فاصلة

مقالات

روب راينر… رحابة القلب على الشاشة

Reading Time: 5 minutes

قلّ أن نعثر على مخرج، وربما لا يوجد سواه، يملك في رصيده ما يملكه روب راينر (1947 – 2025): كوميديا رومانسية تُعد من الأجمل في تاريخ السينما، دراما محاكم تُصنَّف بين الأبرز على الإطلاق، اقتباسًا من أعمال ستيفن كينغ يُعتبر من الأنجح، مغامرة خيالية من أجمل ما صُوِّر، وفيلمًا وثائقيًا ساخرًا أو زائفًا (Mockumentary) يُعد الأول والأكثر طرافة في نوعه. أنجز راينر، بين عامي 1984 و1992، سلسلة رائعة من سبعة أفلام لا تُنسى، جعلته من بين أكثر المخرجين المحبوبين في التاريخ، ربما ليس الأفضل، لكنه بالتأكيد الأكثر شعبية. بالترتيب كانت هذه الأفلام هي: «هذه هي سبينال تاب» (1984، «This Is Spinal Tap»، «الشيء المؤكد» (1985، «The Sure Thing»)، «كن بجانبي» (1986، «Stand By me»)، «الأميرة العروس» (1987، «The Princess Bride»)، «عندما التقى هاري بسالي» (1989، «When Harry Met Sally»)، «بؤس» (1990، «Misery»)، «القليل من الرجال الصالحين» (1992، «A Few Good Men»).

A Few Good Men (1992)
A Few Good Men (1992)

أي عاشق للسينما يستطيع أن يستحضر بسهولة جملة لا تُمحى أو موقفًا مضحكًا من كل واحد من هذه الأفلام. من حكاية عازف الطبول الذي انتهى اختناقًا بالقيء، إلى الصرخة الشهيرة: «You Can’t Handle the Truth» أو «Did You Order the Code Red?». ولا يغيب عن الذاكرة التعريف الأسطوري: «اسمي إنيغو مونتويا، لقد قتلت والدي، استعد للموت». مرورًا بمشهد التظاهر بالنشوة الجنسية في المطعم، وصولًا إلى العبارة التي تُوجع القلب: «لم يكن لديّ أصدقاء مثل أصدقائي في الثانية عشرة من عمري».

روب راينر مع والده كارل راينر (1971)
روب راينر مع والده كارل راينر (1971)

وُلد راينر في برونكس سنة 1947، ابن رائد الكوميديا التلفزيونية الأميركية كارل راينر والمغنية إستيل ريبوست. بدأ مسيرته في التلفزيون ككاتب، وظهر في أدوار صغيرة ضمن عدد من المسلسلات الكوميدية. لكن انطلاقته الحقيقية جاءت حين اختاره نورمان لير لتجسيد شخصية مايكل ستيفيك الملقّب بـ«Meathead» (أحمق) في مسلسل «All In The Family»، صهر آرتشي بانكر، العامل العنصري والرجعي الذي جسّد صورة الأغلبية الصامتة في عهد نيكسون. تحوّل المسلسل إلى ظاهرة ثقافية، وظل الأكثر مشاهدة على التلفزيون طوال عقد كامل، فيما حصد راينر جائزتي إيمي عن دوره، وأصبح لقب «ميت هيد» جزءاً من الثقافة الشعبية، لكن راينر كان يدرك أن التمثيل ليس محطته الأخيرة.

This Is Spinal Tap (1984) للمخرج روب راينر
This Is Spinal Tap (1984)

الفيلم الأول من إخراجه هو أيضًا تحفته، فيلم أطلق بشكل كبير ما يسمى «Mockumentary». «هذه هي سبينال تاب» (الجزء الثاني صدر هذا العام) هو بالطبع محاكاة ساخرة، لكنه يصوّر تمامًا انحطاط فرقة روك (غير موجودة في الحقيقة) كانت تمتلك كل شيء، والآن تكافح للحفاظ على نفسها وسط جولة أميركية كارثية. مع ازدياد شهرته، شرع راينر في اقتباس رواية «الأميرة العروس» لويليام غولدمان، وحوّلها إلى فيلم سنة 1987 بأسلوب مزج بين السخرية والرومانسية والمغامرة، دون أن يطغى عنصر على آخر. ورغم أن نجاحه عند العرض كان متواضعًا، سرعان ما تحول إلى فيلم يتوارثه الأجيال: يعرضه الآباء لأبنائهم، ثم الأبناء لأبنائهم، في سلسلة لا تنقطع.

