة في موقع التصوير، حيث يحتكر المخرج حقّ تعريف «الواقعية» ويحوّل الجسد إلى مجال اختبار. الكاميرا هنا لا تسجّل تجربةً، بل تنتزعها؛ وفضاء التصوير يتحوّل إلى فضاء تأديبيّ تُفرض فيه الانفعالات ويُعاد تشكيلها لمصلحة «الحقيقة السينمائية». لم تُغتصب شنايدر دراميًا فقط، بل اغتُصبت وجوديًا أيضًا، بوصفها كائنًا تُحدّد السلطة شروط ظهوره وانفعاله.

لا يمكن قراءة حادثة شنايدر بوصفها قصةً فرديةً عرضيةً؛ إنها تكشف عن خطاب مؤسّسي كان يرى في «العبقرية الإخراجية» حقًا مشروعًا في انتزاع الكرامة. ما وُصف طويلًا بـ«الشجاعة الفنية» لم يكن سوى إعادة إنتاج لعلاقة غير متكافئة بين النظرة والجسد، حيث يتحول الممثل مادةً وليس شريكًا. وهنا يطرح السؤال نفسه: كيف تُسوّق الصناعة خطاب السيطرة باعتباره خطابًا إبداعيًا؟ وكيف يختبئ العنف النفسي خلف مفهوم «الواقعية»؟
لم يبدأ التحول البنيوي الحقيقي إلا مع انفجار حركة «مي تو» عام 2017، التي لم تُطرح بوصفها صرخةً أخلاقيةً فحسب، وإنما بوصفها إعادة توزيع للسلطة الرمزية داخل الصناعة. لم يعد السؤال: «هل وُجدت حالات تحرّش؟»، بل: «كيف تنتج البنية الخطابية هذه الحالات وتبرّرها؟». وللمرة الأولى، أُعيدت قراءة قصص مثل قصة شنايدر بوصفها أعراضًا لنموذج إنتاجي منحاز، لا «حوادث فردية» أو «ضريبة للشهرة». كسرت «مي تو» الميتافيزياء الإخراجية القديمة، ووضعت سؤال الوكالة وحق التفاوض في صلب العملية الإبداعية، مُعيدةً تعريف حدود الحميمية والواقعية من داخل البنية نفسها.
من رحم هذه المُساءلة، ظهرت وظيفة «منسّق الحميمية» بنيةً مضادةً للسلطة. فدوره لا يقتصر على حماية الممثلين من الاستغلال، بل على إعادة توزيع السيطرة داخل موقع التصوير، فتتحوَّل الحميمية من أداة عنف رمزي إلى علاقة تفاوضية واضحة. تصبح المَشاهد الجسدية، عندئذ، إعادة صياغة للحميمية بوصفها فعلًا مشتركًا يُنتج بالتفاهم لا بالخضوع. لا يعود الجسد مادةً صامتةً، وإنما ذات لها حقّ تحديد حدود تمثيلها.
محاولة لتعقيم الخيال في وادي النيل
لم تكن السينما العربية بمنأى عن معضلة تمثيل الجسد، لكن موقع هذه المعضلة يختلف جذريًا عن السياق الغربي. ففي مصر الخمسينات والستينات والسبعينات، كانت القبلات ومشاهد غرف النوم والرقص جزءًا مشروعًا من النسيج السينمائي، ضمن بنية رقابية تحوّل «المسموح» و«الممنوع» أدواتٍ لضبط الهوية الجماعية، لا لضبط الرغبة الفردية. ومع صعود موجة «السينما النظيفة» في التسعينات، لم يكن الأمر تعبيرًا عن أخلاق مجرّدة، وإنما استراتيجية إنتاجية لتوسيع السوق تحت ضغط تحولات اجتماعية محافظة. هنا، لم يعد الجسد مجالًا للسرد، بل مساحة للتفاوض الاقتصادي حول ما يصلح للعائلة بوصفها مُستهلكًا جماعيًا.
في هذا السياق، لا تنبع حساسية الجمهور العربي من المشاهد الجنسية نفسها، بل من انهيار المسافة الرمزية بين الذات والمتخيَّل. تمثيلات الجنس تكشف، في كثير من الأحيان، ما تخشاه المجتمعات أكثر من أي شيء آخر. فالمحتوى الغربي «لا يُهدّد الهوية» لأنه ينتمي إلى ثقافة أخرى، بينما يؤدّي الفعل نفسه حين يقوم به ممثل عربي إلى صدمة مضاعفة؛ إذ لا يُقرأ بوصفه تمثيلًا، بل «اعتداء على صورة الذات». المشكلة هنا ليست في الجنس، بل في ملكية الصورة: مَن يحق له أن يُظهر جسد المرأة؟ مَن يُعرّف الرغبة؟ ومَن يملك شرعية الحديث عن المسكوت عنه؟

