لا يمثل فيلم «شقائق النعمان» (2025، Anemone) مجرد عودة دانيال داي لويس إلى الشاشة الكبيرة، بل يشكّل أيضًا التجربة الإخراجية الأولى لابنه، رونان داي لويس. في الواقع، يمكن اعتبار الفيلم مشروعًا عائليًا، حيث كتب كلاهما السيناريو. ورغم أن النتيجة النهائية ليست مرضية تمامًا، إلا أنها تُتيح لنا على الأقل التذكير بقدرة دانيال داي لويس الاستثنائية على ملء الشاشة بحضوره. ورغم أن هذه العودة تبدو حدثًا جيدًا جدًا بحد ذاتها، فإن «شقائق النعمان» لا يقدّم في النهاية ما هو مثير للاهتمام، مكتفيًا باستعراض موهبة ممثل عظيم نعرف قيمته مسبقًا، من دون أن يضيف جديدًا إلى تجربته أو إلى السينما نفسها. إنه عمل آخر يتمحور حول الصدمة والتسامح، حيث يواجه البطل جرحًا نفسيًا عميقًا يدفعه إلى الانسحاب من العالم، هربًا من الألم ومن كلّ ما يذكّره به.
راي ستوكر (دانيال داي لويس) وجيم ستوكر (شون بين) شقيقان يفصل بينهما المكان، والجراح الشخصية، وعواقب الصراع السياسي والعسكري في أيرلندا. ينتهي بهما الأمر إلى لمّ شملهما في البرية، بعيدًا عن غضب الحضارة، وإن لم يكونا متحررين من غضب أرواحهما، الذي ظلّ معلقًا لفترة طويلة جدًا. لماذا هرب راي؟ أو بالأحرى، لماذا يجب أن يعود؟ من الأفضل عدم الكشف عن الكثير.

يذهب جيم إلى الغابة بحثًا عن راي المنعزل، فيجده في كوخ يعيش حياة هادئة وبسيطة. في البداية، يبدو اللقاء باردًا: راي يطعمه، يسمح له بالبقاء، لكنه لا يفتح قلبه. ومع مرور الأيام، تبدأ الجدران بالتصدع، ويتحوّل الصمت إلى حوار، والوجوه الجامدة إلى اعترافات. شيئًا فشيئًا، يخرج الماضي من مخبئه: راي يكشف عن تفاصيل مؤلمة، عن الحرب، عن الذنب، وعن العار الذي لم يستطع التخلص منه.
اللقاء بين الأخوين يصبح مواجهة مع الأشباح، مع عائلات هُجّرت، وأطفال وزوجات تُركوا خلفهم. إنها حكاية عن الصدمة التي تتوارثها الأجيال، وعن الدين والذنب والحب، وعن محاولة بطيئة لإيجاد طريق نحو التسامح. حكاية رجلين يواجهان ذكرياتهما وشياطينهما، التي تعكس أيضًا عقودًا من التاريخ الإنجليزي: سنوات ما بعد الحرب، حين عجز الآباء المنهكون من الصراع عن إيصال الحب لأبنائهم؛ حين خلطت الكنيسة بين العنف الجنسي للأطفال والحبّ؛ وحين دمّرت الحرب صداقات راسخة، والأهم من ذلك، حيوات لا تُحصى.

في لغة الزهور، ترمز شقائق النعمان إلى الأمل، وإلى الحب الهش أو المهجور. أما في الميثولوجيا اليونانية فهي زهرة الريح، التي نبتت من دم أدونيس. في أول أفلام رونان داي لويس، تتحول هذه الزهرة إلى مفتاح ذاكرة، تستدعي ماضي الأخوين وتربطهما بوالدهما الذي أحب زراعتها، وكان شديد الحساسية للرياح، لكنه لم يمنح أطفاله الحبّ، تاركًا لهم إرثًا من الهجر العاطفي. هنا، لا تبقى الرياح مجرد عنصر طبيعي، بل تصبح شخصية اندفاعية، تصنع دوامات مقلقة من السحب السوداء، وتخيّم بظلالها المرعبة على الأخوين، وعلى من تُركوا خلفهم مثل نيسا ستوكر (سامانثا مورتون) وبراين ستوكر (سامويل بوتوملي).
«شقائق النعمان» هو فيلم عن رجل يجد نفسه في قلب معادلة عائلية غير مألوفة، لكنها تُقدَّم على الشاشة كخيار منطقي. نعلم أن راي شخصية مجروحة ومصابة بصدمة نفسية، ويضطر في النهاية إلى قبول مساعدة عائلته، لكن الطريقة التي يبلغ بها خلاصه تبدو متوقعة تمامًا، بل تكاد تكون مبتذلة.