When Harry Met Sally... (1989) للمخرج روب راينر
When Harry Met Sally (1989)

كان راينر أعزبًا لعقد كامل حين بدأ مع صديقته الكاتبة نورا إيفرون العمل على فيلم «عندما التقى هاري بسالي» (1989)، سيناريو استلهمته إيفرون من طبيعة العلاقات العاطفية المليئة بالإحباط. في البداية، كان راينر راضيًا عن النهاية الحزينة التي اتفقا عليها، إذ رآها واقعية وصادقة. لكن كل شيء تغيّر حين التقى بالمصوّرة ميشيل سينغر (1957 – 2025) أثناء التصوير، الحبّ الذي دخل حياته دفعه إلى إقناع إيفرون بتبديل النهاية، لتصبح أكثر تفاؤلًا وانسجامًا مع رؤيته الجديدة للحبّ. تزوجا في العام نفسه، وظلّا معًا منذ ذلك الحين. ورغم أن الأخبار القادمة من لوس أنجلوس مفجعة (وُجد راينر ميتًا بجانب زوجته ميشيل في منزلهما)، فإن علينا أن نستعيد روح الفيلم نفسه، وألا نستسلم للتشاؤم. فكرة الفيلم هي عن رجل وامرأة يقرران أن يظلا صديقين، وأن يتجنبا الجنس لأنه «يفسد كل شيء»، ثم يمارساه فيفسد كل شيء بالفعل. لكن السحر الحقيقي للفيلم، كما رأت إيفرون، هو أن سالي كانت هي نفسها، وأن هاري كان راينر. أثناء الكتابة والتصوير، تبادلا أسرار الحياة العاطفية للرجال والنساء العزّاب، من بينها اعترافها بأن النساء يتظاهرن بالنشوة الجنسية، وهي الحكاية التي أسعدت راينر كثيرًا فحوّلها إلى واحد من أشهر المشاهد في السينما.

Stand by Me (1986) للمخرج روب راينر
Stand by Me (1986)

يُعد «Stand By Me» بلا شك واحدًا من أكثر الأعمال رقة في تاريخ السينما، فمن خلال الفيلم نتعرّف إلى جوهر الصداقة، أو ما ينبغي أن تكون عليه، ونستعيدها ككنز ثمين لا يزول. أما «A Few Good Men» فهو الأكثر ترشيحًا، إذ حصد أربعة ترشيحات لجوائز الأوسكار، بينها ترشيح راينر الوحيد لجائزة أفضل فيلم. ومنذ ذلك الحين، وباستثناءات محدودة، اتجهت مسيرته الفنية نحو الكوميديا الرومانسية أو الدراما الكوميدية. ومع ذلك، قدّم عام 2015 عملًا شخصيًا للغاية بعنوان «Being Charlie»، تناول فيه معاناة ابنه نيك (المحتجز حاليًا للاشتباه في محاولة قتل والده ووالدته) مع الإدمان، حيث شارك نيك نفسه في كتابة السيناريو.

أعادت أفلام روب راينر رسم ملامح الكوميديا والدراما الحديثة بذكاء متوهج، وتعاطف إنساني، وتنوّع نادر. استطاع أن يكون ساخرًا وحنونًا وعبقريًا في اللحظة نفسها. جمع بين الجرأة والصراحة، وابتكر في دفعة واحدة سلسلة من الروائع التي لم يبهت بريقها مع مرور الزمن. لطالما استلهم راينر من الماضي دون أن يتخلى عن نقده اللاذع أو عن جوهر المواضيع الإنسانية التي تتجاوز الأزمنة والظروف. كان يمزج العاطفة بالفكاهة ببراعة، مولدًا إحساسًا غريبًا بالحنين إلى ما لم نعشه بعد، وكأن أفلامه تمنحنا ذكريات مسبقة.

Misery (1990)
Misery (1990)

كان راينر آخر مخرج سمحت له هوليوود بالتنوّع دون أن تفرض عليه عقوبة. بعده، قررت الصناعة أن على المخرجين أن يحملوا بصمة واضحة، أسلوبًا يعرّفهم فورًا. أما هو، فكانت بصمته هي غياب البصمة، وسمته المميزة هي الثقة بالقصة والممثلين والجمهور. لعقد كامل كان هذا كافيًا، ثم تغيّرت القواعد، لكن أفلامه بقيت، وظلت مؤثرة، وستظل كذلك. على مدى أكثر من أربعة عقود، علّم هوليوود أن بالإمكان صنع أفلام شعبية دون التضحية بالذكاء، وأن تغيير الأنواع السينمائية لا يعني الانتهازية، وأن الثقة بالجمهور لا تعني الاستهانة به. ترك راينر سينما لا تعتذر عن شعبيتها، ولا تخلط بين سهولة الوصول والسطحية، بل تعاملت مع المشاهد بندّية واحترام. سينما تبدو اليوم مستحيلة، لكنها كانت ذات يوم القاعدة السائدة.

اقرأ أيضا: أخبرني يا جيلان… هل شعرت في القاهرة بالوحدة؟

شارك هذا المنشور