يُجسّد فيلم «أصحاب ولا أعز» (2022) هذه الإشكالية بوضوح. لم يتضمَّن مشهدًا جنسيًا واحدًا، ولم تظهر قبلة واحدة، ومع ذلك فجَّر عاصفة غضب غير مسبوقة. لم يكن الغضب بسبب ما ظهر، بل بسبب ما عُرف ضمنيًا: أن المرأة يمكن أن تمتلك رغبةً وأن تفكر بها خارج السرد الأبوي الذي يحصرها في الطهرانية. هنا يصبح الإيحاء أخطر من العري، لأنه يفتح باب الاحتمالات. لم يُهاجَم المشهد، بل هوجمت حرّية التمثيل نفسها. والمفارقة أنّ مَن هاجموا منى زكي على وسائل التواصل هم أنفسهم مَن شاهدوا الفيلم كاملًا بحثًا عن «المشهد» الغائب. الصدمة لم تكن في الفيلم، بل في انعكاس «المطبخ الداخلي» للمجتمع بدقة 4K.

أما في المغرب، ومع فيلم «الزين لي فيك» (2015)، فقد اتخذت الأزمة بُعدًا مختلفًا. لم يكن الصراع حول الجنس بذاته، بل حول الهوية الوطنية. الرقابة هنا لا تحمي الأخلاق، بل الصورة التي تريد الدولة تصديرها عن نفسها. كشفُ واقع الدعارة يُعد خيانةً وطنيةً وليس انحرافًا فنيًا. يتحوّل العنف الاجتماعي ضدّ الممثلة لبنى أبيضار إلى عقاب رمزي لمَن كسر مرآة المجتمع. هنا، لا يأتي الألم من موقع التصوير كما في حالة ماريا شنايدر، بل من الشارع والسلطة معًا.
تكشف هذه الأمثلة أنّ معركة تمثيل الجسد في السينما العربية ليست معركة جنس وأخلاق، بل معركة سرد وهوية. الجسد ليس موضوع رغبة، بل موضوع ملكية: مَن يحق له أن يرى؟ مَن يحق له أن يكشف؟ ومَن يملك شرعية تعرية البنى الاجتماعية؟ الصراع لا يدور حول المشهد نفسه، بل حول مَن يمتلك سلطة إنتاج المعنى.
ختامًا، يكشف هذا الأرشيف الطويل، من قبلة إديسون «الوحشية» إلى صدمة «أصحاب ولا أعز»، أنّ تاريخ المشهد الحميمي لم يكن يومًا مجرّد صراع فني أو أخلاقي، بل معركة شرسة حول السلطة. سلطة مَن يملك الحق في عرض الجسد وتحديد معانيه. سواء في الغرب، حيث تحوّل الجسد سلعةً، أو في العالم العربي، حيث يُعد عري الممثل «تهديدًا للهوية»، تظلّ السينما آلةً لا تنقل الواقع فقط، بل تُعيد هندسته، جاعلةً من الجسد مساحة تفاوض سياسية شائكة بين المتخيَّل والحقيقي.
أتساءل أحيانًا: هل نحن حقًا ضحايا نظرة الكاميرا؟ أم أننا نستمتع سرًا بهذا التلصّص؟ تقول لورا ملفي إننا مرضى، وربما كانت محقّة. فالمتعة في السينما كانت دائمًا، وبشكلٍ ما، خطيئةً لذيذةً.