إذن، الفيلم يسهل الإعجاب بمظهره لكنه يصعب الاستمتاع بتجربته. فهو بلا شك يبدو مذهلًا، إذ استُغلت مواقع التصوير الحقيقية في مانشستر وتشيستر بأقصى إمكاناتها لخلق جو كئيب وقمعي، فيما يقدّم تصوير بن فوردسمان عملًا بارعًا في هذا الصدد. أما الشخصيات، فتتأرجح بين ما تكشفه الكتابة وما تختار أجساد ووجوه الممثلين أن تخفيه أو تضيء عليه، لتظهر في لحظات غضب مستعر، وذكريات مكبوتة، وعنف يوشك على الانفجار.
مشكلة الفيلم الكبرى هي أن الابن لا يرى والده بعينيه الخاصة، بل عبر نظرات الآخرين المستعارة. فرونان يصوّر دانيال داي لويس لا كما يعرفه، بل كما نحته بول توماس أندرسون أو سكورسيزي في الماضي، كأيقونة مشبعة بالأساطير السينمائية. كل مشهد يتحدث فيه الأب، راوياً قصصه بثقل ممثل مخضرم، يفيض بهالة من التكرار. صحيح أن هذه الهالة مذهلة، لكنها سرعان ما تنهار في الاستعادة: شظايا من عروض سبق أن شاهدناها في أفلام أكثر قوة وأصالة. ما كان ينبغي أن يكون تجربة أولى أصيلة لرونان في تصوير والده، تحوّل إلى متحف للإيماءات السينمائية، عاجز عن التحرر من ظلال رؤى أكبر وأفلام أفضل.

وكما هو الحال دائمًا، أداء دانيال داي لويس عظيم، حتى في هذا السيناريو النمطي بعض الشيء. يقدّم كلّ ما لديه، سواء في لحظات التأمل الهادئ أو في مشاهد الأحلام المجازية، وبالطبع حين يتعين
عليه المزج بين الغضب والبكاء والحميمية. ويبرز على وجه الخصوص مونولوجان: في الأول يروي لجيم قصة انتقام، وفي الثاني يعترف بالجريمة التي اتُّهم بها أثناء قتاله في أيرلندا الشمالية، وكيف تركته مصدوماً ومنهكًا ومثقلًا بالذنب.

لقاء الأخوين بعد سنوات الغياب، المثقل بالصدمات والأحقاد المتراكمة على خلفية الصراع الأيرلندي، يتحوّل إلى سلسلة من حوارات ورقصات ومعارك في برد قارس وكحول مسكوب، مبارزات جسدية ولفظية تطول أكثر مما تحتمل، وتبدو مصطنعة في إصرارها على الإبهار.
رونان داي لويس ليس مخرجًا سيئًا؛ بل في الواقع يحتوي الفيلم على العديد من المشاهد المتوترة. لكن وجود والده يبدو وكأنه يجبره على رفع كل شيء إلى مستوى أعلى باستمرار، فيُثقل الفيلم نفسه بتكلّف زائد، ما يجعله في كثير من الأحيان مبالغًا فيه دون داعٍ، وكأن شخصية عادية مثل راي كان عليها أن تصل إلى أبعاد دانيال بلاينفيو في «ستسيل الدماء».
اقرأ أيضا: «العميل السرّي»… كارنفال برازيلي سينمائي